العنوان الذين يسعون إلى الهلاك والدمار
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1980
مشاهدات 90
نشر في العدد 479
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 06-مايو-1980
نعجب أشد العجب إذا رأينا من يبذل جهده وماله فيما لا يعود عليه بالخير، وقد يعود عليه بالضرر.
فإذا رأينا شخصًا يصيد السمك من البحر، ثم يرميه في البحر مرة أخرى بعد أن بذل في صيده جهدًا كبيرًا، وإذا رأينا شخصًا يبذل مالًا كبيرًا ثمنًا لأفاعي وعقارب لا يكاد يدخلها داره حتى توسعه وأهله نهشًا ولسعًا، وإذا رأينا من يشتري دارًا آيلة للسقوط بثمن كبير لا يكاد يبيت فيها وأهله حتى تنهار فوق رؤوسهم- إذا رأينا هؤلاء وأمثالهم فإننا نعجب من حالهم كثيرًا، ونتوجه إليهم باللوم والتأنيب.
وقد وجه الله أنظارنا إلى أمثال هؤلاء، فاليهود الذين كانوا يسكنون المدينة نقضوا عهودهم، فأذاقهم الله عاقبة مكرهم، ووصل بهم الحال إلى أن هدموا بيوتهم بأيديهم لكيلا يستفيد المسلمون منها ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
والسبب الذي يجعل بعض الناس يبذلون جهودهم وأموالهم في أمور لا تعود عليهم بالخير، وقد تعود عليهم بالشر- ترجع إلى ضعف في العقل، أو قصور في العلم، فبعض الناس يتصرفون تصرفات الحمقى لأنهم فقدوا عقولهم أو لأن
في عقولهم نقصًا وأخرون يظنون أن في ما يقومون به من أعمال خيرًا،وواقع الأمر إنها شر كلها، والأعجب من كل هذا أن يكون عند الناس العقول، ويأتيهم من يعرفهم بالخير والشر، ومع ذلك فهم يقدمون على أعمال تدمرهم وتهلكهم.
لقد جاءت الرسل من عند الله إلى البشر على امتداد العصور ترسم لهم الطريق الذي يحقق لهم السعادة والهناء ودعتهم إلى سلوك هذا الطريق، وحذرتهم من الانحراف عنه ذات اليمين وذات الشمال، ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
والسبيل يتمثل فيما شرعه الله لعباده في العقائد، وفيما شرعه من عبادات، وفيما أحله وأباحه، وتجاوز ذلك كله أو بعضه انحراف عن الطريق وتعد لحدود الله. والسير في الصراط المستقيم يتمثل في أعمال تبذل، وأقوال تنطق، وتفكير ومعاناة، والانحراف عن الصراط المستقيم يتمثل في مثل ذلك أيضًا، إلا أن ما يبذله الإنسان في السبل المنحرفة، عن النهج الإلهي المستقيم يعود على الإنسان بالدمار.
انظر إلى حال الذين يتعدون الحلال إلى الحرام، يتركون الطيبات من الطعام والشراب ويتناولون الحرام كالذين يشربون الخمر ويأكلون الخنزير ويأكلون الميتة،إنهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويشترون صفقة خاسرة تعود عليهم بالضرر في عقولهم وأبدائهم، وتكسبهم صفات خبيثة تدنس نفوسهم.
والذين يتركون الزواج المشروع إلى الزنا والواط والذين يتجاوزون ما أحله الله من الكسب المشروع إلى ما حرمه من الاتجار بالحرام، والتعامل بالربا، والذين ينتهكون أعراض المسلمين وينشرون بينهم الفاحشة باسم الفن والتمدن، فتخرج النساء متبرجات في الشوارع وأفلام السينما وعروض للمسرح يتمايلن ويغنين ويرقصن، أو يظهرن في دعاية لسلعة أو خدمة- كل هؤلاء يبذلون جهدًا ومالًا في غير محله، وهو يعود عليهم بالضرر.
وهذا الضرر يشاهد في كثير من الأحيان ويلمس، نشاهده في الأضرار التي تصيب الأجساد والمجتمعات بحيث تنشر الأحقاد والعداوة والبغضاء ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (المائدة:91).
وهذا ما عبر عنه القرآن بظلم الإنسان لنفسه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (الطلاق:1) ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة:229).
ثم هذا التعدي يصيب الإنسان بالشقاء النفسي، ذلك إن الابتعاد عن منهج الله يقسى القلب، ويخبث النفس، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه:124).
وأعظم من ذلك كله أن تعدي حدود الله وشرعه يجلب غضب الله تعالى، وقد ينزل الله عقابه بالظالمين ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ (الحج:45). ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴾ (الطلاق:8-9).
وعندما ينزل العذاب بسبب ظلم العباد تذهب السكرة وتأتي الفكرة، ويقع الاعتراف بالذنب ولكن حيث لا ينفع الاعتراف ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ (الأنبياء:11-15).
هذا في الدنيا، أما العقوبة لمن تعدى حدود الله في الأخرة فهي عقوبة رهيبة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَقَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ ﴾ (طه:124-127).
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (النساء:13-14).
إن الذين يسعون ليلهم ونهارهم ضاربين في هذه الحياة بمنهج غير منهج الله يكدون ويكدحون في العبادة والتجارة والصناعة، في سبيل متع الحياة ولذاتها إنما يسعون في إهلاك أنفسهم.
ونحن ندعوهم إلى الإسلام إلى الصراط المستقيم، ندعوهم إلى أن ينطلقوا في هذه الحياة آخذين الأمور من حيث يريدها الله، في الفكر والعقيدة، في العبادة والسلوك، في القيم والأخلاق، في التجارة والزراعة وكسب المال، في الطعام والشراب واللباس، ندعوهم إلى ذلك لأن في ذلك خيرهم، في الدنيا والآخرة، لأن في ذلك صلاحًا لأجسادهم وتزكية لنفوسهم، ولأن في ذلك صلاحًا لهذا الكون الذي يعيشون فيه، وصلاحًا للمجتمع وهم جزء منه ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم:41).
ندعوهم إلى ذلك، لأنهم عباد لله. والله يريدهم كذلك، ونحذرهم من الانحراف خشية أن يصيبهم ويصيبنا غضب الله ومقته ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال:25). وقد قالت عائشة للرسول- صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث».
لقد جاء الرسل يدعون إلى الله وإلي طريقه ويحذرون البشرية من تعدي حدوده، ويقيمون الحجة عليهم بذلك.
ونحن اليوم علينا أن نعيد دعوة الرسل غضة طرية، نطالب الناس بالاستجابة لله، ونضعهم أمام مفرق طريق، نقول لهم: الربا رجس، والزنا جريمة، وترك الصلاة إثم كبير، وتبرج المرأة فسق... وذلك كله إثم ومعصية لله، ونحن ندعوكم إلى الله وترك ذلك كله، علينا أن نترك التعليل وبيان الأسباب لأن أعظم سبب ينبغي أن يقود الناس إلى الأعمال الصالحة ويردهم عن الأعمال السيئة كونها من عند الله أمر بها أو نهى عنها، وهذا طريق مأمون، يقود الإنسان في الطريق الحق بأيسر جهد أما بيان العلل والمصالح فإنه طريق طويل خاضع للأخذ والعطاء، والنقاش والخصام، وهذا السبيل يصلح مع الذين يريدون التعرف على الحكم بعد إيمانهم وتسليمهم بها.
نحن في مجتمعنا ركاب سفينة واحدة، والذين يتجاوزون حدود الله يريدون صدع السفينة وبذلك يهلكون غيرهم، ومن الحمق والسفاهة أن يقول قائل دعوهم ما لكم وما لهم، لكل إنسان حريته، علينا أن نكون «ديموقراطيين»، لا يجوز أن نحجر على عقول الناس وأعمالهم، من يقول ذلك لاشك في حمقه، وسيعلم أنه أحمق عندما يندفع الماء من حيث أفسد المفسدون، فيجدون أنفسهم في لجة البحر، حيث لا يسمع صريخهم سامع، ولا ينقذهم منقذ، عند ذلك يعلمون أن ما فعله أولئك لم يكن حرية، بل فسادًا لقد كان جريمة، وكان الواجب الأخذ على أيدي المفسدين، علينا أن نفيق قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، وعند ذلك يكون حالنا حال أولئك الذين قصّ علينا حديثهم ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ (الأنبياء:14-15).