العنوان السودان : الغارات الأمريكية قربت بين النظام والشعب
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
مشاهدات 93
نشر في العدد 1315
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
ربما قدمت الولايات المتحدة من حيث لا تدري أكبر خدمة للنظام في السودان بعدوانها على مصنع للأدوية بالخرطوم بحري المدينة الثالثة التي تتكون منها العاصمة السودانية المثلثة. كانت ليلة الخميس ٢٧ من ربيع الثاني الموافق ۲۰ من أغسطس هادئة، ككل ليلة خميس من عطلة الأسبوع، وكانت أجزاء كبيرة من العاصمة تعيش في ظلام من جراء انقطاع التيار الكهربائي المعتاد في مثل هذا الشهر، حيث الفيضان هذا العام أكبر من المعدل، مما يؤثر على التوليد. أرادت الولايات المتحدة أن تنتقم من السودان ولكن الغارات الأمريكية جاءت بنتائج سالبة على أمريكا وحلفائها من المعارضة المسلحة، التي يقودها جون جارانج والمهدي والميرغني والشيوعيون وعادت بنتائج إيجابية للنظام.
من المكاسب التي تحققت للحكومة التأييد العفوي المنقطع النظير من جماهير الشعب وخروج المظاهرات في كل أطراف العاصمة السودانية، ومدن السودان الأخرى أولى تلك المظاهرات تجمعت حول المصنع الذي تعرض للقصف، ثم سارت إلى السفارة الأمريكية بالخرطوم، وهي خاوية على عروشها، مما يؤكد أن نية كانت مبيتة أصلاً عند الإدارة الأمريكية، لأنها أجلت مواطنيها إلى القاهرة وتركتها خالية حتى من الحارس.
المراقبون يؤكدون أن النظام في السودان استفاد فائدة عظمى من العدوان، حيث لاحظوا التحول الكبير في ميول قطاعات كبيرة ومؤثرة من الشعب نحوه عكس ما كانت تظن المعارضة من أن عدواناً كهذا سيحدث انتفاضة شعبية ضد الحكومة، مما يمهد لإسقاطها، ولذلك، فقد سارعت المعارضة بتأييد العدوان الأمريكي، ولكنها كالإدارة الأمريكية، لم تحسن قراءة الواقع والمزاج السوداني ونفسيته.
لقد اعتمدت أمريكا والمعارضة على معاناة الشعب من الضائقة المعيشية وعولت عليها كثيراً. ولكن نسي هؤلاء أن الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
الشريف زين العابدين الهندي -الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي- المحظور، كان موجوداً أثناء الاعتداء في لندن، وقرر العودة فوراً إلى الخرطوم، مندداً بالغارة الأمريكية، ووصفها بالإرهاب، وانتهاك السيادة وكرامة السودان، وأمن مواطنيه، وأعلن أنه في خندق واحد مع الحكومة للدفاع عن السودان، وندد بالمعارضة التي أمدت الاستخبارات الأمريكية بمعلومات خاطئة عن المصنع.
واستنكرت هيئة شؤون الأنصار جناح الإمام أحمد المهدي العدوان الأمريكي، مخالفين بذلك أتباع جناح الصادق المهدي الذي أيد الاعتداء مما أحدث استنكاراً لموقفه وسط قطاعات كبيرة من الأنصار.
هذا، فضلاً عن الهيئات والفئات التي تسارعت في تسيير مسيرات شعبية أكدت مدى تجاوب الشعب مع الحدث، ونشطت هيئات الدفاع عن العقيدة والعلماء واتحادات العمال والطلاب والزراع في العمل على مساندة الحكومة للمضي قدماً في توجهها الإسلامي ونهجها الحضاري وعاهدت الجماهير الرئيس البشير بإعادة بناء مصانع للدواء بدل الذي انهار نتيجة الغارة الأمريكية، وفعلاً تكونت هيئة شعبية لجمع المال اللازم، ومن طرائف ما يحكى في ليلة العدوان أن بعض المواطنين كانوا قد خرجوا محتجين لاستمرار انقطاع الكهرباء ولكنهم فور سماعهم بنبأ القصف الأمريكي، تحولوا إلى مظاهرة ضد أمريكا، ومعلنين وقوفهم مع الحكومة.
واقع الشارع السوداني اليوم، يؤكد أن هناك تعاطفاً كبيراً والتفافاً متنامياً من قطاعات الشعب السوداني نتيجة للسياسة الأمريكية العدوانية. والشعب السوداني بطبيعته يكره الصلف والغرور ولا يرضى الإذلال ويتوقع أن تلتقي قيادات المعارضة الداخلية مع الحكومة، وتحدث المصالحة بينهما، وقد أشاد الرئيس البشير بمواقف عدد من رموز المعارضة الداخلية ووصفهم بالمعارضة الوطنية، ووعد الجميع بمزيد من الحريات، وقال إنهم متمسكون بالتوالي السياسي، حتى ولو أدى
إلى حكومة جديدة غير الإنقاذ. لقد أرادت الإدارة الأمريكية عزل النظام الإسلامي، ولكن سياسة العدوان المباشر، أضعفت غاياتها، وقوت النظام، وفكت عزلتها داخلياً وخارجياً، حيث تعاطفت الشعوب العربية والإسلامية وحكوماتها مع السودان، بما فيها مصر التي تدهورت العلاقات معها إلى حد كبير في الآونة الأخيرة.
إن موجة الكراهية ضد أمريكا لم تعد محصورة في السودان فقط وإنما عمت العالم الإسلامي والعربي، وقد تكسب الحكومة السودانية تعاطف الغربيين، بما فيهم الشعب الأمريكي، حينما يتأكد أن السودان بريء كل البراءة مما نسب إليه من اتهامات باطلة لا تستند إلى حقائق ثابتة. وأكبر مكسب في نظر المراقبين هو تلك الخسارة التي لحقت بالمعارضة الخارجية، فقد أعلنت ترحيبها بالخطوة الأمريكية، بل ادعت على لسان مبارك الفاضل المهدي، بأنها هي التي أمدت أمريكا بالمعلومات، وبشرت بضربات قادمة، ومثل هذا التصرف يولد استفزازاً للشعب السوداني. الذي يقدم خيرة الشباب شهداء في الحرب التي يقودها هؤلاء من الخارج.
والسؤال الآن ماذا تخبئ الأيام القادمة للرئيس الأمريكي، الذي ارتفعت الأصوات في جميع مساجد السودان متضرعة إلى الله أن ينتقم منه، ولا سيما وقد رفضت السودان الاعتذار الأمريكي السري الذي نقلته إليه إحدى الدول.
مصر تنفي علاقتها بالهجمات على السودان وتتعاطف معه دبلوماسياً وشعبياً
القاهرة: المجتمع
قبل ٢٤ ساعة من قيام الطائرات الأمريكية بالعدوان على السودان وأفغانستان كانت المناوشات بين الأجهزة الرسمية في كل من القاهرة والخرطوم قد وصلت إلى حد اتهام القاهرة بالتآمر على السودان بسبب استضافة القاهرة مؤتمر المعارضة السودانية، الذي انتهى بيانه الختامي بتأكيد مساندة مصر للتجمع المعارض.
ورغم ما بدا من أن هناك محاولات للتهدئة عبر وزارتي خارجية البلدين، وتأكيد المصادر الدبلوماسية المصرية أن هناك تنسيقاً مع الخرطوم وأنه تم إبلاغها بنية استضافة المؤتمر بهدف الحفاظ على وحدة السودان، فقد كانت الأجواء ملبدة ولم تقتنع الخرطوم بالمبررات المصرية، حتى إن وزير خارجيتها ذكر مصر بأنها تستضيف من يعلنون قتل الجنود السودانيين، ويقطعون الطريق ويروعون المدنيين بالتفجيرات، وقال: إن تصريحات د يوسف والي - وزير الزراعة المصري - لا تختلف عن تصريحات قادة المعارضة التي تنادي بإسقاط النظام في السودان غضب الخرطوم زاد بشدة على رد فعل مصر (الهزيل) - كما قال مصدر دبلوماسي - من العدوان الأمريكي على الخرطوم، ودعوتها لا إلى إدانة الهجوم البربري، وإنما لعقد مؤتمر دولي لمواجهة الإرهاب دون أن يتضمن البيان المصري في هذا الصدد أي إشارة للسودان أو أمريكا.
مصدر دبلوماسي سوداني بالقاهرة وصف موقف مصر بأنه سيئ للغاية، وقال: كنا نتمنى أن يكون موقفها أكثر صراحة وإدانة، ولكننا نقدر ظروف بعض الدول مع ذلك، لأننا علمنا أن هناك ضغوطاً أمريكية مورست على البعض لعدم توجيه انتقاد للهجوم الأمريكي، وقد أكد الرئيس السوداني عمر البشير اتصال رؤساء دول صديقة به لإبلاغه بهذه الضغوط الأمريكية. ومنذ إعلان الخرطوم رسمياً أن الطائرات الأمريكية التي قصفت مصنع الأدوية جاءت من الشمال، وأنه تم رصد اختراقها لحاجز الصوت فوق مدينة بربر الشمالية، وهناك تساؤلات بين السياسيين والمختصين في مصر عن المكان الذي انطلقت منه هذه الطائرات، الرواية السودانية تؤكد أن الطائرات الأمريكية اخترقت حاجز الصوت فوق منطقة بربر شمال السودان أي قريباً من مصر، وتحركت محاذية للنيل حتى وصلت الخرطوم بعد ربع ساعة، ثم أسقطت سبعة صواريخ من طراز توماهوك أصابت ستة منها المصنع ودمرته، فيما انحرف صاروخ باتجاه مصنع آخر مجاور، وتضيف الرواية السودانية أن الطائرات الأمريكية كانت من طراز إف بي - (۱۱۱)، وهي من النوع الذي ينطلق عادة من الأرض لا من على حاملات الطائرات الأمر الذي يعني أنها انطلقت من قاعدة جوية جهة الشمال الواقع أن الطائرات يمكن أن تأتي من مكان أبعد من ذلك ويتم تزويدها بالوقود من الجو.
وقد حرص وزير الخارجية المصري عمرو موسى في أول مؤتمر صحفي يعقده بعد العدوان الأمريكي على أن ينفي علاقة مصر بالهجمات الأمريكية على السودان وعلى الرغم من أن الموقف المصري الرسمي المعلن يبدو منه (السكوت) عن ضرب الخرطوم خصوصاً بعد البيان الأول الذي دعا لعقد مؤتمر دولي لمواجهة الإرهاب تحت رعاية الأمم المتحدة والذي تضمن الدعوة لمقاومة الإرهاب والقضاء عليه، ومحاسبة المتورطين والمشتركين في ارتكابه وتحديد مسؤولية الدول التي تقدم المساعدة للعناصر والأنشطة الإرهابية، أو تؤوي الأفراد والمنظمات المتورطة فيها..
إلا أن الموقف المصري إجمالاً انطوى على رفض مبطن وضمني للعملية الأمريكية، فقد رد وزير الخارجية عمرو موسى على سؤال عما إذا كانت أمريكا تعتبر نفسها بهذه الهجمات بديلاً عن مجلس الأمن قائلاً: لا يمكن لأي دولة أن تكون بديلاً عن مجلس الأمن، الذي سيظل السلطة الرئيسة المنوط بها حفظ السلام والأمن الدوليين.
كما أن لقاء عمرو موسى، وسفير السودان بالقاهرة أحمد عبد الحليم عقب العدوان تضمن تأكيداً مصرياً على أنه وإن كانت مصر مهتمة بظاهرة الإرهاب. كما نقل السفير السوداني. وترى أهمية التعاون للقضاء على هذه الظاهرة فإنها في الوقت ذاته تحرص على أن يتم التعامل مع هذه الظاهرة في إطار الشرعية الدولية، كما أن مصر لا تقر الإجراءات المنفردة في هذا السبيل.
ولهذا أعلن السفير السودان عقب اللقاء أن الخرطوم تؤيد دعوة مصر لعقد مؤتمر دولي لمكافح الإرهاب، مشيراً إلى أن بلاد (*) وقعت على الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، وجميع الوثائق الدولية المتعلقة بها.
وقد علمت المجتمع في هذا الصدد أن مصر أبلغت السودان وقوفها معه في جميع المحافل الدولية (الجامعة العربية - مجلس الأمن- منظمة الوحدة الإفريقية وغيرها)، وأنها ستشارك في صياغة المذكرتين الموجهتين من المجموعة العربية والإسلامية إلى رئيس مجلس الأمن، كما ستشارك في المذكرة التي قدمها السودان للجامعة العربية والتي وافقت عليها الدول العربية وتضمنت إدانة للقصف الأمريكي، واعتبرته عدواناً على السودان وانتهاكا لسيادته وحرمة أراضيه، وقد كان البيان الصادر من الجامعة العربية قوياً للغاية، وأكد فيه المجلس دعمه ومساندته للسودان، كما أكد تفريقه بين الإرهاب المسلح والمشروع لاسترداد الأراضي المغتصبة.
● انتقادات غاضبة:
أما على الصعيد الشعبي فقد صدرت انتقادات غاضبة على العدوان من جانب القوى والأحزاب المصرية التي وصفت العدوان بأنه إرهاب دولة واعتبره شيخ الأزهر عدواناً على الأبرياء الآمنين وقد فسر عدد من كتاب الأعمدة في الصحف المصرية الضربة الأمريكية بأنها للتغطية على فضيحة مونيكا، وكان أعنف نقد ورد في المقال اليومي للكاتب الإسلامي أحمد بهجت، الذي كتب بجريدة الأهرام يصف تصرف الرئيس الأمريكي بأنه يضعه في سلة واحدة مع الإرهابيين، ويتساءل ماذا يكون موقف أمريكا لو ثبت أن هذا المصنع للدواء لا للغازات السامة، هل يعتذر الرئيس الأمريكي للشعب السوداني، كما اعتذر لزوجته وناخبيه والشعب الأمريكي عن كذبه في علاقته بمونيكا لوينسكي ؟!..
رد الجميل
يتساءل المهندس أحمد شاه زي نائب رئيس الوزراء في حكومة الرئيس رباني عن ذنب الضحايا الأفغان الذين لقوا مصرعهم في الضربة العسكرية الأمريكية مضيفا أن هناك وسائل أخرى سلمية كان بإمكان واشنطن أن تستعملها لتحقيق الهدف نفسه ... وقال أحمد شاه كان الأفغان سببا في دحر الروس والمساهمة في إيجاد النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة، فهل هذه هي هدية أمريكا للأفغان على ذلك.
ليست حرباً على الإرهاب
فالهجوم بالصواريخ على دسكرة أفغانية لا يعني إطلاقاً حرباً على الإرهاب، بل تعييناً لخصم جديد، وعرضاً للقوة العاتية أمامه، وتذكيراً للعالم بأن الولايات المتحدة ما زالت كبرى الإمبراطوريات العسكرية في العالم. أما الحرب على الإرهاب فلا تتم لا بالصواريخ ولا حتى بالسلاح، إنما أساساً بالكلام والموقف، يكفي واشنطن أن تقول:
إن احتلال إسرائيل للضفة والقطاع أو الجولان وجنوب لبنان غير شرعي، وأن تعطي نتنياهو مهلة للانسحاب منها، يكفي واشنطن أن تعترف بأن جنوحها لصالح إسرائيل غير أخلاقي يكفي واشنطن أن تضع مسافة حقيقية بينها وبين إسرائيل، وأن توقف عقابها الجماعي للشعب العراقي، وأن تعترف بالتناقض الصارخ بين رضوخها للقنابل النووية في الهند وباكستان ورفضها لأي تقدم عسكري تكنولوجي في إيران والعراق وسورية، يكفي هذا حتى تخبو جذوة عداء الشعب العربي والإسلامي لها، وقد تنطفئ، تلك الجذوة تماماً. ولواشنطن فيما حصل للاتحاد السوفييتي عبرة، فهي رأت في حينه كيف استثار غزو السوفييت لأفغانستان همة الجهاد ضده عند مسلمي العالم، لكن الجهاد توقف يوم سحب جورباتشوف جيشه من كابل، وإذا انقلب الجهاد اليوم ضد أمريكا فلأنها بانحيازها المتمادي لصالح إسرائيل الممزوج بكلام عاطفي سطحي، موجه نحو العرب والمسلمين، بانت تستعدي هؤلاء بالحدة نفسها التي أثارته دبابات برجنيف يوم دخلت أفغانستان.
إذاعة مونت كارلو