; منظمة أمل.. هل تحتل مكانًا على خارطة لبنان السياسية؟! | مجلة المجتمع

العنوان منظمة أمل.. هل تحتل مكانًا على خارطة لبنان السياسية؟!

الكاتب المحرر السياسي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1980

مشاهدات 69

نشر في العدد 486

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 24-يونيو-1980

أثارت الاشتباكات التي حصلت بين قوات حركة أمل الشيعية من جهة وقوات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية من جهة ثانية في ضاحية بيروت الجنوبية وبعض قرى الجنوب اللبناني أثارت عدة تساؤلات في أوساط المراقبين للأزمة اللبنانية حول مغزى هذه الاشتباكات وما إذا أخذت حركة أمل تفرض نفسها على المسرح اللبناني لتصبح معالمها بارزة في أية خريطة سياسية جديدة للبنان.

ويبدو أن لهذا التساؤل مسوغًا قويًّا ومعقولًا إذ المعروف أن الطائفة الشيعية في لبنان هي التي زودت الحركة الوطنية اللبنانية وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية بالمقاتلين فكيف تعمد حركة أمل إذن لنقل ساحة الصراع إلى الجبهة الوطنية والإسلامية بدلًا من إسرائيل والقوى الانعزالية؟! 

وبالتأكيد فإن حركة أمل ترفض صيغة هذا التساؤل ففي نقاش مع أحد أنصار الحركة يعمل صحافيًّا ورفض أن يفصح عن علاقته بالحركة قال في معرض إجابته عن التساؤل السابق بكل صراحة: «إن الجنوبي الشيعي الذي ظل يعاني الحرمان لأزمان طويلة آن له أن ينتصف ويأخذ موقعه وتكون الكلمة له: أنني بصراحة إقليمي وإقليمي محض...».

حركة أمل تتويج لجهود تقوية دور الطائفة الشيعية في لبنان

وهذه الإجابة بالرغم مما فيها من عصبية إقليمية وضيق أفق فإنها تفتح الأذهان لضرورة استعراض موقع الشيعة من السياسة في لبنان.

فالمعروف تاريخيًّا أنه برزت في لبنان طائفتان تتنافسان على الحكم منذ بداية الاتصال بأوروبا هما الموارنة والدروز، وقد كانت الغلبة للدروز في عهد المعنيين ثم آلت للمارونيين بدعم من محمد علي الذي مثل دور الداعية لتغريب العالم العربي تحت شعار «التحديث»، ومنذ عام ١٩٤٢م وقيام دولة «لبنان الكبير» ظهر المسلمون السنة كمنافسين للموارنة.

ومنذ ذلك الحين والشيعة- خاصة الأعيان منهم- لا يشكلون أكثر من معارضة هامشية بالرغم من كبر المساحة التي يغطونها في الجنوب والبقاع.. وقد كانت الطائفة الشيعية كنتيجة لذلك ملحقة بأطراف الصراع الأخرى. والحقيقة أنه نتيجة لسياسة الدولة المارونية الظالمة فقد أهملت جميع مناطق السكان المسلمين خاصة في الجنوب وبسبب سياسة الحرمان الذي مارسته مختلف الحكومات اللبنانية في المناطق الإسلامية لجأ كثيرون من الجنوبيين إلى الهجرة إلى الحاضرة الزاهرة بيروت بحثًا عن لقمة العيش ونشأ في بيروت ما يسمى «بحزام البؤس» وهي المناطق التي أغلب سكانها المهاجرون من الجنوب.

ومن الذين حاولوا توحيد الشيعة وجمع كلمتهم رشيد بيضون من خلال تنظيم الطلائع الذي من خلاله جمع أموالًا من المهاجرين الشيعة لبناء الكلية العاملية والكشاف العاملي ومسجدًا في بيروت يجاهر بالشهادة لعلي وأبنائه المعصومين. ومن بعده نشط أحمد الأسعد والد كامل الأسعد رئيس مجلس النواب الحالي لكن هذه الجهود لم تفلح في جمع كلمة الشيعة للتباين في مصالحهم بسبب ارتباطهم بقادة إقليميين ذوي مصالح متباينة. 

حركة المحرومين

وفي عام ١٩٥٦م جاء موسى الصدر من إیران لیستقر في لبنان وليكون زعيمًا للشيعة هناك، وبعد أن حصل على الجنسية اللبنانية وأصبح عضوًا في مجلس الأمة نشط منذ أوائل السبعينيات لرفع كلمة الشيعة ورفع شعار حركة المحرومين وهو في الحقيقة لم يخص المحرومين من الشيعة فقط بل عني المحرومين في لبنان من جميع الطوائف وإن كان واضحًا أن أغلبية المحرومين كانوا من الشيعة.

وهكذا ففي السنوات الأولى من السبعينيات استطاع السيد موسى الصدر أن يحقق الزعامة الزمنية والدينية للطائفة الشيعية في لبنان وبدأ في تنظيم الحركة سياسيًّا واجتماعيًّا.

منظمة أمل

وفي عام ١٩٧٤م تشكلت منظمة «أمل» التي هي الاسم المختصر لأفواج المقاومة اللبنانية وكان على رأس مؤسسيها بالطبع السيد موسى الصدر كما كان من ضمن مؤسسيها الدكتور مصطفى شمران وزير الدفاع الإيراني والدكتور صادق الطبطبائي و هما إيرانيان.

والجدير بالذكر أن المقاومة الفلسطينية وبالذات «فتح» قد ساهمت في تأسيس هذه المنظمة وتدريب كوادرها العسكرية وذلك طمعًا في أن تخلق جبهة إسلامية في جنوب لبنان تناصرها في صراعها مع إسرائيل من جهة وتعزز من وجود المقاومة في لبنان ضد رغبة الجبهة اللبنانية التي ثبت أنها تلتقي مع العدو اليهودي في ضرب الفلسطينيين وكسر شوكتهم القتالية.

وكان السيد موسى الصدر هو زعيم هذه المنظمة وقائدها وكان قصده من إنشائها هو توحيد الطائفة الشيعية كما أسلفنا وليكفل انضمام المحرومين إليها من بقية الطوائف حرص السيد الصدر على أن يذكر في النظام الأساسي للحركة أنها تستند إلى مبدأ «التوفيق بين حاجات السماء وحاجات الأرض» واقتصر في شروط العضوية على مجرد الإيمان بالله. وهذه الصيغة كانت تنسجم مع أفكار السيد الصدر الذي مع كونه زعيمًا شيعيًّا إلا أنه صرح بأنه يؤمن بأن الحكم في لبنان يجب أن يكون علمانيًّا كما أنه لم يكن مرفوضًا من قبل أطراف «الجبهة اللبنانية».

خلاف بين قادة الحركة 

وبوجود السيد الصدر لم تبرز أية خلافات بین أرکان الحركة ولا بين الحركة من جهة والمقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية من جهة أخرى.

ولكن بعد غياب الإمام وتزعم السيد حسين الحسيني النائب اللبناني المعروف للحركة واستحداث منصب مجلس الأمناء الذي كان الحسيني أمينًا عامًّا له دبت بعض الخلافات في أركان الحركة؛ مما دعا الحركة إلى عقد مؤتمر عام لها في شهر أبريل الماضي ترتب عليه انتخاب الحسيني مرة ثانية ولكنه سارع إلى الاستقالة بسبب استمرار هذه الخلافات.

وقد وُصف السيد الحسيني بأنه كان متطرفًا استغل اجتياح الجنوب من قبل العدو لتسخين قواعد حركة «أمل» ضد المقاومة الفلسطينية ووضع مقاتليها في خدمة السلطات اللبنانية.

ومما ساعد على إعطاء هذه المنظمة زخمًا سياسيًّا مؤثرًا انتصار الثورة الإيرانية ووصول بعض مؤسسيها إلى مراكز مؤثرة في الحكومة الإيرانية الجديدة. 

ويبدو أن السبب الذي جعل هذه الحركة تقف موقفًا تنافسيًّا بل ردعيًّا في بعض الأحيان ضد المقاومة الفلسطينية هو كما قيل دفاعها عن التوطين. والتوطين كما يعرفه كل بصير في الأوضاع اللبنانية لا يعدو عن كونه مجرد شعار رفعته إسرائيل والجبهة اللبنانية لإشعال نار الفتنة بين الجنوبيين والفلسطينيين فإسرائيل تعمل لضم الجنوب إليها طمعًا في ضرب المقاومة الفلسطينية ولتأمين مواردها المائية من نهر الليطاني. 

وإذا عدنا إلى الخلافات التي كانت سببًا في استقالة السيد الحسيني أمكن القول إن في الحركة اتجاهات متباينة:

  • اتجاه يضغط لانحياز المنظمة إلى السلطة اللبنانية ويمثله كبار الموظفين الذين عملوا مع السيد موسى الصدر بدافع الوصول إلى وظائف في الدولة اللبنانية ولعل السيد الحسيني وخلفه السيد نبيه بري من أنصار هذا الاتجاه. والذي يبدو أنه الاتجاه الغالب مع العلم أن السلطة اللبنانية قد ثبت بالتجربة أنها منحازة لأطراف الجبهة اللبنانية «الكتائب والأحرار».
  • اتجاه يضغط للتعاون مع الثورة الإيرانية ويراهن عليها لرفع الظلم اللاحق بالطائفة الشيعية وعلى مواردها العسكرية والمادية في تقوية المنظمة الشيعية.
  • اتجاه يدعو للتعاون مع المقاومة الفلسطينية.
  • واتجاه يقيم علاقات وثيقة مع سوريا.

ومع أن الاتجاه الأول هو الاتجاه الغالب على ما يبدو إلا أن استقالة الحسيني وتعيين نبيه بري خلفًا له والذي يعتبر أكثر اعتدالًا من سلفه وإن كان من أنصاره ووصول بعض مؤسسيها إلى مواقع مؤثرة في السلطة الإيرانية قد يعمل على تحسين العلاقات مع المقاومة الفلسطينية بسبب الموقف الإيراني المعلن من القضية الفلسطينية وعلى أية حال فصلة المنظمة بكل من إيران وسوريا قد أصبحت واضحة، ففي أحداث الضاحية الجنوبية في 31/ 5/ 1980م اضطر الأمين العام نبيه بري للاتصال بسوريا لوضع حد للاشتباكات كما طار إلى إیران أكثر من مسؤول في المنظمة كان من بينهم مرشدها الديني محمد مهدي شمس الدين. وهكذا فإن المتتبع لتطورات الحركة يخرج بنتيجة مفادها أن هذه المنظمة إن هي إلا تتويج أو خطوة متقدمة على طريق توحيد الطائفة الشيعية وإعادة رسم الخارطة السياسية اللبنانية بحيث تأخذ فيها هذه الطائفة موقعها.

ونحن من هذا المنبر لا يسعنا إلا أن نقدم النصيحة الخالصة للمسؤولين في الحركة أن ينظروا للشيعة كمسلمين وليس كطائفة وأن تلتقي أهدافهم طبقًا لذلك مع أهداف المسلمين في لبنان عمومًا وتحديدًا ننبه إلى أن الاشتراك في مسرحية التقسيم والتوطين التي تشترك إسرائيل والجبهة اللبنانية في إخراجها يعتبر خروجًا على مبادئ الدين الإسلامي الحنيف وخيانة لواجب المسلمين تجاه قضية فلسطين الذي يوجب التمكين للمقاتلين من أداء واجبهم بالرغم من الخلافات والتجاوزات التي لابد أن تحدث لأنها من طبيعة الحركة والحياة واعترفت بها المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية.

الرابط المختصر :