; حرب المخيمات.. مـأساة تورطت فيها منظمة أمل ومدخل نحو التجزئة الشاملة | مجلة المجتمع

العنوان حرب المخيمات.. مـأساة تورطت فيها منظمة أمل ومدخل نحو التجزئة الشاملة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1986

مشاهدات 66

نشر في العدد 773

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 01-يوليو-1986

  • حرب المخيمات فصل من الفصول الأخيرة من المأساة الملهاة في لبنان
  • المقاتلون في المخيمات قوة حقيقية لا بد أن تأخذ مكانها وتستعيد توازنها
  • الحقد الطائفي وراء حرب المخيمات.
  • بري أداة من أدوات العمالة.

دخلت حرب المخيمات عنصرًا جديدًا في مادة الصراع في لبنان، وباتت حدود المخيمات الفلسطينية حول بيروت «محاور» جديدة و«خطوط تماس» دائمة تضاف إلى الحدود المعروفة بين بيروت الشرقية والغربية أو بين المناطق الجنوبية المحررة وبين الشريط الحدودي فلماذا ولمصلحة من تقوم هذه الحرب؟ ولماذا تستمر دون توقف على الرغم من أن الجميع يعلنون بأنها حرب إخوة، وأن مصلحة كل الأطراف المشاركة فيها إنهاؤها ووضع حد نهائي لها؟

أفرز الغزو الإسرائيلي للبنان حالة عدم توازن سياسي وعسكري، فقد امتد الموارنة خلف الدبابات الإسرائيلية إلى المناطق الوطنية الإسلامية سواء في بيروت أو مناطق الجبل والجنوب، لكن بعد إسقاط اتفاق 17 آیار وانسحاب القوات الإسرائيلية الغازية بدأت الساحة اللبنانية تتوازن وبدأت القوى الموجودة في لبنان تأخذ حجمها الطبيعي الذي تؤهلها له قدرتها أو الدعم الخارجي الذي تتلقاه وبقى عدم التوازن مقتصرًا على المخيمات الفلسطينية، لقد سيطرت سوريا تحت مظلة منظمات جبهة الإنقاذ الفلسطينية على مخيمات الشمال «البارد والبداوي» وبقيت مخيمات بيروت والجنوب تحاول استرداد وزنها واستعادة حريتها في الممارسة السياسية والعسكرية، ولقد كان ذلك واضحًا منذ أوائل عام 1985 مع الانسحاب الإسرائيلي عن مخيمات الجنوب.

وبما أن سوريا كانت تخوض حربًا شرسة ضد منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات، فقد بذلت سوريا كل ما تملك من نفوذ من أجل الحيلولة دون عودة ياسر عرفات أو نفوذه إلى المخيمات، وتحت هذا العنوان بدأت حرب المخيمات أواسط الصيف الماضي «رمضان 1405 هـ»

  • حرب المخيمات الأولى:

كانت المعادلة السياسية في لبنان مختلفة عما هي عليه اليوم، فرئيس الجمهورية أمين الجميل ومعه حزب الكتائب كان صاحب حظوة في دمشق، ونبيه بري ومنظمة أمل كانت العلاقة بينهما وبين السلطة اللبنانية في أحسن حالاتها. لذلك فقد تحالفت هذه القوى من أجل ضرب المخيمات العزلاء واستلاب أي دور فلسطيني على الساحة اللبنانية، وكان اللواء السادس من الجيش اللبناني «غالبية عناصره من الشيعة» يتلقى أسلحة وذخائر من قيادة الجيش في «البرزة» من أجل دعم معركته ضد المخيمات الفلسطينية، كما كانت منظمة أمل تتلقى دعمًا غير محدود من سوريا لأن أمل كانت أداتها في حرب المخيمات.

وشهدت المخيمات حربًا طويلة استمرت خمسة أسابيع، شحت فيها المواد الغذائية والمياه، وكان الجرحى يموتون نزفًا لأن الحصار كان كاملًا على المخيمات التي تحوي عشرات الآلاف من السكان الآمنين، ومع هذا فقد صمدت المخيمات وتماسكت أمام الهجمة البربرية، وبات واضحًا أن منظمة أمل فشلت في تحقيق المهمة المنوطة بها، وأن التوازن سوف يعود إلى المخيمات لتأخذ ما تستحقه من أثر سياسي وفعل عسكري.

  • ما بعد حرب المخيمات

ومر عام على معركة المخيمات الأولى أعيد خلالها إعمار ما تهدم وبشكل أفضل وأقدر على الصمود والمواجهة وتدفق السلاح على المخيمات بكل أشكاله وأنواعه، لا سيما وأن كل فلسطيني في المخيمات يعتبر نفسه مستهدفًا، وأن المرحلة الأولى سوف تعقبها مراحل أخرى، سواء في ذلك عناصر منظمة فتح أو أتباع منظمات جبهة الإنقاذ، أو التيار الإسلامي الفلسطيني الذي نما وترعرع وتميز عن بقية القوى الأخرى خلال معركة المخيمات الأولى.

وبدأت الكفة تميل لمصلحة المخيمات، فالمسلمون في كل لبنان تعاطفوا مع الشعب الفلسطيني الذي حوصر وقهر في حرب المخيمات وكانت منظمة أمل وحدها تقف لتتلقى الآثار المدمرة لهذه الحرب، بعد أن كادت تتخلى عنها حتى سوريا التي تريد أن تحوز الورقة الفلسطينية واستلابها من عرفات لا تدمير المخيمات، ثم بدأ تحصين المواقع لدى الطرفين، وتدشيم الأبنية المسيطرة على ساحة المعركة القادمة، إلى أن كانت حرب رمضان الثانية.

  • حرب المخيمات الثانية

بغض النظر عمن فجر المرحلة الراهنة لحرب المخيمات فذلك لا أهمية له على ساحة الصراع اللبنانية بسبب الاختراقات الموجودة لدى كل الفرقاء لكن البارز هو أن منظمة أمل كات تريد أن تضع حدًا للتمرد الفلسطيني خارج المخيمات لأنها أوشكت أن تكون مطوقة في مكاتبها وأحيائها بدل أن كانت هي التي تطوق المخيمات، وفي الجانب الفلسطيني كان الحقد على ممارسات منظمة أمل يكبر ويتراكم نظرًا لما ارتكبته وما ترتكبه كل يوم بحق الفلسطينيين، فقد قتلت الرجال واقتحمت المستشفيات فصرعت الجرحى في غرف العمليات ودمرت الأبنية، وما لم تستطع تدميره نهبته ثم أحرقته إخفاء لآثار الجريمة، وقد وقع هذا بالنسبة لكل منازل ومحلات مخيمي صبرا وشاتيلا، وكانت عبر سيطرتها على طريق المطار تخطف الشباب العائدين أو تسلبهم ما جنوه من أموال أو ما يرسلونه إلى ذويهم المحاصرين في المخيمات.

وهكذا تفجرت المعركة وبدأ قتال المحاور بين أمل والفلسطينيين لكن على الرغم من أن المخيمات هي المحاصرة وهي التي تتعرض للقصف والقنص، إلا أن الإصابات لدى منظمة أمل أكبر سواء في عدد القتلى أو الجرحى، وقد كان الفارق بسيطًا في الإصابات لمصلحة الفلسطينيين في العام الماضي، إلا أن الفارق كبير هذه المرة وهذا لما لمسه الوفد الإيراني الذي زار مخيم برج البراجنة المحاصر.

  • أسباب التفوق الفلسطيني
  • السبب الأول في التفوق الفلسطيني أن الفلسطيني في المخيم له قضية واضحة، فهو يدافع عن بيته وكرامته وعرضه، بينما مقاتلو أمل لا قضية لهم إلا أنهم خاضوا معركة خاسرة في العام الماضي وهم الآن يجنون محصلة إساءاتهم.
  • السبب الثاني أن المخيمات كانت عزلاء من السلاح تقريبًا العام الماضي، بينما هي الآن مزودة بكل أنواع السلاح وقد ساهمت قوى كثيرة في عملية إدخال السلاح وتسريب المقاتلين، بعض هذه القوى قطاعات من منظمة أمل تقبض المال فتهرب السلاح وتسرب الرجال.
  • السبب الثالث أن التفاهم الذي حصل بين أمين الجميل وزعامة منظمة التحرير خلال زيارته لتونس أفرزت معادلة جديدة أبسط معالمها أن تمنع قيادة الجيش إمدادات السلاح والذخيرة عن اللواء السادس الذي يقاتل مع أمل في حرب المخيمات، ويقول المطلعون إن أمين الجميل قبض ثمن هذا الموقف الكريم عشرين مليون دولار حسب رواية فلسطينية ومائتي مليون دولار حسب الرواية السورية.
  • السبب الرابع أن التنظيمات الفلسطينية احتاطت للمعركة فخزنت الأغذية وجهزت بعض المعدات الطبية وأقامت أبنية من طابقين أو أكثر، بينما لم يكن في مخيم برج البراجنة أي مبنى يمكن أن يحتمي به السكان سوى المستشفى المهجور، لذلك فإن ضحايا القصف هذه المرة ليسوا كثيرين.
  • السبب الخامس والأخير هو أن المقاتلين في المخيمات هم قوة حقيقية لا بد وأن تأخذ مكانها وتستعيد توازنها، بينما مقاتلو أمل هم مجرد أدوات استعملتهم سوريا لتحقيق أغراض سياسية وعلى هذا فإن منطق الأحداث ومسار التاريخ يحتم أن تنهار الأداة إذا انتهى دورها أو استبدلت بسواها.

 

  • رغم كل هذا فالمأساة رهيبة

لكن هل يعني أن حرب المخيمات هي مجرد نزهة؟ كلا إنها حرب شرسة، ومأساة إنسانية قل نظيرها، فالمخيمات محاصرة حصارًا كاملًا منذ خمسة أسابيع، مخزون المياه محدود وكذلك مخزون المواد الغذائية ومنذ خمسة أسابيع لم يذق الناس المحاصرون أي حبة خضار أو فاكهة أو قطعة لحم والناس محصورون في ملاجئ أو طبقات سفلى من بعض المنازل الآمنة، ومنذ زمن طويل حرم هؤلاء إمكانية الخروج من المخيم للعمل أو التماس الرزق، لذلك فإن مواردهم محدودة جدًا والعالم يكتفي بالتفرج على مأساتهم وكأنه يشهد مبارزة ينتظر ليرفع يد المنتصر فيها، إن مسؤولية العرب والمسلمين، شعوبًا وحكامًا، كبيرة جدًا إزاء ما يدور في مخيمات بيروت، وإذا كان المسلمون في لبنان -سواء كانوا فلسطينيين أو لبنانيين- مغلوبين على أمرهم مقهورين لقوة طاغية تسومهم العذاب، فإن كل المسلمين شهود على ما يحصل، ولا أريد أن أصف هذه الشهادة أهي شهادة الساكت عن الحق الشيطان الأخرس، أم هم شهود زور، أم ماتت فيهم صرخة المعتصم من أمد بعيد؟

  • سيناريو مرحلة جديدة

ويتساءل الناس: هل يمكن أن تستمر حرب طويلة تكلف الملايين ومئات القتلى والجرحى لمجرد نزوة عابرة؟ وأقول بإن الحرب الدائرة الآن في المخيمات هي الفصل الأخير أو ما قبل الأخير من المأساة الملهاة في لبنان، إن المخطط الإسرائيلي في لبنان هو تقسيمه وتفتيته، وقد تم هذا بالفعل ولا يلزمه سوى الإعلان الرسمي، لقد تم إنجاز الفرز الطائفي وبقي الفرز المذهبي.

وقد أصبح التقسيم الطائفي واقعًا بعد أن عاش فترة طويلة يعشش في مشاعر أتباع الطوائف، أما الانقسام المذهبي فهو ما زال في مطبخ المؤامرة ينتظر النضج، وليست حرب المخيمات والتصفيات المذهبية في بيروت إلا مرحلة من مراحله.

لقد احتاجت إسرائيل بعد انسحابها من لبنان «جزئيًا» إلى أكياس رمل تدافع عنها وتتلقى عنها ضربات المقاومة، فافتعلت أحداث شرق صيدا أوائل عام 1985 حيث ضرب النصارى أحياء المدينة، فانتقم أهل صيدا وردوا عن أنفسهم العدوان مما اضطر النصارى للهرب جنوبًا ولم يستقر بهم الحرب إلا في منطقة الشريط الحدودي التي جعلتها إسرائیل دار هجرة لهم، فكان لها ما أرادت، وما زالوا يقومون بدور الممثل البديل يتلقون الضربات عن إسرائيل.

  • حزام أمني جديد

لكن إسرائيل تريد حماية من نوع آخر، أضمن وأقدر وهذا ما تنضجه على نار هادئة، لقد سلم الناس في بيروت اعتداءات منظمة أمل وعدوانها على المخيمات، وبات الاحتقان المذهبي رهيبًا في بيروت بعد الأدوار التي قامت بها أمل، وهم يحملون الشيعة كل وزر ما تقوم به منظمة أمل، مما أوجد انقسامًا مذهبيًا رهيبًا، ولما كان ما يسمى إرهابًا يعشش في أوساط الشيعة دون غيرهم فلا بد من ضرب البؤرة التي يعيش فيها هذا التوجه سواء في بيروت الغربية أو الضاحية الجنوبية، وقد كانت سوريا مهددة خلال الشهر الماضي نتيجة اتهامها بحماية الإرهاب، لكن هذه التهمة أسقطت عن سوريا بانتظار أن تقوم بما يدلل على رفضها للإرهاب، ومعنى هذا أن تتخلى سوريا عن الشيعة اللبنانيين تمهيدًا لضربهم وإنهاء هيمنتهم، لكن سوريا لا يمكن أن تقوم بهذه المهمة بنفسها، ولا بد من الأداة، وبذا تكتمل عناصر السيناريو، فالمخيمات وحدها قادرة على هذا الدور ومهيأة لأدائه، خاصة وأنها تختزن حقدًا كبيرًا على منظمة أمل الممثلة لسواد الشيعة في لبنان.

وأين مصلحة إسرائيل؟ إنها تكمن في استقدام الشيعة الجنوبيين من بيروت إلى قراهم الأصلية، وإذا عادوا فإنهم سيكونون ملزمين بصياغة ترتيبات أمنية مع إسرائيل معلنة أو غير معلنة، تحفظ لهم قراهم من أي ردة فعل يهودية على عمليات المقاومة ضد إسرائيل.

هكذا تعود بيروت للنفوذ الفلسطيني، ويتم تهجير قرى صغيرة للشيعة قرب صيدا نحو الجنوب، فيرد الشيعة بالضغط على المخيمات الفلسطينية في منطقة صور القريبة من الحدود مع فلسطين المحتلة «الرشيدية، برج الشمالي، مخيم البص» فينتقل سكانها شمالًا نحو صيدا فيبتعدون عن الحدود، وترتاح إسرائيل ويستمر الصراع المذهبي ليستقر التقسيم الطائفي والمذهبي، وهذا ما تسعى إليه إسرائيل.

إن هذا المخطط رهيب، نسأل الله أن يعين على إفشاله وحبذا لو تتضافر الجهود من أجل تلافي كل المعارك الجانبية الدائرة في غير الميدان الطبيعي لمعركة المسلمين مع اليهود، لأن بعضنا يسير أحيانًا في مخطط العدو دون أن يدري، ويصبح أداة من أدواته استجابة لردود الفعل أو انسياقًا وراء الغريزة، اللهم إلا إذا عصمه من هذا ضوابط الشرع والتزام حدود الله وقليلون هم الذين يلتزمونها.

الرابط المختصر :