العنوان ملوك الآخرة (15)- نماذج للكاظمين والعافين
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 11-يوليو-2009
مشاهدات 101
نشر في العدد 1860
نشر في الصفحة 49
السبت 11-يوليو-2009
تناولنا في الحلقات الثلاث السابقة معاني الأصول الأخلاقية الثلاثة للصفة الرابعة – لعباد الرحمن (قالوا: سلامًا) والأدلة من القرآن والسنة التي تحث على هذه الأصول – الثلاثة، وفي هذه الحلقة نبين النماذج التي ترجمت هذه الصفة، انطلاقًا من الأصول الثلاثة (العفو، الصفح، وكظم الغيظ)..
الفاروق يضرب المثل:
إن صفة الكظم لا تبرز وتتضح جليًا إلا عندما تكون في رجل عرف من طبيعته الغضب السريع، فتحلو وتجمل، ولا تكون كذلك فيمن عرف عنه الحلم، والهدوء والتحكم.. وهكذا كان الفاروق رضي الله عنه ذو طبيعة غضبية، إلا أنه كان أيضا من أبرز المتحكمين بغضبهم، والمسيطرين على انفعالاتهم ابتغاء ما عند الله تعالى، ومما يبين ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قدم عيينة ابن حسن بن حذيفة على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا أو شبانًا فقال عيينة لابن أخيه: يا بن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: «يابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:199)، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله.
الفاروق يعترف:
بل إن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لا يكتم سرًا حينما يوضح أن السبب الذي منعه ويمنعه من إنفاذ طبيعته الغضبية في الكثير من المواقف الاستفزازية هو تذكره لما أعد الله للكاظمين يوم القيامة فيقول: «من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون ».
اختبار صعب:
ويختبر الصحابي الجليل أبا ذر غلامه اختبارًا غاية في الصعوبة، ولكن أبا ذر تلميذ النبي ينجح في الاختبار، فقد «جاء غلام لأبي ذر رضي الله عنه، وقد كسر رجل شاة له، فقال له: من كسر رجل هذه؟ قال أنا فعلته عمدًا لأغيظك فتضربني فتأتم فقال: لأغيظن من حرضك على غيظي، فأعتقه»، هكذا كانوا يربون أنفسهم، ويصرون على الاتصاف بصفات عباد الرحمن، ويقولون سلامًا لمن يتعرضون لهم من الجاهلين والسفهاء.
استفزاز الشيطان:
على مقدار الاتصال بالله تعالى، وتذكر مديحه للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس وما يترتب على الصفح من الأجر، وما أعده الله للمتمثلين هذه الصفات على مقدار ما يتحكم المرء بنفسه عند الاستفزاز، فكل هذه المواقف الرائعة أساسها هذا التذكر لله تعالى وما قاله وما أعده لهم عند العفو والكظم والصفح، يذكر ابن كثير في ترجمة عمر بن عبد العزيز يرحمه الله تعالى: « أن رجلًا كلمه يومًا حتى أغضبه فهم به عمر ثم أمسك نفسه، ثم قال للرجل، أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك ما تناله مني غدًا؟ قم عافاك الله، لا حاجة لنا في مقاولتك».
زين العابدين:
هل يمكن لأحد منا عندما يخطئ الخادم أو الخادمة فتسقط على رأسه، أو تضرب وجهه بآلة حادة، وينفر الدم من وجهه أو رأسه أن يتحكم بأعصابه ولا يضربها، أو ربما يقطعها، ويطردها من المنزل، ويحرمها من راتبها، وفي أقل الأحوال أن يشبعها من ألوان السب والشتائم، والعقوبات غير الجسدية ما الله به عليم؟ لكن التابعي الجليل زين العابدين يعطينا درسًا عظيمًا في التحكم بالانفعالات، وكظم الغيظ في سبيل الله تعالى، فقد «سكبت جارية العلي بن الحسين عليه ماء ليتوضأ، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع رأسه إليها، فقالت الجارية: إن الله يقول، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ (آل عمران: ١٣٤ )، فقال: قد كظمت غيظي.
قالت: ﴿والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ (آل عمران: ١٣٤ ).
قالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران:134)
قال أنت حرة لوجه الله تعالى.
الإمام أبو حنيفة:
ويضرب لنا الإمام أبو حنيفة أروع الأمثلة لتطبيق صفة، «قالوا: سلامًا» للجاهلين. فقد ناظره رجل في مسألة، وقال له: يا مبتدع يا زنديق فقال: غفر الله لك، الله يعلم مني خلاف ما قلت، وهو يعلم أني ما عدلت به أحدًا منذ عرفته، ولا رجوت إلا عفوه ولا خفت إلا عقابه. ثم بكي عند ذكر العقاب، فسقط صريعًا، ثم أفاق، فقال له الرجل: اجعلني في حل! فقال: كل من قال ما ليس في من أهل الجهل فهو في حل، وكل من قال شيئا مما ليس في من أهل العلم فهو في حرج، فإن غيبة العلماء تبقي شيئًا بعدهم».
السكوت عن السفيه:
وجاء في ترجمة التابعي الجليل أبو السوار العدوي أن رجلًا «أقبل عليه بالأذى، فسكت، حتى بلغ منزله أو دخل قال: « حسبك إن شئت».
----------------------------------
المراجع:
1- الجزل هو العطاء الكثير.
2- رواه البخاري، الفتح 4642/8.
3- مختصر منهاج القاصدين ص182، والإحياء 176/3
4- مختصر منهاج القاصدين ص183.
5- البداية والنهاية 210/9.
6- الإبريق من نحاس.
7- البداية والنهاية 107/9
8- أخبار أبو حنيفة ص37.
9- الزهد للإمام أحمد ص317.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل