; ملوك الآخرة (7).. التواضع | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة (7).. التواضع

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 16-مايو-2009

مشاهدات 76

نشر في العدد 1852

نشر في الصفحة 55

السبت 16-مايو-2009

تناولنا في المقال السابق صفة الرفق كمعنى من معاني «الهون»، وفي هذا المقال نتحدث عن معنى آخر من معاني «الهون» ألا وهو التواضع..
معنى التواضع: لاشك أن هناك تعريفات كثيرة للتواضع، ولكن من أجمل ما جاء في تعريف التواضع قول إمام التابعين الحسن البصري عندما عرفه: «أن تخرج من منزلك، ولا تلقى مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلًا» (1)، وهذا يعني أنك مهما بلغت من منزلة من منازل الدنيا، سواء كنت أستاذًا في الجامعة، أو عالمًا يشار إليه بالبنان، أو طالب علم مرموق، أو كاتبًا ألمعيًا مشهورًا، أو نجمًا يتلألأ في المحطات الفضائية أو تاجرًا بارزًا، أو سياسيًا لامعًا، عندما تخرج من بيتك وتلقى أي مسلم مهما دنت درجته في الدنيا فإنه من التواضع أن ترى له فضلًا عليك، وألا تشعر بأنك أفضل منه.. ومن كان كذلك فإن القلوب تهفو إليه، لأن الناس جبلوا على النفور ممن يشعرون أنه يتعالى عليهم بأي نعمة من نعم الدنيا..
قبول الحق من الصبيان: لذلك فإن من تمام التواضع أن تنقاد للحق حتى ولو جاء على لسان من هم أقل منك منزلة، هذا ما فهمه الإمام الفضيل بن عياض عندما قال: «التواضع أن تخضع للحق، وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته منه، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه» (۲)، وهذا سر نجاح ملوك الآخرة في دعوتهم للناس، إنهم يزدادون علمًا وخلقًا، لأنهم لا يرون طريقًا فيه علمًا إلا سلكوه، حتى وإن جاء هذا العلم، وتلك النصيحة من جاهل أو معتوه، أو ممن هم أقل منهم منزلة، أو من صاحب منكر إذا رأى عليك عيبًا وذكرك به، وألا تقول: كيف أقبل من صاحب المنكر هذا وأنا العالم أو أنا الداعية الفلاني؟ وحتى إن جاء النصح من جماعة غير جماعتك، أو من ابنك أو زوجتك أو أقاربك، ماداموا يريدون وجه حبيبهم ورضاه. 
ومع ذلك، فإن صفة التواضع تلازم ملوك الآخرة حتى وإن توافرت فيهم كل أسباب الرفعة الدنيوية وزينتها، فإنهم يأبون إلا التواضع لله تعالى حتى يبقوا على الدوام مع الله (عباد الرحمن)، وهذا ما لاحظه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان على بعض ملوك الآخرة ممن يغشون مجلسه، ويزهدون في ملكه، فعندما سئل أي الرجال أفضل؟ قال: «من تواضع عن رفعة» (٣)
قابلني فيمن يتصفون بهذه الصفة وهو أحد أساتذة الجامعة، فقال لي: أرجوك لا تناديني بلقب «دكتور»، وآخر يرفض كتابة لقب «دكتور» بجانب اسمه على ما يؤلفه من كتب، وآخر يخفي لقب الدكتوراه التي قد حصل عليها منذ سنين، كل ذلك تواضعًا لله تعالى، وكراهية أن يتميز بين الناس.
 

ابن المبارك يبصرنا بالطريق 
ويأتي عبد الله بن المبارك ليبصرنا بطريقة ملوك الآخرة، ويضعنا على تفاصيل تربيتهم لأنفسهم ليستحقوا وسام ملوك الآخرة لاتصافهم بهذه الصفة العظيمة، حيث يقول:«رأس التواضع أن تضع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا، حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك عليه فضل» (٤)، هكذا هو طريق التربية الذاتية عند ملوك الآخرة، أن تضع نفسك عند من هو دونك في النعمة، ومن هو أقل منك في المستوى الاجتماعي، ومن هو أفقر منك، ومن هو أقل منك علمًا، ومنصبًا، ومنزلة، وشهرة، وقبيلة، وعقلًا، وصحة، ثم تباسطهم، وتتلطف معهم، وتخدمهم، وتتأخى معهم، وتغدو وتروح معهم، وتتحدث، وتستمع إليهم، وتغشى مجالسهم، وتسافر معهم، ولا تتميز عنهم بشيء البتة كل ذلك لتعلمهم، وتوصل إليهم رسالة ضمنية أنه ليس لك بدنياك عليهم فضل، خاصة إذا كانوا من الصالحين، وقد تميزوا عنك بدينهم، ذلك لأن الناس يتفاوتون يوم القيامة بالتقوى، إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾. (الحجرات: ۱۳)، وعندما ميز الله البعض ببعض نعم الدنيا عن الآخرين ليس لأنهم عند الله أفضل، بل لأنه جزء من الابتلاء يبتلي الله به من يشاء من عباده إذ يقول تعالى: ﴿وَبَلَوۡنَـٰهُم بِٱلۡحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّیِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ﴾ (الأعراف:168).
وإذا كان التواضع مطلوب بشكل عام، فإن أولى الناس بالتواضع معهم هم الإخوان في الله، حيث يقول الرب منبهًا لهذا الأمر ﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ (الشعراء:215)، ويقول تعالى في موضع آخر: ﴿ أذلة على المؤمنين.. ﴾ (المائدة: ٥٤)، أي أن تتنازل لهم عند الخلاف خاصة فيما يسوغ فيه الخلاف، وأن تتواضع لهم، وألا تعلي صوتك عليهم، وأن تؤثرهم وتقدمهم عليك وتقوم بخدمتهم، وقضاء حاجاتهم، حتى وإن علت منزلتك الدنيوية والدينية عنهم.

مدارس ملوك الآخرة
إن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الأرض مدارس تصقل شخصية هؤلاء الملوك، ويتربون من خلالها، ويؤصلون صفاتهم فيها، ومن أبرز تلك المدارس (رعي الأغنام)، فقد روى الإمام البخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه، وأنت فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (٥).
يقول الإمام ابن حجر: «الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة، أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم، والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها، وشدة ضعفها مع تفرقها، واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها» (٦)، ومن ضمن ما يتعلمونه في مدرسة رعي الأغنام التواضع، والإحساس بالمستضعفين.
--------------------------------------------

الهوامش
(۱) إحياء علوم الدين ٣٤۲/۳ واتحاف السادة المتقين ٣٥٦/٨، والتواضع والخمول ص ١٥٢.
(۲) حلية الأولياء لأبي نعيم ١٤/٨ ط /دار الكتاب.
(۳) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا.
(٤) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا ص ۱۱۹ ط/ دار الكتب.
(٥) رواه البخاري (فتح الباري )٢٢٦٢ باب رعي الغنم
(٦) فتح الباري ٤٤١/٤ ط. السلفية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

125

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

لعقلك وقلبك (30)

نشر في العدد 212

227

الثلاثاء 06-أغسطس-1974

الحكم وسيلة.. لا غاية

نشر في العدد 840

90

الثلاثاء 27-أكتوبر-1987

نماذج من أصحاب هَمِّ الآخرة