; منزلة العلم من العمل | مجلة المجتمع

العنوان منزلة العلم من العمل

الكاتب د. ناجي عبدالله الخرس

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997

مشاهدات 72

نشر في العدد 1241

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 11-مارس-1997

 

الفقيه هو الزاهد في الدنيا.. الراغب في الآخرة .. لا يهمز من فوقه... ولا يسخر ممن دونه.

لم يكن السلف يطلقون اسم الفقه إلا على العلم الذي يصحبه العمل كما سئل سعد بن إبراهيم عن أفقه أهل المدينة، قال: أتقاهم.

ويقول الحسن البصري رحمه الله: إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المداوم على عبادة ربه الذي لا يهمز من فوقه، ولا يسخر ممن دونه، ولا يبتغي على علم علمه الله تعالى أجرًا (۱)

وقال بعض السلف: كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به (۲).

واعلم أن العلم يراد للعمل، فإنه منزلة الدليل للسائر، فإذا لم يسر خلف الدليل لم ينتفع بدلالته فنزل منزلة من لم يعلم شيئًا؛ لأن من علم ولم يعمل بمنزلة الجاهل الذي لا يعلم.

هل كل عالم تقي ؟؟

إذن العلم لا يستلزم الهداية، لأن كثيرًا ما يكون الضلال عن عمد وعلم، فهذا إبليس قد علم أمر الله له بالسجود لآدم فخالفه وعاند الأمر، بل وأقسم له بعزته أنه يغوي خلقه أجمعين إلا عباده منهم المخلصين، فكان غير شاك في الله وفي البعث وفي الجنة والنار ولهذا قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (ص: 79)، وهذا اعتراف منه بالبعث وإقرار به، وقد علم قسم ربه ليملأنَّ جهنم منه ومن أتباعه، فكان كفره كفر عناد محض لا كفر جهل (۳).

ويشهد لهذا أيضًا قوله تعالى: إخبارا عن فرعون وقومه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل: 13- 14) فأخبر سبحانه أن تكذيبهم وكفرهم كان عن يقين- وهو أقوى العلم- ظلما وعلوًا لا جهلًا، وقال تعالى لرسوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام : 33)، يعني أنهم قد عرفوا صدقك، وأنك غير كاذب فيما تقول، ولكن عاندوا وجحدوا بالمعرفة

وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 86) قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم بنو قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي ﷺ بعد أن كانوا قبل مبعثه مؤمنين به وشهدوا له بالنبوة، وإنما كفروا بغيًا وحسدًا، يقول الزجاج: أعلم الله عز وجل أنه لا جهة لهدايتهم، لأنهم قد استحقوا أن يضلوا بكفرهم، لأنهم كفروا بعد البينات ومعنى: كيف يهديهم، أي أنه لا يهديهم؛ لأن القوم عرفوا الحق وشهدوا به وتيقنوه وكفروا عمدا فمن أين تأتيهم الهداية، فإن الذي يرتجى هدايته من كان ضالًا ولا يدري أنه ضال ومن نظر في سيرة رسول الله ﷺ مع قومه ومع اليهود علم أنهم كانوا لا يشكون أنه صادق أمين.

فهذا المسور بن مخرمة رضي الله عنه يقول لأبي جهل- وكان خاله أي خال: هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول مقالته التي قالها؟ قال أبو جهل: يا بن أخي والله لقد كان محمد فينا وهو شاب يدعى الأمين، ما جربنا عليه كذبًا قط، فلما خَطه الشيب لم يكن ليكذب على الله، قال: يا خال، فلم لا تتبعونه قال: يا ابن أخي تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، فلما تجاثينا على الركب وكنا کفرسي رهان، قالوا: منا نبي فمتى ندرك هذه ؟(4).

وهذا أمية بن أبي الصلت كان ينتظر النبي ﷺ يوما بيوم وعلمه عنده قبل مبعثه، وقصته مع أبي سفيان لما سافرا معًا معروفة، وكان يعرف أخبار الرسول ﷺ ويعرف صدقه إلا أنه قال: «لا أومن بنبي من غير ثقيف أبدًا».

 وهذا هرقل بعد أن تيقن أنه رسول الله ﷺ ولم يشك فيه آثر الضلال والكفر استبقاء لملكه.

أهم أسباب هذه الظاهرة:

1- غياب القدوات العاملة عند حدوث الأزمات: اعلم أخي الحبيب أن لسان الحال أعظم من لسان المقال؛ ولأن التطبيق العملي يساعد على فهم أحكام الإسلام بسهولة وبطريقة ممكنة، ويزيل ما يمكن التفكير فيه من العقبات والحواجز، والتي غالبًا ما يثيرها أعداء الإسلام، أضف إلى ذلك أن التطبيق العملي عند إسقاطه على واقع الحال يعطي وضوحًا في كيفية تطبيقه بشكل تفصيلي، وكما يقولون: ليس بعد العين أين.

۲ - تناسى البعض الأحكام الشرعية الهامة في حياتهم: حتى ظن البعض أن أحكام الإسلام مثالية وغير واقعية؛ لأنه لا يوجد من يطبق أحكام القرآن والسنة إلا من قبل فئة قليلة تطبقه في بعض المجالات، والتي يغلب عليها طابع الأسلوب التعليمي المجرد، أما ما يحتاجه الناس في حياتهم وقضاياهم، فهذا لا نصيب له في إظهار الحكم الشرعي فيه لا علمًا ولا عملًا ؛ وكأن دائرة الأحكام الشرعية محصورة في أركان الإسلام فقط لا غير.

3-الروح التشاؤمية المستقبل لدعوة بسبب الفساد المنظم.

بسبب كثرة المعاصي وانتشار الفساد المنظم المدعوم ماليًا ومؤسسيًا أدى ببعض الدعاة إلى أن يتخفف من إنكاره للمنكر حتى جعله البعض محصورًا في عدم الرضا بالمنكر؛ لأنه بظنه يعتقد أن التصدي للمنكر يؤدي إلى منكر أكبر منه، ولهذا تجده يضع المبررات الكثيرة؛ حتى يدلل على صعوبة العمل الدعوي بين شرائح المجتمع المختلفة، مع أنه لو تأمل قليلًا وبشيء من الإنصاف؛ لأدرك ما تتحمله الدعوة من مسؤوليات جسام تجاه المجتمع مع قلة العدد والعدة والإمكانات، ولكن كما قال رسول الله ﷺ: «ولكنكم تستعجلون».

4- إذا خلا طلب العلم من الأدب والتواضع وخلا من خشية الله ـ سبحانه وتعالى ـ وخلا من التثبت في القول والفعل وخاصة في بداية طلب العلم ستكون النتيجة أن العلم نفسه سيكون أداة للمجادلة وللتفاخر ولاتهام الآخرين والتعالي عليهم دون وجه حق، فبدل أن يكون العلم أداة رحمة وهداية يتحول إلى أداة للفرقة والخصام والتصيد للآخرين.

أقول لماذا يحصل كل هذا والإجابة ببساطة هو أن العلم لم يصحبه تربية كافية، أو بعبارة أخرى: إن العلم لم يصحبه عمل نافع ومتدرج مع المستوى العمري والعقلي والنفسي، أو بعبارة أخرى: إن العلم غير منهجي لا ينتج إلا التخبط في فهم العلم وعدم احترام العلماء..

الهوامش

1- رواه الدارمي (۸۹/۱).

2- رواه الخطيب في الاقتضاء .١٤٩

3- مفتاح دار السعادة ج ۱ ص ۲۲۱ – ۳۲۲.

4- قاله ابن عباس رضي الله عنهما.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

314

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 4

583

الثلاثاء 07-أبريل-1970

السّطور الخضر

نشر في العدد 2101

958

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

شيء من الترويح!