العنوان ملوك الآخرة (36): الصفة الثانية عشر: الابتعاد عن جريمة القتل
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 30-يناير-2010
مشاهدات 71
نشر في العدد 1887
نشر في الصفحة 54
السبت 30-يناير-2010
تحدثنا في الحلقة السابقة عن الصفة الحادية عشرة، وهي التوحيد الخالص، وترك الشرك وتتناول في هذا العدد الصفة الثانية عشرة وهي ترك اقتراف جريمة القتل للنفس البريئة...
حرمة دم المسلم:
يقول تعالى واصفًا عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (الفرقان: 68)، إنهم لا يقدمون على اقتراف جريمة القتل أصلا، لعلمهم بحرمة الدماء بشكل عام، وخاصة دماء المسلمين، ولا يلوثون أيديهم بمثل هذه الدماء البريئة. وذلك للآية السابقة، وللآية في سورة النساء ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء:93)، ولأحاديث كثيرة حرم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم دم المسلم.
–أكبر الذنوب: منها حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- الذي قال فيه قال رجل: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك.. قال: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك.. قال: ثم أي؟ قال: أن تزني حليلة جارك.. فأنزل الله عز وجل تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (الفرقان: 68).
- فسحة الدين وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا». (1)
يقول الإمام ابن العربي: «الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت: لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة، حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول» (2).
وعدم قبول توبة القاتل هو رأي الصحابي الجليل ابن عمر، وإن كان له معارضًا لحديث قاتل التسع والتسعين. ولكن الشاهد هاهنا هو إيراد معنى «الفسحة في الدين».
- ورطات الأمور: ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بعد حله» (3).
- والورطات: «جمع ورطة بسكون الراء. وهي الهلاك (4).
- اشتراك اهل السماء والأرض: ويقول الرسول ﷺ: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» (5). وهذا يدل على عظم دم المؤمن عند الله وأنه يعادل عند الله تعالى إلقاء كل أهل الأرض والسماء في النار، إذا اشتركوا معًا في جريمة قتل مؤمن بريء.
- زوال الدنيا: ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق» (6).
كل هذه الأحاديث وغيرها تدل على خطورة الأمر وفظاعته وعظم هذه الجريمة عند الله تعالى، وأن هذه الآيات البينات والأحاديث لا يمكن أن تعارض بكلام البشر، أو بتأويلات لا ترقى لوضوح هذه الآيات والأحاديث.
أين الاستثناء؟
وواضح من سياق الآيات والأحاديث أن النهي ليس على إطلاقه. بل إن هناك استثناء واضحًا وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الفرقان: 68)، وما جاء في الأحاديث السابقة، ومنها حديث البخاري السابق بغير حله، وحديث ابن ماجه السابق بغير حق، فما هو هذا الحق الذي يجيز قتل المؤمن؟
هذا الحق، لم يتركه الشارع هكذا دون تحديد، ولم يتركه لاجتهاد المجتهدين والمتأولين لتكون فوضى اجتماعية وينعدم الأمان. كما هو حاصل في بعض الأقطار الإسلامية من بعض المتأولين بل حدده وأوضحه أشد الإيضاح في حديث الإمام مسلم الذي قال فيه «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ﷺ إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» (7).
الاستثناءات الثلاثة:
1 – الثيب الزاني: هو المحصن المتزوج فليس له مبرر في اقتراف جريمة الزنا كالأعزب لذلك فإنه يرجم حتى الموت، بينما يجلد الاعزب بالسوط.
٢– النفس بالنفس: فكل نفس برينة مقتولة يقتل القاتل بها قصاصًا.
٣– الارتداد عن الدين: وهو التارك لدينه فالأصل أنه لا إكراه في الدين، ولكنه إذا اختار الإسلام بمحض إرادته، ثم ارتد عنه فإنه يقتل. يقول الإمام النووي: «فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، فيجب قتله ان لم يرجع إلى الإسلام» (8).
من الذي ينفذ القتل؟
وبالرغم من وجود هذه الاستثناءات الثلاثة، إلا أن الأمر لم يترك للعامة تقتل من تشاء ممن توافر فيه أحد الشروط الثلاثة. بل إن الأمر أوكل لصاحب السلطان: حيث إنه يعتبر من تغيير المنكر باليد المنوط بصاحب السلطان، والسلطان هنا هو الحاكم، أو من يعينه الحاكم لتنفيذ القانون، وليس الأفراد الشعب.
وقد أورد الإمام الماوردي ستًا (9) من وظائف الإمام على سبيل المثال لا الحصر، والتي منها رابعًا: إقامة العدل بين الناس، وذلك على النحو التالي:
أ- تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم التصفية، لا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم.
ب- إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك» (10).
الهوامش:
(١،٢) رواه البخاري، فتح الباري ٦٨٦١-٦٨٦٢. كتاب الديات.
(۳) فتح الباري ۱۸۸/۱۲ الطبعة السلفية.
(٤) رواه البخاري «فتح الباري ٦٨٦٣ كتاب الديات».
(5) فتح الباري ۱۸۸/۱۲.
(٦) رواه الترمذي ١٤٠٢ كتاب الديات، وصححه الألباني (ص ج ص ٥٢٤٧).
(۷) رواه ابن ماجه عن البراء، وصححه الألباني (ص ج ص ٥٠٧٨).
(۸) شرح النووي لصحيح مسلم ١٦٥/١١، ط. دار الفكر.
( ۱۰ ۹) يمكن مراجعتها في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل