; (في ظلال النبوة) بين يدي الرسول.. سؤال وجواب | مجلة المجتمع

العنوان (في ظلال النبوة) بين يدي الرسول.. سؤال وجواب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1971

مشاهدات 107

نشر في العدد 58

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 04-مايو-1971

لقاء مع النبي.. فوق حواجز الزمان والمكان

في هذه الحقبة الموقرة بالمشاكل.. والتي تشهد أعنف صراع بين الخير والشر.. بين السمو والانحطاط.. يجلس مسلم القرن العشرين إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأله عما حزبه من أمر، وما يحيط به من مشاكل ليجد الصواب المفعم بالهدى والصواب والصدق.

وإذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- قد سألوا رسولهم كثيرًا -وهي بين ظهرانيهم- فإن مسلم هذا القرن يستطيع كذلك أن يسأل رسوله، وأن يتلقى الجواب الشافي الحق. ولا قيمة للفواصل الزمنية ما دام تراث النبي الأمجد محفوظًا ومصانًا.. وما دام الحق المودع في هذا التراث قد تخطى الزمان والمكان.

وبطريقة السؤال والجواب صيغت هذه الكلمات، فعساها أن تكون مدخلًا محبوبًا يعين على الاتصال بالرسول -صلى الله عليه وسلم- من خلال أحاديثه الشريفة.

وما من شك في أن هذا الحديث يأتي في وقت ابتعد الناس فيه عن سنة رسول الله.

واتبعوا أهواءهم، واتخذوا طواغيت يعبدونها من دون الله، يعطونها من دون الله، يعطونها حق التشريع لهم وتوجيههم، والتحكم في كل أمر من أمورهم، ونسوا قول الله -سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ (النساء: 65)

فليس لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتخير بين اتباع الله ورسوله أو اتباع غيرهم من طواغيت الأرض، بعد أن سمعوا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ (الأحزاب: 36)

وليس لمؤمن أيضًا أن يفرق بين اتباع كلام الله، واتباع كلام رسول الله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَى﴾ (النجم: 3 ،4).

﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ﴾ (النساء: 80).

أما الذي يصرون على اتباع الشياطين.. شياطين الإنس والجن ولا تردعهم أحلامهم ولا ترشدهم عقولهم فليحذروا قوله الله تعالى: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63).

فلننتقل الآن إلى حديث رسول الله، وبين يديه..

الحلال والحرام

* لقد بلّغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده حتى أتاك اليقين من ربك.

ولقد تركت هذه الأمة على شريعة واضحة مكتملة.. على الحجة البيضاء ليلها كنهارها، وتركت فيهم كتاب الله وسنتك لن يضلوا ما إن تمسكوا بهما.. ولكنهم بعدك اختلفوا وتفرقوا، وخلطوا بين الصالح والطالح.. واتبعوا الشبهات وغيروا في دين الله، فضلوا وأضلوا، فهلا أوضحت لهم سبيلهم وأنرت لهم طريقهم ليعلموا ما هم عليه من خير أو شر؟

* قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»

اختلاف الأمة

* إننا نرى بعدك أوضاعًا قد تغيرت، ونفوسًا قد تبدلت، وقد استوردت أمتك المذاهب من الشرق والغرب، وابتدعت نحلًا غريبة على ما جئتها به، فهل أنت تحب هذا الاختلاف؟، وتريد هذا التفرق لهذه الأمة؟، وقد كذب عليك الكاذبون فقالوا إنك قلت: «اختلاف أمتي رحمة».

* قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».

* فماذا تقول -يا رسول الله- فيما نرى بين المسلمين من تنافر وتناحر، وما يكيده بعضهم لبعض، وقد جعل الله بأسهم بينهم شديدًا، فانصرفوا عن عدوهم ليدبروا المصائب لأنفسهم، فتراهم في مشارق الأرض ومغاربها؛ منغمسين في فتن كقطع الليل المظلم، والله ممهل لهم لا يستأصلهم ولا يغرقهم ولا يأتيهم بالعذاب الماحق.

* قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمر، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».

دعاة السوء

* وهؤلاء الدعاة الذين اختلط أمرهم على الناس فهم على رأس كل أمر، يدعون الناس إلى ما لم ينزل الله به من سلطان، ويدعون إنهم إنما يريدون صلاح هذه الأمة وخيرها، فإذا ما تمكنوا منها؛ أكلوا لحمها وجردوا عظمها ولعقوا دمها، فهم منبثون في كل مكان، لهم أتباع بمعسول كلامهم قد خدعوا، وبزيف الأماني قد ارتضوا، والأمة عن أمرهم غافلة فماذا عنهم!

* قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد» وقال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»

المنافقون

* إن أمر الناس قد اختلط علينا، فما ندري ألله يدعون أم للشيطان؟ فإن منهم من يدعي أنه لله يعمل، ولدعوة الإسلام ينشط، وإذا تولى سعى في الأرض فسادًا، يظهر خلاف ما يبطن، ويقول ما لا يفعل، فهو أمام الناس شبيه الملائكة يظهر التقى والورع والهدى والرشاد، وينصحهم ويعظهم لسانه ذرب وقلبه خرب، إذا خلى الى شيطانه أطاعه في الموبقات، وإذا انفرد بأقران السوء أطلعهم على سواد قلبه وسوء فعله، وتبجح واستهتر بمن في العلانية يعظهم، وفي الملأ ينصحهم ويرشدهم، فما أمر مثل هذا الرجل؟

* قال -صلى الله عليه وسلم: « يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك؟، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى ، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» .

* أليس هؤلاء بالمنافقين؟ فما مثل المنافق؟

* قال -صلى الله عليه وسلم: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة».

* وإن من الناس من يفحش لسانه وتقبح فعاله، ويسوء خلقه ويؤذي الناس بكلامه، فلا يترك أحدًا إلا وناله بلسانه، وإنه ليجلس في المجلس فيستعاذ بالله منه، فماذا نفعل مع مثل هذا الرجل؟

* قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وكان رجل قد استأذن عليه- : «ائذنوا له فلبئس ابن العشيرة، أو بئس رجل العشيرة» فلما دخل عليه ألان له القول، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول، قال: «يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه».

الدعوة والدعاة

* وماذا عن المتحابين في الله..؟ عن هؤلاء الأتقياء الأنقياء الطاهرين، تحسبهم إخوة في الدم وما جمعت بينهم إلا رابطة العقيدة على غير أرحام بينهم، ولا أهوال يتعاطونها، لا يغضبون إلا لله، ولا يثورون إلا حين تنتهك حرماته، وهبوا أنفسهم لدعوته، ونذروا حياتهم لنصرة شريعته، ألف الله بين قلوبهم، وجمعهم على طاعته، وارتضاهم لنصرة شريعته.

* قال -صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: أين المتحابون بحلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي».

* فهل يطلب من هؤلاء أن يكونوا حادي الطبع، صعب مراسهم، سريع غضبهم؟، وقد كذب عليك يا رسول الله من ادعى أنك قلت: «الحدة لا تكون إلا في صالحي أمتي وأبرارها، ثم تفيء».

* قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» وقال موصيًا من سأله أن يوصيه: «لا تغضب» رددها مرارًا.

* لقد حدثتنا يا رسول الله عن الأشرار، وعن الأبرار، وكل هؤلاء جميعًا يسمع كلام الله، ويسمع أحاديث رسوله، ولكن منهم من ينفتح قلبه للإيمان بك والتصديق بما أنزل عليك؛ فيعمل بما يعلم، ويعظ الناس ويفقههم، ومنهم من يعرف الحق وتستيقنه نفسه، ولكنه يحجم عن العمل ويبتعد عنه، ومع ذلك فهو واعظ ماهر وقوال كثير القول، ومنهم من ختم الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة، فهو معرض عن ذكر الله مبتعد عن قرآنه وسنة نبيه. فما بال هؤلاء الناس؟ وكلهم من آدم والمائدة المعروضة أمامهم واحدة؟!

* قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ؛ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به».

* بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما تركت شيئًا إلا أوضحته للناس وبينته لهم وما ذلك من عندك فما أنت إلا وحي يوحى، وإن لحديثك لحلاوة يشعر بها كل مؤمن، ومعان تستقر في القلب فلا تبرحه، ولا تزال مرشدة وموجهة إلى خير الأعمال، فما بال هؤلاء الناس عن هذه الحقيقة عمون، وعن هديك -يا رسول الله- معرضون؟

* قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي»

التجارة والتجار

* هذا في الدعوة والدعاة وتقبل الهدى وعدم تقبله، أما المعاملات ففيها قول كثير، فكثير من التجار سيطر عليهم الجشع، فهم على جمع المال يتسارعون، وفي سبيله لا يعبئون بدين ولا خلق، يحبون المال حبًا جمًا، ويأكلون الربا أكلًا لما يحلون ما حرم الله من غش واحتكار، ويحلفون على السلعة لإنفاقها، قلت فيهم الأمانة وندر فيهم الصدق. فماذا نقول في هؤلاء يا رسول الله؟

* قال صلى الله عليه وسلم: «من غش فليس منا».

* وفي الاحتكار...؟

* قال صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ».

* وفي الحلف...؟

* قال صلى الله عليه وسلم: «إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق»

* وفي الربا...؟

* عن جابر رضي الله عنه قال: لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: «هم سواء»

... والخمر

* والخمر وهي رجس من عمل الشيطان، أراد الله لنا اجتنابها فاجتنبناها، فقام دعاة السوء يطالبون بإباحتها، ولا يتركون فرصة إلا اغتنموها لتضليل الناس عن حرمتها وفحشها وضررها، وما سكتوا عن ذلك وما ارعووا، وقد أوضح لهم الطب خطل رأيهم وفساد طلبهم؛ حين أبان عن شرورها وما تسببه للجسم من كوارث، فهل قلت لنا فيها قولًا قاطعًا تطمئن به قلوبنا ونعلم أننا على حق، وأن هؤلاء على ضلال؟

* قال -صلى الله عليه وسلم: «لعنت الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها».

* وفي ختام هذا الحديث لا يسعني إلا أن أقول ما قاله الصحابي أبو عمرة سفيان بن عبد الله-رضي الله عنه- حين قال: «يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك».

* قال -صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم».

* آمنا بالله، ونسأله الاستقامة.

الرابط المختصر :