العنوان مناقشة هادئة مع فضيلة الشيخ عطية صقر حول فتوى اللحية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1977
مشاهدات 71
نشر في العدد 367
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 20-سبتمبر-1977
حول فتوى بعنوان: «اللحية»، نشرت بمجلة الوعي الإسلامي، العدد 152، ص: 100- 102، ورد في أثناء عرض أقوال العلماء حول هذه المسألة أمور نحب أن ننبه عليها:
الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم عدد سنن الفطرة: السواك، وقص الشارب، ونتف الإبط... وجعل منها إعفاء اللحية، فاحتج بعضهم بذلك على أن إعفاء اللحية مندوب وليس واجبًا، مستدلًّا بأن سائر السنن العشرة مندوبة؛ إذ لو لم يكن إعفاء اللحية مندوبًا لكان قد ضم واجبًا إلى مجموعة من المندوبات، وذلك لا يصح.
وعندنا أن هذا استدلال غير سليم لوجهين:
1- لا مانع من أن يضم واجبًا إلى مندوب، فرغب فيهما في حديث واحد، وذلك جائز لغة، كما في الحديث: «من أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له» (رواه مسلم وغيره)، فإن الدنو ليس واجبًا، والاستماع، والإنصات، واجبان.
2- إن بعض خصال الفطرة هذه واجبة كالاستنشاق عند الحنفية والحنابلة.
الثاني: قول من قال: إن الأمر لا يتعين للوجوب، فلو كانت كل مخالفة للمشركين محتمة لحتم صبغ الشعر الذي ورد فيه الحديث: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». يلاحظ أن القاعدة عند جمهور الأصوليين أن الأمر للوجوب ما لم يصرفه من ذلك صارف صحيح.
أما الصبغ فقد صرف الأمر به من الوجوب أن كثيرًا من الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا لا يصبغون، وأقرهم على ذلك، وهذا يدل على أن الأمر به لم يكن للوجوب. أما الإعفاء فلم ينقل ولا حالة واحدة أن بعض الصحابة تركه.
الثالث: قول من ادعى أن مسألة إعفاء اللحية راجعة إلى تقدير الشخص وما يختاره لنفسه لا نوافق عليه؛ لأنه إذا ثبت في أمر ما أنه شرعي، فالإنسان المسلم تبع للشرع، فإن ثبت أن شيئًا ما هو من الشرع، فكيف بالخيار فيه؟
الرابع: قول من ادعى أن هذه المسألة تابعة للعرف، وأن أمر اللباس والهيئات الشخصية ومنها حلق اللحى، من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة، وعليه أن يساير بيئته، وخروجه عن ذلك فيه شذوذ عن البيئة.
نقول: هذا رأي لا تثبت صحته شرعًا عند البحث والتأمل؛ وذلك لوجوه:
1- فأما قوله: إنه ينبغي على الإنسان أن يساير بيئته، وأن تركه لذلك شذوذ، فإن كان يعني بهذا الانبغاء وهذا الشذوذ أمرًا شرعيًّا، فهو ادعاء على الشرع بلا دليل، فإن في الشريعة الأمر بمسايرة العادات الدارجة وعدم الخروج عنها، وهل الإنسان عبد للعادات؟ بل إن ابتداع عادات جديدة أمر مستحسن إذا كان في العادات الجديدة ما هو أصلح من العادات الدارجة. هذا إن سلمنا أن إعفاء اللحية عادة غير مأمور بها شرعًا.
2- إن الحق في الملابس والهيئات الشخصية أنها أمور عادية، والأصل فيها أن المرء فيها حر في موافقة العادة أو مخالفتها، لكن أن تدخل الشرع في شيء منها فحدده بطريقة معينة، فلا بد للمسلم من الالتزام بتلك الطريقة، وقد وجدنا الشرع تدخل في بعض أمور الملابس والهيئات الشخصية، فحرم لبس الحرير والذهب على الرجال، وحرم على الرجال لبس ملابس النساء، وعلى النساء لبس ملابس الرجال، وحرم إسبال الإزار، وحرم اشتمال الصماء، بل قد أوجب ستر ما حكم بأنه عورة، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة، وحرم وصل الشعر، واستحب لنا الطيب والنظافة والسواك وغير ذلك، وكل هذه أمور شخصية، فعلى قول هذا القائل يلغى الشرع في هذه الأمور ونحوها لا يعتبر من هذه الأمور شيء، بل يرجع المسلم فيها إلى اختيار نفسه، وينزل على استحسان بيئته.
الخامس: نوافق الكاتب موافقة كاملة على النتيجة التي وصل إليها، من أن المسلم يختار ما تطمئن إليه نفسه في الأمور الشرعية المختلف فيها، وذلك طبقًا لما يسفر عنه للنصوص الشرعية وما يستقر في قلبه أنه أمر الله تعالى.
ونوافقه أيضًا فيما رجحه في شأن إعفاء اللحية من أن أدلة الطلب قوية، وأن القول بالوجوب أرجح.
هذا البيان السابق هو ما أعاننا الله عليه بالإيضاح، وإننا إذ نطرح هذا البيان نشكر فضيلة الشيخ على فتواه في الشأن المذكور سابقًا، إلا أننا نرغب بأنه من الأفضل أن يكون الإدلاء بالرأي واضحًا لا سيما في مقام الإفتاء، ولا يترك الأمر بالخيار لئلا يختار السائل، والله الموفق.
فتوى الشيخ عطية صقر المنشورة في العدد 152 مجلة الوعي الإسلامي
«اللحية»
السؤال: ورد عن الرسول الأمر بالصبغ لمخالفة اليهود والنصارى، كما ورد الأمر بإعفاء اللحى، والآن وجدنا الخنافس والهيبيز يطلقون شعورهم، فهل نطلق اللحى كما كان الرسول يفعل، أم نحلقها حتى لا نتشبه بالخنافس؟
الجواب: قصد التشبه أو عدمه هو الذي يعطي المسألة حكمها، سواء أكان ذلك في الملابس، أم في العادات الجارية، أم في غيرها، وفي حديث حسنه بعضهم «أن من تشبه بقوم فهو منهم»، وفي الغالب يكون قصد التشبه حبًّا لهم وإعجابًا بهم، فإذا كان بحكم التوافق غير المقصود فلا ضرر فيه أبدًا، وهذا التوافق غير المقصود موجود بكثرة في المجتمع البشري. واللحية قد فرط في التمسك بإعفائها قوم وأفرطوا في عيب الآخرين. كما أفرط قوم في التمسك بها وفرطوا في احترام لآخرين. والدين لا يحب ذلك ولا يقره، والقدر المتفق عليه بين الفقهاء أن إعفاءها مطلوب شرعًا، لكنهم اختلفوا في درجة الطلب، فقال بعضهم بالوجوب، قال البعض الآخر بالندب.
والذين قالوا بالوجوب استدلوا بحديث الصحيحين: «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب»، قالوا: إن إعفاء اللحية مأمور به، والأصل في الأمر للوجوب، ولا صارف يصرفه عن ذلك. وعلى هذا الرأي أبو حنيفة، كما نص عليه الحصني الحنفي في «الدر المختار» في باب الحظر والإباحة، وذكر أيضًا كتاب الصوم أن تقصيرها أقل من القبضة لم يبحه أحد؛ لأنه من شأن المخنثة من الرجال.
وقال النفراوي في شرح رسالة ابن أبي زيد المالكي: فما عليه الجند في زماننا من أن الحزم بحلق لحاهم دون شواربهم لا شك في حرمته عند جميع الأئمة.
وقال ابن حجر في شرح العباب: قال الشيخان الرافعي والنووي: يكره حلق اللحية. واعترضه ابن الرفعة في حاشية الكافية بأن الشافعي نص في «الأم» على التحريم.
وقال الأوزاعي: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها، كما في حاشيتي الشراوني وابن قاسم على شرح التحفة. وقال ابن الجوزي: إن إعفاءها مندوب ما لم يستهجن طولها. وقال الحنابلة: إعفاؤها واجب، وحلقها حرام.
والذين قالوا: إن إعفاءها مندوب استندوا إلى حديث مسلم مرفوعًا: «عشرة من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء» يعني: الاستنجاء. قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
قالوا: إن إعفاء اللحية شأنه شأن السنن المذكورة في الحديث، وهي ليست كلها واجبة، فالسواك مثلًا، وكذلك قص الأظافر، والاستنشاق، كله مندوب، لا واجب، فلماذا لا يكون إعفاء اللحية من بين المندوبات؟
وردوا على الحديث الأول في الأمر بمخالفة المشركين فقالوا: إن الأمر لا يتعين أن يكون للوجوب، فلو كانت كل مخالفة للمشركين محتمة لحتم صبغ الشعر الذي ورد فيه: «أن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم » (رواه الجماعة). مع إجماع السلف على عدم وجوب الصبغ للشعر، فقد صبغ بعض الصحابة ولم يصبغ البعض الآخر، كما قال ابن حجر في فتح الباري.
ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل في اللحية ما قيل في الصبغ من عدم الخروج على عرف أهل البلد لكان أولى، بل لو تركت هذه المسألة وما أشبهها لظروف الشخص وتقديره لما كان في ذلك بأس. جاء في كتاب: «نهج البلاغة» ج۲، ص١٤١: سئل علي عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود»، فقال: إنما قال النبي ذلك والدين قل، فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما يختار.
وجاء في فتاوى بعض العلماء قوله: والذي نعرفه من كثير مما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الخصال أن الأمر كما يكون للوجوب يكون المجرد الإرشاد إلى ما هو أفضل، وأن مشابهة المخالفين في الدين إنما تحرم فيما يقصد فيه التشبه من خصالهم الدينية، أما مجرد المشابهة فيما تجري به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأس بها ولا كراهة ولا حرمة.. ونحن لو تمشينا مع التحريم لمجرد المشابهة في كل ما عرف عنهم من العادات والمظاهر الزمنية، لوجب علينا الآن تحريم إعفاء اللحى؛ لأنه شأن الرهبان في سائر الأمم التي تخالفنا في الدين، ولوجب الحكم بالحرمة على لبس القبعة.
والحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية، ومنها حلق اللحى، من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة. فمن درجت بيئته على استحسان شيء منها كان عليه أن يساير بيئته، وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذًا عن البيئة.
هذه هي الآراء، عرضتها بما فيها من قديم وحديث، ولك أن تختار منها ما تطمئن إليه نفسك، وتراه معينًا لك على الخير مبعدًا لك عن الشر؛ وإن كنت أرى أن أدلة الطلب قوية، والقول بالوجوب أرجح، والله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل