; حصاد أزمة الأوبك بين المنتج والمستهلك | مجلة المجتمع

العنوان حصاد أزمة الأوبك بين المنتج والمستهلك

الكاتب المحرر الاقتصادي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1983

مشاهدات 70

نشر في العدد 613

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 22-مارس-1983

  •  ازدهار الغربيين في الخمسينيات كان بسبب رخص الطاقة.
  •  الروس والأميركان.. كل منهما يلعب لعبته على إحدى الأوراق!
  • نتساءل: ما هي الضمانات التي تمنع بعض دول الأوبك من تجاوز الاتفاق؟
  •  ليبيا ونيجيريا المأسورتان للمصالح الذاتية كانتا من أسباب المشكلة.
  • مجموع خسارات دول الأوبك من التخفيض الحالي للأسعار يصل إلى 27 بليون دولار.

انشغلت كل الأوساط في مختلف أنحاء العالم باجتماعات الأوبك الأخيرة، وتابعت الأنظار اللقاءات المطولة التي تمت في فندق «الانتركونتننتال» في قلب العاصمة البريطانية لندن، إذ تضاربت الأخبار عن المنظمة ومصيرها المهدد بانفراط عقدها وتفريق شملها بعد أن استجابت بعض أطرافها كليبيا ونيجيريا للمصالح الذاتية الضيقة ضاربة المصالح العامة بعرض الحائط ناسية أو متناسية ما يترتب على هذه المواقف اللامسؤولة عليها وعلى غيرها.

أين كمنت المشكلة؟

تتداول الصحافة وأجهزة التحليل المحلية، قضية تخفيض الأسعار الذي انتهت إليه الأوبك أخيرًا بحسبانه نصرًا للمنظمة ومحافظة على وحدتها التي لا تقدر بثمن، وبعيدًا عن الهوس العاطفي ومقاييس «النصر» التي مسخت كثيرًا في عصورنا الأخيرة هذه، نود التنويه بأمرين اثنين:

أولًا: إن قيام منظمة الأقطار المصدرة للنفط «الأوبك» كان في حد ذاته نقطة إيجابية في طريق الانفلات من الوصاية الغربية الاستعمارية على أهم مقدراتنا الاقتصادية، وللمنظمة كثير من المحاسن والإيجابيات التي تحسب لصالحها. وتجربتها- بغض النظر عما انتابها أخيرًا من حالة انعدام وزن- يجب أن تقدر حق قدرها وأن يبذل كل ما في الإمكان للمحافظة عليه.

ثانيًا: ما يقال عن اللعبة الغربية التي أدت إلى استجابة المنظمة للضغوط وبالتالي تخفيضها للأسعار، ليس قولًا على إطلاقه، فالحق أننا وفي مختلف الأوساط استمرأنا أن نتكئ على هذه المقولة وأشباهها في تبرير أخطائنا وتسويغ ضعفنا، ومتى غابت المؤامرات الغربية عن منطقتنا حتى تكون سببًا رئيسيًا جديدًا ننسب إليه هذه المسألة المصيرية؟!

إن الأمر الجدير بالتنبه إليه هو أن جواز هذه «المؤامرات» علينا صار وكأنه حتمية تواجهنا في مختلف الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وقريبًا أو بعيدًا سنكتشف مؤامرة على الصعيد الثقافي والاجتماعي وهلم جرا... وكالعادة لن نكتشف المؤامرة إلا بعد اعتراف مدبريها لنا!

ومشكلتنا الأساسية التي ينبغي أن نصدع بالتنويه إليها كامنة في ضعفنا، ونطلق هذه المقولة! فليس هو بالضعف المحصور حتى يتم تخصيصه ولكنه ضعف شامل لكل ما يمت إلى الحياة بصلة. وجواز «المؤامرات»- المعتادة- علينا هو الدليل الذي يهز أي تشكيك.

ولا نمل من القول بوجوب إعادة النظر في بنائنا الموجود- إن كان ثمة بناء- ونعيد النظر في صياغته من جديد بما يحول بيننا وبين هذا الضعف الذي يغري بنا الأعداء ويدفعهم للتمادي في مؤامراتهم.

الضعف المبدد لكل قوة

إن مركب الضعف الذي في بنيتنا أحال وسائل القوة إلى مطايا إضعاف جديد ومديد! فالعالم الإسلامي- والذي يشكل قوة كبرى في الأوبك- توافرت له كل الوسائل التي يمكن النهضة بها. ولكن هذه الوسائل عينها غدت مشكلاته. فالعنصر الإنساني وتكاثره صار مشكلة تنفق عليها الميزانيات الضخمة للحد منها وحسبك بمصر وإندونيسيا مثالًا. والأراضي الشاسعة الصالحة لشتى ضروب الاستعمار غدت عبئًا ثقيلًا إذ نتج عنها مشكلات الربط بالطرق- المكلفة عادة- ومشاكل التخطيط والتنمية.

والثروات التي يحبونا الله بها تغدو سبلًا لإغراء أعدائنا بالتحرش بنا والسيطرة علينا. فحين كان العالم الصناعي يطلب المواد الأولية التي تزداد حاجته إليها وجدنا صيدًا سهلًا يتوج «بالاستعمار» وحين رحل الاستعمار وتعددت حاجاته الجديدة وغدت في شكل طاقة رخيصة كان نصيبنا أن تكون مكمن هذه الطاقة وخبرة أعدائنا بنا وما يقابله من جهلنا بهم وبمكامن قوتنا وسبيل المحافظة عليها والنهضة بها هو العوامل التي تشكل مكمن الثروة والاستثمار الحقيقي لأعدائنا، وطالما ظلت هذه القاعدة مستمرة فستفوز كل خطط الأعداء ولعل أهون ما يكون فيها مسألة الزيت وأسعاره وآثار ذلك علينا.

عندما يدافع الضعيف عن القوي

نطمئن القراء أنه لا خطأ من الطابع بتبديل في مواضع الكلمات وسينجلي ذلك عما قليل!

فقد صرح أحد وزراء الأوبك بأن رفضهم لزيادة الأسعار في الماضي- أيام كان ذلك ممكنًا- قُووِم من جانبهم بشدة محافظة على المصالحة العالمية وشعورًا بالمسؤولية تجاه الآخرين. وبررت زيادات الإنتاج غير المتوازنة والمخلة بالاتفاق بين دول الأوبك بنفس المنطق المحافظة على مصالح العالم! والمعني بالعالم هو الدول الصناعية لمن يفوتهم الانتباه، ذلك أن الغالبية العظمى من الإنتاج الزيتي تذهب إليهم.. فهل كان المسؤول الكريم جادًا في قوله وهو يذكر العالم بهذه «الأقفال»؟! وهل يبلغ حماسه للمصالح العالمية هذه وإيمانه هذا الحد السافر في التصريح عن نفسه؟!

والحق أننا لم نفاجأ بهذا التصريح فنحن نتنازل عن الأرض والعرض من أجل السلم العالمي فلا غرابة أن نضحي بالاقتصاد قربانًا للمصالح العالمية! وقد تعودنا ذلك وصار ديدنًا فليس من المعقول أن نتخلى عنه في محيط الزيت فقط!

وبالمقابل لابد للعالم الذي نحافظ على مصالحه أن «يعدل هذه المراعاة» من جانبنا وفقًا لظروفه المتجددة، أو ننتظر حتى تواتي الأقوياء لحظة من لحظات الأريحية فيتبرعون بما يقوم به الضعفاء من مراعاة لمصالحهم!

حدود هذه المراعاة

لم يغب عن ذي عقل من الناس أن من بدهيات الاقتصاد قانون العرض والطلب. وأنه إذا زاد المعروض على المطلوب فذلك يعني انخفاضًا تلقائيًا في الأسعار. وقد كانت الأوبك تعرف ذلك أكثر ما تعرف ولكنها استمرت في الزيادة لإنتاجها طوال العامين السابقين وتجاوزت- عبر بعض أعضائها- الحصص المحددة لها في الإنتاج.

وللأوبك أجهزة معلومات دقيقة يكون طعنًا في حقها كبير إن قلنا إنها لم تكن متابعة لبناء الدول الصناعية للمستودعات الضخمة للزيت. ولجوء بعضها لحقن آبارها بالبترول المستورد كوسيلة رخيصة للتخزين. ولا نظن أنه كان غائبًا عن أجهزة الرصد أن العالم الصناعي صار يشتري أكثر من حاجته الحقيقية وأن لذلك دلالته التي يؤدي إليها التحليل.

ومن قبل هذا وذاك صدرت كثير من التهديدات المباشرة من جانب أعدائنا بحرصهم على تحطيم هذه المنظمة، وسعي كيسنجر الحثيث لتكوين منظمة للدول المستهلكة للطاقة، والميزانيات التي أعدت لبحوث البدائل الجديدة للطاقة. إضافة إلى إجراءات الحد من الاستهلاك للبترول. كل ذلك وغيره لا نظن أنه كان غائبًا على منظمة الأوبك. فلم كانت تسلك هذه السلوك اللامبالي وكيف ضربت مصالحها؟! وهي على دراية أدق وأشمل بكل ما ذكر من قبل!

وهذه التجاوزات

لقد نسب البعض اهتزاز وضعية المنظمة لهذه الدولة أو تلك ممن لم يلتزم بحصته في الإنتاج أو عروضه في الأسعار والتي انخفضت عن المعدل الواجب الالتزام به.

ولاشك أنه بعد اللقاء الأخير للأوبك تم الاتفاق على أسس جديدة وضوابط يجب مراعاتها. ولكننا نتساءل ما هي الضمانات المتوافرة لعدم التجاوز مرة أخرى. خاصة وأن الظروف الموضوعية التي أدت إليها مازالت قائمة إلى حد كبير.

فيذكر أن فنزويلا- وهي من أعضاء الأوبك- لا تكفيها حصة إنتاجها من تسديد «فوائد ديونها»- الربا المركب- وأن نيجيريا تعاني من كثير من المشاكل الاقتصادية والتي حدت بها لطرد مليون من مواطني شقيقتها «غانا» تحسبًا للمضاعفات القادمة إلى ما يذكر عن المكسيك ومعاناتها من الديون وأثر ممارساتها على دول الأوبك.

ولا نزعم لأنفسنا علمًا يرقى لما لدى اختصاصي الأوبك ولكن لم نسمع ما يزرع الاطمئنان في قلوبنا على المنظمة حول هذه القضايا المرتبطة بمصيرها ومستقبلها، وهي أكبر من مسألة تخفيض الأسعار بكثير طالما أنها ظلت قائمة.

استراتيجية الدول الصناعية

إن الدول الصناعية قد وعت درس السبعينيات جيدًا فحزمت أمرها ووضعت حدودًا للاستهلاك وشرعت ما يكفل الحد المتوالي منه. ومن ناحية وضعت خطة للبحث عن بدائل جديدة للطاقة. وهي عازمة على عدم الحيدة عن هذا السبيل. وبالطبع لا يضرها أثناء سيرها هذا إن واتتها مفاجأة سعيدة فانخفاض في أسعار الطاقة الحالية- الزيت- ووفر لها «50» بليون دولار مثلًا!

وحتى تبرهن الدول الصناعية على جديتها فإنها لم تعلن أي تخفيضات في أسعار الوقود ومشتقاته في بلادها، بل إن البعض- بريطانيا- بادر بوضع ضريبة جديدة. حتى يضبط الاستهلاك وتبلغ الخطة غايتها ومداها.

ولا يساق ذلك تخويفًا للأوبك من عدم جدوى سياساتها ولا تثبيطًا لهمتها في النهضة بنفسها، ولكن الأمر لابُدّ أن يحسب حسابه ويوضع في اعتبار المخططين والمسؤولين.

وقد ترامت الأنباء عن البشائر التي تباشر بها العالم الصناعي وعلى رأسه أميركا من ازدهار للاقتصاد وتطور للنمو وانخفاض في معدلات البطالة وما إليه.

والغربيون يعلمون أن أسباب ازدهارهم في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن كانت الطاقة الرخيصة جدًا فإذا أعاد التاريخ دورته فقد حق لهم الابتهاج!

هل سيقف التخفيض عند هذه الحدود؟

إن هذا سؤال واجب الإلقاء، فبعيدًا عن إشارة بعض الدوائر الغربية إلى استمرار معدل التخفيض في الأسعار حتى إن بعضهم يتوقع أن يصل سعر البرميل إلى عشرين دولار- بعيدًا عن هذا نتساءل أيضًا عن الضمانات التي تضعها منظمة الأوبك حتى لا تتورط في «مراعاة المصالح العالمية» على حد قول أحد وزرائها! ونتمنى أن نرى الدلائل والإشارات التي تطمئننا إلى وقوف حد الانخفاض في الأسعار.

ولا نود أن تعتمد المسألة على التفاؤل والتوقع للعكس بأن تزيد الأسعار خلال سنتين ويستعيد الزيت قوته من جديد.. فهذه «التفاؤلات» لا تسندها وقائع حتى الآن وقولها في غير هذا الزمان أولى، ولكن لابد من سبيل لإيقاف التدهور ومواصلة النهضة من جديد.

انعكاسات لابُدّ منها

مجموع خسارات دول الأوبك من التخفيض الحالي للأسعار يصل إلى (27) بليون دولار، وذلك مؤثر على ميزانياتها وخططها التنموية. والبدائل التي يمكن إيجادها للتعويض قد تكون قليلة نوعًا ما لاسيما في هذا الوقت. ولكن من أخطر ما سمعناه أن انخفاض الدخول سيؤثر على المساعدات الإفريقية على وجه أخص. ومع تسليمنا بالأمر الواقع ولكن لابُدّ من مراعاة هذا الأمر بصفة خاصة؛ إذ به ترتبط كثير من المصالح الخفية علينا؛ إذ إن لعبة الصراع الدولي قائمة على المساعدات وربطها بمصالح القوى الكبرى. وللمساعدات التي قدمناها أثر كبير في إفساد مخططات القوى الطاغوتية في المنطقة الإفريقية وغيرها مما يرتبط مصيرنا به.

ولو تم الحد من الإنفاق البذخي وتعطيل بعض «الحاجات» الترفيهية لهان أمر المساعدة كثيرًا. وعلى يقين نحن من أن أرقام هذه العناصر يفوق عنصر المساعدات بكثير فليوضع هذا في الحسبان.

هل ثمة أمر آخر؟

نعم هناك خطر السوفييت الذين يلعبون كثيرًا على ورقة التخفيض هذه تسويقًا لتداخل مباشر أو غير مباشر باعتبار ارتباط المصالح- روسيا مصدرة للبترول ويحقق ذلك نصف عائداتها من العملة الصعبة- ومع أن الروس هم أول من بدأ لعبة الأسعار إلا أنهم يتباكون الآن ويبدون حرصهم على تكاتفنا معهم من أجل الوقوف في وجه الإمبريالية، ولا حاجة بنا للتذكير بأن الشيطان مازال هو الشيطان سواء كان دبًا روسيًا أو وحشًا أميركيًا.

الرابط المختصر :