; الحلقة «47»... الموقف الإسلامي من النظرية الماركسية... التفسير المادي  للتاريخ | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة «47»... الموقف الإسلامي من النظرية الماركسية... التفسير المادي  للتاريخ

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1983

مشاهدات 106

نشر في العدد 613

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 22-مارس-1983

عرضنا في الحلقة السابقة أهم المفاهيم الرئيسية للنظرة الماركسية بغية مناقشتها وتحديد موقف علمي إسلامي منها يسهم في الإرشاد السياسي للحركة الإسلامية، وكانت هذه المفاهيم الأساسية أربعة: أولًا التفسير المادي للتاريخ والثاني هو الخماسية التاريخية أو الأشكال الاجتماعية الخمسة التي سجلت في التاريخ وهي: المشاعية البدائية والرق والإقطاع والرأسمالية والشيوعية الثانية. وثالثًا ما طرحه ماركس حول الصراع الطبقي، ثم رابعًا وأخيرًا ما ذكره حول الدين. وفي هذه الحلقة سوف نحاول- في ضوء ما نعلم والله أعلم- معالجة المفهوم الماركسي الأول ألا وهو التفسير المادي للتاريخ.

فحوى مفهوم التفسير المادي للتاريخ هو أن القوة الأساسية في تطوير المجتمع البشري هي أسلوب الإنتاج، فأسلوب الإنتاج- في رأي ماركس- هو الذي يحدد طابع النظام الاجتماعي وشكل النظام السياسي أو البنية الفوقية SUPRA- STRUCTURE للمجتمع كما يطلق عليها ويسميها، فالناس يحتاجون بعض الضروريات مثل: المأكل والملبس والمسكن والوقود وأدوات الإنتاج، وهذه الضروريات لابُدّ من إنتاجها ولأجل إنتاجها لابُدّ من أدوات ووسائل إنتاج وهذه الأدوات لابُدّ من معرفة كيفية استخدامها؛ هذا ما يسميه ماركس: أسلوب الإنتاج، وهو كما نرى يعبر عن سلوك الناس نحو أشياء «الطبيعة» و«قواها» التي تستخدم لإنتاج الحاجات المادية، وبعدها ندخل في موضوع دقيق وهو موضوع: علاقات الإنتاج؛ إذ يسأل ماركس: من هو الطرف الذي ينبغي أن يتملك أدوات الإنتاج؟ فالذي يتملك وسائل الإنتاج هو الذي يتحكم بأسلوب الإنتاج، وبالتالي يسيطر على القوة الأساسية في تطوير المجتمع البشري. إذن وبصيغة أخرى يقول ماركس: إن الوضع الاقتصادي هو الأساس وهو الذي يحدد الأشكال الفوقية في المجتمع مثل: طبيعة النظام السياسي وتركيباته وطبيعة النظريات الحقوقية والفلسفية والدينية السائدة بين الناس

بتعبير أوضح- وفيما يتعلق بالدين- فإنّ الدين حسب مفهوم التفسير المادي للتاريخ لا يخرج كونه صدى للوضع الاقتصادي ليس إلا.

ولكي نحدد الموقف الإسلامي من التفسير المادي للتاريخ ينبغي أن نقول: بداية إن الإسلام لم ينكر أهمية العامل الاقتصادي في حياة المجتمعات البشرية ومن أجل ذلك فالذي يتفحص القرآن الكريم يرى أنه قد أسهب في معالجة مواضع اقتصادية صرفة مثل الربا والتجارة والبيع والإرث، كما عالج الوظيفة الاجتماعية للمال معالجة استهدفت تحقيق المصالح الجماعية في الأساس. وقد استنكر القرآن الكريم النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي كان سائدًا في الجزيرة العربية ودعا إلى تقويضه وهدمه وبناء نظام اقتصادي تكافلي خالٍ من الربا والاحتكار والغبن والتدليس والتطفيف. كل ذلك في سبيل توزيع أفضل للثروة وتوظيف أحسن للمال وتزكية للعلاقات الاجتماعية. ومن يتوسع في قراءاته حول التشريع الاقتصادي الإسلامي يجد ذلك وأكثر.. ولكن..

نعتقد أن مفهوم التفسير المادي للتاريخ وتغليب العامل الاقتصادي كعامل أساسي على ضوئه نفسر التاريخ، بل نفسر حتى معتقدات الناس وأديانهم فهذا أمر لا يخلو من غلو. إضافة إلى ذلك نعتقد بأن نظرية التفسير المادي للتاريخ تعوزها الأدلة المقنعة، فإذا كانت أساليب الإنتاج- كما تقول النظرية- هي التي تحدد طبيعة النظام السياسي القائم والمعتقدات الدينية السائدة وإذا كان الدين مجرد انعكاس للظرف الاقتصادي الذي يعيش فيه الناس فلماذا نجد مائة دين ودين كلها متجاورة وتستظل في ظل ظروف اقتصادية واحدة. فمثلًا نجد أن الإسلام والمسيحية والهندوكية وعشرات الأديان الأخرى تسيطر على عقول ناس يعيشون في نفس الظروف الاقتصادية ونفس النوع من أساليب الإنتاج مئات السنين وهذه القوى الاقتصادية أخفقت في صهر هذه الطوائف في كتلة دينية واحدة وفي دين واحد أو حتى في نظام سياسي واحد. ولماذا نجد مثلًا ألمانيا (البلد الواحد) منقسمة إلى معسكرين شرقي وغربي؟ ألمانيا الشرقية صارت اشتراكية بمجرد استيلاء روسيا عليها وألمانيا الغربية ظلت رأسمالية لأنها حتى الآن خاضعة للكتلة الرأسمالية مع أنهما في الأساس بلد واحد ويخضعان لنفس الأوضاع والظروف الاقتصادية. ثم إن دول أوروبا الشرقية (المجر، بولندا، تشيكوسلوفاكيا، يوغوسلافيا، بلغاريا وغيرها) حين تطورت من الرأسمالية إلى الاشتراكية هل تطورت بتطور أدوات الإنتاج أم باستيلاء روسيا الشيوعية عليها؟ ثم في روسيا هل تطورت أدوات الإنتاج أولًا ثم تطورت العلاقات الاجتماعية تبعًا لذلك والنظام القائم فيها أم أن الحزب الشيوعي استولى على السلطة فغير أدوات الإنتاج وأسلوب الإنتاج وعلاقات الإنتاج؟

·       الحقيقة أن مفهوم التفسير المادي للتاريخ لا يخلو من الغلو في تغليبه للعامل الاقتصادي، ونحن من موقع الالتزام الإسلامي لا نقبل به لأنه بالإضافة إلى غلوه فهو لا يجيب على كثير من الأسئلة التي طرحت حوله ولأنه في النهاية وبالإضافة لذلك ينكر الدين جملة وتفصيلًا ومصداقية أساليب توصيل الدين ومن أهمها الوحي والكتب السماوية.

الحلقة القادمة 48

نناقش موضوع: «الخماسية التاريخية» بإذن الله تعالى.

ملحوظة: القارئ الراغب في التوسع في الموضوع ننصحه بكتاب قيم صدر من جامعة أم القرى بعنوان: «موقف الإسلام من نظرية ماركس للتفسير المادي للتاريخ». بقلم: أحمد العوايشة، جزاه الله كل خير.

الرابط المختصر :