; حلق اللحية خشية الاعتقال | مجلة المجتمع

العنوان حلق اللحية خشية الاعتقال

الكاتب المحرر السياسي

تاريخ النشر الجمعة 01-نوفمبر-2013

مشاهدات 3

نشر في العدد 2065

نشر في الصفحة 69

الجمعة 01-نوفمبر-2013


لم يكن يدور في خلد أحد من الفقهاء -قديمًا- أنه سيجيء يوم يكون فيه تطبيق إحدى شعائر الإسلام ولو كانت تتعلق بالهيئة أن تكون سببًا في أن يؤذى أحد بسببها، أو يقاد على السجن، أو يتم القبض عليه في الشارع؛ لأنه ملتح، فذاك مشهد يقول: إن هناك غربة عن الإسلام في بلاد المسلمين، ولم يتحدث الفقهاء عن حلق اللحية إلا بعد القرن السابع الهجري، وتكاد تتفق المذاهب الأربعة -الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول عند الشافعية- على اعتبار حلق اللحية حرام شرعًا، وأن حلقها مناقض للأمر النبوي بإعفائها وتوفيرها.

وللدلالة على هذا الأمر فقد قال الفقيه المصري الإمام الدسوقي المالكي: يحرم على الرجل حلق لحيته ويؤدب فاعل ذلك، وقال الفقيه الشافعي أبو شامة: قد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها ، فكأنه يستهجن فعلها، إذ لم يكن معروفًا قبلها.

فحلق اللحية -كما يقوم د. وهبة الزحيلي- حرام عند المالكية والحنابلة، واعتبر الحنفية حلقها مكروها تحريميًا، والمسنون في اللحية هو القبضة، وأما الأخذ منها دون ذلك أو أخذها كلها فلا يجوز، وقال الشافعية بكراهية حلقها، فقد ذكر النووي أن العلماء ذكروا عشر خصال مكروهة في اللحية، بعضها أشد من بعض منها حلقها .

ثم استند بعض الفقهاء المعاصرين إلى قول الشافعية بأن حلقها مكروه، فقال: إنها سنة، ومن هؤلاء عدد غير قليل من الفقهاء، على رأسهم العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، وكأنه اختيار يناسب تغير الزمان مع الاستناد إلى قول سابق للعلماء في المسألة.

ولما قامت ثورة 25 يناير بمصر قام عدد غير قليل من الشعب المصري بإطلاقه لحاهم، اقتداء بالسنة على أقل تقدير، ثم جاء انقلاب 30 يونيو الذي أطاح بالرئيس الشرعي المنتخب «د. محمد مرسي» بقيادة المجلس العسكري المصري وبمعاونة وزارة الداخلية وتحول المشهد المصري فجأة بعد تلك الحملة الإعلامية التي تناهض الحكم ذا المرجعية الإسلامية فكان يتم القبض على بعض الملتحين من الشوارع والبيوت، ويتعرض بعض البلطجية للملتحين بالضرب بالآلات الحادة، كما كان يتم القبض على الملتحين في محيط الأماكن التي يتظاهر فيها مؤيدو الشرعية، مما طرح سؤالًا قديمًا تجددت ظروفه: هل يجوز للمسلم أن يحلق لحيته؛ خشية على نفسه من الاضطهاد أو الاعتقال أو التعرض للأذى؟ وقد كان فارس هذه المسألة في ظرفها الشيخ أحد دعاة التيار الفقيه د. محمد عبد المقصود السلفي المؤيد للشرعية - فبادر هو بإخراج فتوى تجيز لمن خاف على نفسه الاعتقال، أو رأى أن اللحية تمنعه من المشاركة في المظاهرات المؤيدة للشرعية بمصر أن يحلق لحيته .

فأجاز حلق اللحية للخائف من البلطجية أو الأمن أو الجيش للوصول إلى الفعاليات المؤيدة للشرعية بأمن.

واستند د. عبد المقصود في فتواه إلى أن الإمام النووي ذكر في باب جواز الاستسرار بالأيمان للخائف في صحيح مسلم، وفي الحديث قال حذيفة: «فابتلينا حتى كان أحدنا لا يصلي إلا سرًا»

كما استشهد بأن شيخ الإسلام ابن تيمية -يرحمه الله تعالى- رخص في ذلك للمصلحة، وحسبك بالحفاظ على النفس مصلحة.

والمطالع لآراء الفقهاء المعاصرين في حكم حلق اللحية خشية الأذى يجد أن الفقهاء اختلفوا في المسألة، بين قائل بحرمة حلق اللحية تحت أي ضغط كان، وممن قال بهذا سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، مفتي المملكة السابق يرحمه الله تعالى.

الرأي الثاني: أنه يجوز حلق اللحية إن غلب على ظن الإنسان تعرضه للاعتقال أو الأذى، وممن قال بهذا الرأي الشيخ العلامة يوسف القرضاوي، والشيخ محمد المنجد، والشيخ ابن جبرين، ود. سلمان العودة ود . عبد الله الفقيه.

وقد سئل العلامة ابن باز يرحمه الله عن رجل حلق لحيته لظروف سياسية، وأنه لا يستطيع الدعوة بسبب لحيته، فأفتى لا يجوز للمسلم أن يحلق لحيته لأسباب سياسية، أو ليمكن من الدعوة، بل الواجب عليه إعفاؤها وتوفيرها؛ امتثالا لأمر الرسول ﷺ فيما صح عنه من الأحاديث، ومن ذلك قوله: «قصوا الشوارب، وأعفوا اللحى خالفوا المشركين» (متفق على صحته).. أما من أجاز حلق اللحية، فإنه فرق بين مجرد الظن والوهم، وأن يغلب على ظنه أنه يتعرض للأذى، فإن غلب على ظن الإنسان التعرض للأذى فيجوز له حلق لحيته ساعتها، وإن كان غالب من يفتي -بذلك يرى أن إطلاق اللحية واجب شرعي.

وقد استند الشيخ محمد صالح المنجد إلى أن هذا يدخل في باب الضرورة، قال الله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (البقرة:173)، أو في باب الإكراه، قال الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  (النحل 106:)

كما استند الشيخ د. عبد الله الفقيه إلى جواز حلق اللحية إن غلب على ظنه الأذى أنه من باب الرخصة كالخوف على النفس أو الأهل من القتل أو الحبس أو التشريد، أو الأذى الذي لا يطيقه الإنسان، كالفصل من العمل الذي لا يجد غيره، أو الحرمان من وظيفة لا سبيل غيرها لتحصيل ضروريات العيش.

فإذا وصل الأمر إلى هذا الحد جاز الأخذ بالرخصة، وإن كان الصبر على الأذى وتحمله أفضل.

واستند د. سلمان العودة إلى ما قاله العلماء في باب الإكراه، مع مراعاة شروط الإكراه المعتبر، من قدرة من يخافه الإنسان على إسقاط الأذى عليه، أو السجن ونحو ذلك، فإذا خاف الإنسان من الاعتقال، فإما أن يكون هذا الخوف ظنًا راجحًا بحيث يغلب على ظنه وقوع الاعتقال، أو يكون شاكًا في حصول الاعتقال أو واهمًا، فإن كان شاكًا، وهو استواء الطرفين وقوع السجن وعدمه فلا يحل له الوقوع في المحرم بمجرد الشك، ومثله إذا كان واهمًا، وأما إن غلب على ظنه وقوع الاعتقال، فهل يكون في حكم المكره بمجرد الخوف من وقوع الشيء؟ أو لا يكون مكرها حتى يقع عليه بعض العذاب، وأن مجرد التهديد لا يجعل الإنسان في حكم المكره فيه ثلاثة أقوال لأهل العلم: فقيل: لا إكراه إلا بعذاب، قال ابن قدامة في المغني (292/7): «ولا يكون مكرهًا حتى ينال بشيء من العذاب، مثل: الضرب، أو الخنق، أو عصر الساق وما أشبهه، وقيل: إن التهديد بالعذاب من قادر على فعله له حكم الإكراه، والسجن قطعة من العذاب، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (يوسف:25)، فجعلت السجن في مقابلة العذاب الأليم، إلا أن الفقهاء يشترطون في السجن والقيد أن يكونا طويلين، فلا يكفي التهديد بالسجن لمدة يوم. والذي يبدو أنه يجب التفريق بين مظنة التعرض للأذى والاعتقال ومن يغلب على ظنه، وأن عنده من الأمارات والعلامات ما يجعله يخاف من وقوع الأذى كما أن هناك من الناس من يمنع في حقهم حلق اللحية كالأئمة والدعاة ومن ينتسبون إلى العلم الشرعي وذلك من باب إقامة واحدة من أحكام الشريعة، أما عوام الناس ممن يخافون الاعتقال فيجوز لهم عند تعرضهم للأذى.

ومستند ذلك ما يلي:

أولًا : أن إطلاق اللحية من الأمور الظنية التي اختلفت حولها أنظار الفقهاء، فليست بأمر قطعي الحكم.

ثانيًا: مع اعتقاد أنها واجبة، فإن إطلاق اللحية يقع تحت ما يسمى بتحسينيات الدين، والحفاظ على النفس يقع تحت ما يسمى بضروري النفس والضروري يقدم على التحسيني، وبين ضروري النفس وتحسيني الدين تسع درجات، فضروري النفس يقع في الرتبة الثانية من تفصيل مقاصد الشريعة الكبرى وتحسيني الدين يقع في الرتبة الحادية عشرة.

ثالثًا: أن حلق اللحية هنا إنما هو في حالة الاضطرار والاستثناء، وتلك الحالات يكون فيها ما قاله العلماء في قواعدهم: «لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة»، ويدل عليها قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (البقرة:173) ويبقى حكمها الأصلي الوجوب عند من يرى الوجوب ولكن يرفع الإثم في تلك الحالات ..

سئل الشيخ العلامة ابن عثيمين -يرحمه الله- عمن يعمل بالمملكة ويطلق لحيته لكنه حين يعود إجازة لأهله في بعض الدول العربية ينصحبحلق لحيته خشية عليه من الاعتقال ومعه أطفاله وزوجته.

فأفتى بأن الأصل أنه يحرم حلقها خشية الأذى لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (العنكبوت:10 )، ثم إن الواقع يكذب الوقوع في الاضطهاد؛ لأن كثيرًا من الناس يسافر إلى بلده وهو ملتح، ويرجع دون أن يتعرض للأذى، وأن ما يحصل إنما هو بسبب الذنوب، وإلا فمن يتصور أن أحدا يتولى على أمة مسلمة ثم يرغمها على عصيان الرسول عليه الصلاة والسلام، من يتصور هذا؟! ولكن الذنوب والمعاصي هي التي أوجبت أن يتسلط علينا هؤلاء، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(الأنعام:129)، كما استند الشيخ إلى أن من يعتقل ليس بسبب لحيته وإنما بسبب انتمائه السياسي.

لكن يفهم من كلام الشيخ ابن العثيمين يرحمه الله؛ إن غلب على ظن الإنسان أنه يتعرض للأذى، فيجوز له حيث قال في بداية إجابته »إذا كنت ترى أن حجتهم قوية فالقوي يعتمد، لكن نحن نرى أنها ليست بقوية«









الرابط المختصر :