العنوان من أجل.. وحدة اقتصادية.. تستطيع مواجهة التحدي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1973
مشاهدات 13
نشر في العدد 154
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 12-يونيو-1973
· منطق
المصلحة الاقتصادية.. أقوى من شعارات التهريج
في الماضي، كانت اقتصاديات الدول المتقدمة تقوم على
استغلال الموارد الطبيعية لمناطق النفوذ التي تحتلها، وعلى تحويل هذه المناطق إلى
أسواق استهلاكية لصادرات البلد المستعمر.
وبانتصار موجة الحركات الاستقلالية في العالم
الثالث وخروج المستعمر، اتجهت هذه البلاد إلى تكوين مجموعات اقتصادية فيما بينها
مثل السوق الأوروبية المشتركة والكوميكون الشيوعي والمنطقة التجارية الحرة في
أوروبا وغيرها، بل نجد أن القفزة التكنولوجية والصناعية الضخمة التي برزت في
التاريخ المعاصر، قد أكدت بصورة أشد الحاجة إلى التنسيق الاقتصادي. فتكونت اتحادات
تجارية وكارتلات بين الشركات التجارية والصناعية بل ونجد أن هذه الاتحادات شملت
الشركات التي تدير صناعات متشابهة في مختلف أنحاء العالم وليس في البلد الواحد
فقط.
وفي المنطقة العربية، على الرغم من توفر العوامل
والظروف لقيام حركة اقتصادية موحدة.. تحتمها ظروف المنطقة واحتياجاتها ومصيرها
السياسي، لا نجد أي صورة من صور التنسيق أو التعاون الاقتصادي المتحد، لمواجهة
الظروف الاقتصادية الجديدة والمعقدة التي تسود العالم اليوم.
وقد بذلت محاولات رائدة من قبل، ولكن حكم عليها
بالفشل.. مع أن هذا الموضوع كان ينبغي أن يكون في طليعة منجزات جامعة الدول
العربية.. إلا أن المحاولات التي بذلت عام 1957 «مشروع الوحدة الاقتصادية العربية»
وعام 1964 «مشروع السوق الأوروبية المشتركة» توقفت في ميدان التنفيذ.
ويمكن القول بأن المنطقة العربية منذ انهيار الوحدة
الإسلامية التي كانت تجمعها في كيان سياسي واحد لم تشهد أي وحدة تعاونية تجارية واقتصادية.
واليوم أكثر من أي وقت مضى فإن الأمة مطالبة بالبدء
الفوري في تشكيل هذه الوحدة. لقد أصبح الاقتصاد هو الجوهر والأساس للفعالية
السياسية والوطنية.
هذا الأسبوع شهد حدثين هامين نريد أن نعرج منهما
إلى الحديث عن هذه الوحدة المأمولة..
• الحدث الأول: كان انتصار دول الأوبك في معركة
إعادة النظر في أسعار البترول بعد تخفيض الدولار.
• والحدث الثاني: هو جولة وزير الخارجية الشيخ صباح
الأحمد التي شملت أقطار الخليج العربية والتي جاءت في جو مشحون برزت فيه ضرورة
الوحدة الخليجية حول عامل مشترك هو العنصر النفطي والاقتصادي.
نجاح الأوبك
على الرغم من التباين السياسي بين الأنظمة الحاكمة
في دول «الأوبك» فقد اتسم التنسيق السياسي في مواجهة قضايا النفط بالانسجام والقوة
والفعالية..
وقد حققت المنظمة قدرًا كبيرًا من الوحدة فشلت في
تحقيقه جامعة الدول العربية ومؤتمراتها وهيئاتها..
ففي الوقت الذي تسود اجتماعات الجامعات العربية أو
أي اجتماع عربي روح التناقضات العربية والعداوات و «تبادل الخلافات» ثم ينتهي
الأمر إلى لاشيء.. نجد أن اجتماعات الأوبك يسودها انسجام وتفاهم واتحاد بين جميع
الأطراف كفيل بأن يحقق لجانبها انتصارات ومكاسب وأرباحًا عظيمة في مواجهة الشركات.
ولعل اتفاقية المشاركة تأتي في مقدمة هذه
الانتصارات.. فهي ليست مساومة تجارية صرفة، ولكنها خطوة اقتصادية وسياسية كبرى تضع
الدول المنتجة للبترول في مرحلة جديدة متقدمة في طريق إعراب صناعة عصرية.. صناعة
النفط. ثم محادثات الأسعار التي سبقتها معركة المشاركة والتي انتهت بعد تخفيض قيمة
الدولار الأمريكي حيث طالبت دول الأوبك بزيادة السعر بنسبة تتراوح بين 11٪ و12٪
لإعادة السعر إلى حجمه المتفق عليه سابقًا عام 1972 وأصرت الشركات على زيادة
محدودة لا تتعدى 8٪ وخرجت دول الأوبك منتصرة بعد جولة معقدة وطويلة من المحادثات
اتفق فيها على زيادة 11.9٪ وعلى مسائل أخرى بشأن التعويض والزيادة والمراجعة..
تسييس الأوبك
فاذا كانت الأوبك (وهـي تضم قطرين غير عربيين
أحدهما بلد إسلامي هو نيجيريا) قد استطاعت أن تحقق اتحادًا اقتصاديًّا، -تجاريًّا
يفصل في أخطر قضايا الثروة العربية، وإذا كانت الهوة بين الثروة الاقتصادية
والممارسة السياسية قد ضاقت إلى درجة التلاحم.. وإذا كان بالإمكان اعتبار هذه
المكاسب مكاسب قومية، فمن الإنصاف أن ننظر للأوبك كمنظمة قومية ناجحة استطاعت أن
تلعب دورًا حيويًّا وفعالًا في مصير المنطقة ومستقبلها ومقدراتها..
وإذا ما خضعت الأوبك إلى قليل من «التسييس» في نطاق
اختصاصها ومصالح أعضائها المتحدة.. فسنجد أنفسنا أمام تنظيم عربي جديد يستطيع أن
يحمل العالم على إعادة تقدير القوة العربية والكلمة العربية والموقف العربي.
في وقت تحكم فيه الأزمة البترولية خناقها على
العالم الغربي في أمريكا وأوروبا يمكن أن نتصور قوة الجانب العربي إذا ما برزت
منظمة «الأوبك» كمنظمة «اقتصادية يسودها الاتحاد» في زمن فاقت الفرجة فيه بين
الاقتصاد والسياسيين.
● الشركات الأمريكية
المتعاملة مع شركة نيسان اليابانية أجبرت الأخيرة على التفكير في إنشاء مصنع
لتجميع السيارات في الأرض المحتلة، لولا أن الضغط العربي كان أثقل -اقتصاديًّا-
على الشركة اليابانية فسحبت الفكرة.
ألا يمكن أن يضغط العرب ولو بطريق غير مباشر على
حلفاء إسرائيل ليكفوا -فقط- عن تحريضها وإغرائها بالعدوان؟ إذا كانت المصلحة هي
وحدها التي تحرك حكومات الرأسمالية الغربية، فمن الممكن أن ينجح العرب إذا
استخدموا سلاح البترول ضمن مخطط سياسي واعٍ وليس تحت شعار حماس غوغائي. لقد فزعت أمريكا
من الإنذار السعودي الذي تردد على لسان الملك فيصل والدكتور اليماني والسيد عمر
السقاف أكثر من القرار المرتجل الذي أملته ظروف النكسة النفسية وشعارات اليساريين
الذين يخدمون الخط السوفيتي أولًا وأخيرًا.
● الدول التي تساند إسرائيل
والدول التي تتردد في تسليح العرب.. هذه كلها تحت رحمة البترول العربي.. وإذا كان بعض
السياسيين الغربيين مدينين لليهود في تمويل معاركهم الانتخابية أو امتلاك أجهزة الدعاية
فماذا تفعل الأموال العربية المكدسة في الغرب؟
● قبل أن ننساق وراء الحديث
الشجي عن دور البترول في بناء النهضة العربية وفي معركة فلسطين.. نلخص حديثنا عن دور
الأوبك في بلورة الوحدة الاقتصادية العربية.. ونركز الحديث في أن الأوبك من خلال دورها
-المتخصص- قد حققت نجاحًا كبيرًا في مجال الوحدة الاقتصادية لدولها، وإن هذه المنظمة
بقليل من الدعم والبناء يمكن أن تشكل منظمة اقتصادية عربية هامة.. والمطلوب هو تعميق
الوحدة داخل المنظمة وتوسيع أهدافها وتجسد كيانها ثم تسييس غاياتها في نطاق اختصاصها.
أسواق بديلة
إن مما يقوي موقف الوحدة البترولية هو اختلاف
الأسواق وظهور مناطق استهلاكية كبيرة تتعامل رأسًا مع البلدان المنتجة ودون وساطة
الشركات العاملة، ولقد انتهى الزمن الذي يقال فيه للعرب: هل ستشربون البترول إذا
أوقفتموه عن أمريكا؟!
إن العرض الذي تقدمه اليابان مثلا عرض مغرٍ للغاية
بل أكثر إغراء من عروض أمريكا.. ولعل التصريح الذي أدلى به وزير التجارة والصناعة
العالمية الياباني يعتبر من أهم الدلائل التي تستحق عناية المهتمين بالشؤون
النفطية في العالم العربي.. فقد قال الوزير الياباني لمجلة «يو إس نيوز أند وورلد
ريبورت»: «إن الدول العربية المنتجة للنفط تعقد آمالًا كبيرةً على اليابان على
أنها دولة مستهلكة كبرى كما أنها نظيفة اليد بالنسبة لنفط الشرق الأوسط. إنني
أعتقد بأن العرض الذي قدمته بمعاونة اليابان في الإنماء الاقتصادي لهذه الدول جاء
في الوقت المناسب».
نحو سوق خليجية مشتركة
وتأتي زيارة وزير الخارجية إلى بلدان الخليج وسط
إرهاصات جديدة بقيام «سوق خليجية مشتركة» تنتظم دول المنطقة -ومع أن الزيارة شملت
قضايا سياسية وأمنية وثقافية وإعلامية إلا أن الهدف الاقتصادي فيها حظي باهتمام
أكبر ويبشر بنتائج أسرع. وقد تناولت المحادثات التي أجراها الوزير مع الأطراف
الأخرى دعم العلاقات بين الكويت وهذه الدول واستثمار رؤوس أموال كويتية هناك،
بالإضافة إلى إنشاء مشاريع مشتركة وسوق خليجية بعيدًا عن المزاحمة، وربما تم نوع
من التنسيق بين الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية وصندوق أبو ظبي للإنماء
الاقتصادي العربي وفق المذكرة التي قدمها الجانب الظبياني للكويت، والمعروف أن
للصندوقين أهدافًا مشتركة في مجال التنمية العربية.
وقد طرحت «فكرة السوق الخليجية» المشتركة باعتبار
أن مقومات الوحدة الاقتصادية متوفرة في المنطقة بشكل لا يبرر هذا الانقسام، فإن
دول منطقة الخليج متجاورة إقليميًا ويوجد بينها قدر كبير من الانسجام السياسي في
أنظمتها ومن الانسجام الحضاري والثقافي بحكم انتماء مجتمعاتها للدين الإسلامي.
ويتوفر بينها أيضا انسجام في مكونات الاقتصاد الوطني.. كما أن عوامل البناء
الاقتصادي فيها متكاملة.
إن قيام سوق خليجية يحقق تنسيقًا في مجال الصناعة
يمكن أن يمنع الازدواجية في إنشاء الصناعات.. «مثل ما حدث بالنسبة للحوض الجاف»
ويخلق سوقًا واسعة تزيد من حجم التعامل التجاري والحركة التجارية ويعطي لاقتصاد
المنطقة شخصية أقوى في المحيط الدولي ويمهد لقيام صناعات ضخمة ومتقدمة لتكون
موردًا اقتصاديًّا بجانب النفط أو بديلًا له. وإذا نجحت فكرة العملة الموحدة كذلك
فإننا سنجد أنفسنا أمام اقتصاد من أقوى وأغنى الاقتصاديات في العالم.