; مقال الأسبوع.. التحيز العلماني ضد الصحوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان مقال الأسبوع.. التحيز العلماني ضد الصحوة الإسلامية

الكاتب البروفيسور جون أسبوزيتو

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

مشاهدات 100

نشر في العدد 1072

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

الإسلام والغرب: بين فخاخ الصور النمطية وحقيقة الصحوة

لقد أدى حادث الانفجار في مجمع التجارة العالمي في نيويورك إلى حالة من الفزع على مستوى العالم بأسره من «الخطر الأصولي» ووجهت الاتهامات إلى الأصوليين الإسلاميين الراديكاليين في الولايات المتحدة وأوروبا بتلقي الدعم المادي من إيران وغيرها، وقد جرى الربط بين المتهمين في ذلك الحادث وبين الشيخ عمر عبد الرحمن- الذي سبق وأن اتهمته السلطات المصرية في مؤامرة اغتيال أنور السادات، إلا أن المحكمة قامت بتبرئة ساحته فيما بعد- على خلفية أن عددًا من المقبوض عليهم قد اعتادوا ارتياد المسجد الذي يخطب به الشيخ عمر- عادة- في مدينة جيرسي سيتي.

الإعلام الغربي وصناعة "الخطر البديل"

▪ الإعلام الغربي تحركه حوافز الإثارة ومن ذلك قد يبدو أن الغضب الأصولي الإسلامي وصل للمرة الأولى إلى شواطئ «الشيطان الأكبر» على حد وصف الخميني لأمريكا، وللأسف فإن العلماء والمثقفين لم يفعلوا في الغرب إلا القليل لتشجيع الرأي العام للتساؤل عن وجه الخطأ في ذلك التصوير، إن مرحلة ما بعد الحرب الباردة التي نعيشها تعاني مما يسمى «فراغًا من التهديد» بسبب تأثر الكثير من الأمريكيين بمرحلة الصراع الطويل بين الدول العظمى، حتى إنهم أصبحوا يبحثون عن حل بديل جديد يجسد ذلك التهديد العالمي.

إن البعض يرى أن ذلك العدو العالمي يتجسد في قوة اليابان الاقتصادية، بينما يراه البعض الآخر في الأصوليين الإسلاميين. ولما كان معتنقو الدين الإسلامي يبلغون المليار نسمة، فإن ذلك يبرر لبعض المراقبين اتخاذه بديلًا لخطر الاتحاد السوفيتي لما له من قوة سياسية. إن الحكومة الأمريكية تتصرف من منطلق الكوارث والأزمات، والإعلام الغربي تحركه حوافز الإثارة والعناوين البراقة، الأمر الذي أدى إلى تغذية روح الخوف وترويج بعض الصور النمطية التي أصبح مألوفًا ارتباطها في الأذهان بالإسلام، إضافة إلى استعمال بعض التعبيرات الاستفزازية مثل: المتطرفون، الإسلاميون، الأصوليون المتزمتون، الجهاد، الإرهاب... إلخ.

تسييس "الصحوة" وتغذية المخاوف

إن هذه النظرة للإسلام دعمتها حوادث سياسية ملتهبة، مثل حادث احتجاز الرهائن في إيران ولبنان، وأخيرًا دعوة صدام حسين للجهاد خلال حرب الخليج، كذلك أدت رواسب الثورة الإيرانية وتصعيد إدارة ريجان نظرتها للأصولية الإسلامية إلى درجة تماثل «إمبراطورية الشر» كما كان ريجان يسمي=يسمي الاتحاد السوفيتي، من خلال إبراز أعمال الخميني والقذافي العدائية للغرب.

(إسرائيل) وبعض حكام العرب يغذون الخوف من الصحوة الإسلامية لقد أدى كل ذلك إلى إيجاد نوع من الهالة حول الراديكالية والإرهاب، التي أخذ بعض الغربيين من خلالها يفسرون الإسلام وأحداث العالم الإسلامي. إن كلًّا من زعماء (إسرائيل) والعديد من الدول العربية قد أصبح يصور الأصوليين الإسلاميين على أنهم الخطر العالمي الجديد، لدرجة أن يعلن إسحاق رابين رئيس وزراء (إسرائيل): «إننا- أي (إسرائيل)- أول من يقف اليوم على خط النار في مواجهة خطر التطرف الإسلامي!». كذلك فإن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قام هو الآخر بشجب الأصولية العالمية، واتهم إيران والسودان بتمويلها.

إن الرأي العام في الغرب يتأثر بشدة بآراء المحللين والمعلقين الذين صوروا نمو الإسلام والحركات الإسلامية في أوروبا على أنها تهديد سياسي وديموغرافي سكاني، حتى إننا نجد العديد من الصحف والمجلات تحوي مقالات وعناوين مثيرة مثل: «جذور الغضب الإسلامي- نمو الإسلام يمكن أن يطغى على الغرب- الانتفاضة العالمية- احترس من الراديكالية الدينية- بالإسلام أو السيف- الإسلام في مواجهة الديمقراطية».

مأزق "الأصولية العلمانية" في التحليل

▪ نظرة مفكري الغرب للصحوة متأثرة بالفكر العلماني إن كثيرًا من العلماء الغربيين- بالرغم من اتسامهم بالحكمة- فشلوا في استيعاب أن تحليلاتهم للمجتمعات الإسلامية متأثرة بشكل بالغ- إن لم يكن مدمرًا- بالفكر العلماني، وقد أدى ذلك إلى فشلهم في فهم طبيعة وحوافز الحركات الدينية التي تعارض مفاهيمنا في الغرب عن الحياة، وأصبح الحال كما كان في زمن الحرب الباردة، حيث إن أي شخص لا يقوم بترويع العامة من المسلمين فإنه يخاطر بأن يوصم بأنه متعاطف مع الأعداء، لقد نتج عن ذلك التساوي بين محاولات العلماء وبين العامة إلى التوصل لصيغة المعادلة التالية: إن الإسلام = الأصولية = التطرف الراديكالي.

إن «الأصولية» كمصطلح أصبح يستعمل بطريقة عشوائية وبدون وعي ليشمل مجموعة عريضة من القادة والدول والمنظمات.

فعلى سبيل المثال فإن السعودية وليبيا وباكستان وإيران يشار إليها بأنها دول أصولية، ولكن هذا المصطلح لا يدلنا على أقل القليل عن هذه الحكومات وطبيعتها الإسلامية، ولا يقدم تصورًا يشرح اختلاف نظرتهم للولايات المتحدة. إن الصحوة الإسلامية فقدت كثيرًا من افتراضات العلمانية الغربية المتحررة ونظرية نموها، بما في ذلك المفهوم السائد بأن التحديث يعني الانخراط وبدون تحفظات في علمنة وتغريب المجتمع. إن تحليلات العلماء في الغرب تتشكل مرة تلو الأخرى بمقوم علماني تحرري، الأمر الذي أدى إلى عجزها عن استيعاب أنها بذلك تمثل وجهة نظر واحدة للحياة والكون، وأن هؤلاء العلماء بافتراضهم أن العلمانية هي الحقيقة الوحيدة البينة وغير القابلة للنقاش، قد وقعوا في مأزق يمكن أن يوصف بأنه «أصول علمانية».

الدوافع الحقيقية وراء الحركات الإسلامية

▪ التحيز للعلمانية يعمي عن فهم دور الدين إن هذا التأثر والتحيز إلى العلمانية يعمي مواقف بعض العلماء وصناع السياسة عن تفهم قوة ودور الدين كمصدر للعقيدة وتشخيص الفرد والمجتمع. إن نجاح الإسلام في كثير من الساحات السياسية لا يمكن أن يفسر ببساطة أنه نتيجة للفشل السياسي والاجتماعي في تلك المجتمعات. إن الدين وإن كان لكثير من المسلمين- وليس كلهم بالتأكيد- هو قوة حافزة، ومصدر إرشاد لهذه الحياة، وطريق للآخرة، فإننا لا نستطيع أن نصور ببساطة أن الأصولية ما هي إلا وليدة الفقر والبطالة.

فبالرغم من أن معظم التأييد الذي حظيت به جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر كان من الشباب العاطل عن العمل، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر عكس ذلك، حيث تتكون أغلبيتها من شريحة المجتمع المتوسطة متمثلة في أساتذة وأطباء ومحامين ومهندسين. إننا في الغرب ما زلنا- للأسف- قاصرين في تناولنا للجماعات الإسلامية وقادتها على دراسات محدودة المعالم والتفاصيل، كما أننا عجزنا عن بحث الأسباب المحددة- سواء حقيقية أو وهمية- عن كراهيتهم لأمريكا، وعن سخطهم وعدائهم السياسي لعدد من أنظمة الحكم.

إن المحللين من الأكاديميين ورجال الحكومة والإعلام يميلون للتعميم، مفترضين أن ما تعمله دولة أو جماعة بعينها يمكن أن يتوقع من الآخرين كلهم، وكلما قلت المعلومات.. زاد التعتيم والتسطيح. وبالإضافة لما سبق، فإن الكثير من العلماء الذين يقومون بدراسة وتحليل الحركات الإسلامية يعتبر اتصالهم بتلك الحركات قليلًا أو منعدمًا من أساسه.

 إن الإسلام يصوّر على أنه نمط واحد من القوة السياسية والاجتماعية، كما كان مفهوم الشيوعية لدى العلماء وصناع السياسة ورجال الإعلام إبان الحرب الباردة. وبذلك فإننا في الغرب عندما نقوم بخلق خطر من الإسلام، فإن ذلك يؤدي بنا- بعد ذلك- إلى تحليل قوة الحركات للإسلام السياسي.

الديمقراطية والمعايير المزدوجة

إن المحللين الذين حذروا من الحركات الإسلامية بدعوى أنها يمكن أن تتخذ من الانتخابات الحرة فرصة لاختطاف الديمقراطية في بعض البلدان، قد فشلوا في التنبيه بأن عددًا محدودًا جدًا من حكام الشرق الأوسط هم في الواقع منتخبون بطريقة ديمقراطية، أو حتى قادرون على تحمل أي قدر ذي قيمة من المعارضة، سواء أكانت علمانية أو دينية. إن كثيرًا من المحللين يعلقون على حقيقة الحكام الذين يتكلمون عن الديمقراطية بشرط أن تكون «ديمقراطية بدون مخاطرة» بمعنى إطلاق الحرية السياسية ما دام ليس هناك خطر على فقدانهم لمناصبهم من معارضة قوية.

إن كثيرًا من المقالات تتكلم بصورة روتينية عن استعمال «الأصوليين» للعنف، وعن خطرهم على حقوق الإنسان والأقليات والنساء، وهذه النظرة تستمد شرعيتها من بعض التعديلات في مصر والسودان وإيران، ولكن نفس هؤلاء الكتاب نادرًا ما يؤكدون حقيقة أن شرعية واستقرار كثير من الحكام هي مؤمنة بقوى الجيش والأمن، وأن تعديات هؤلاء موثقة في سجلات منظمات حقوق الإنسان العالمية. إن القليل من هؤلاء من يتحدث عن حقوق الإسلاميين في ممارسة حقهم في العمل السياسي، أو يتحدث عن الانتهاكات المستمرة والمنظمة على حقوقهم في تلك الممارسة.

إن التركيز على الخطر العالمي من الأصولية الإسلامية، قد قوى الميل إلى مساواة العنف بالإسلام، وبالفشل من التمييز بين الاستعمال غير المشروع للدين كما في حالة بعض الأشخاص وبين الدين كعقيدة وكممارسة لمعظم المسلمين في العالم، الذين هم مثلهم مثل باقي المؤمنين بالأديان، يتوقون للعيش في سلام. إن الربط بين الإسلام والأصولية الإسلامية وبين التطرف هو في الواقع حكم على الإسلام من خلال أعمال أقلية من المسلمين المشاغبين، في الوقت الذي لا يطبق فيه نفس هذا المعيار على اليهودية أو النصرانية.

إن الخوف من الأصولية قد خلق جوًا أصبح فيه المسلمون والمنظمات الإسلامية في حالة إدانة ومطلوب منها أن تثبت براءتها. إن بعض الأفعال الشائنة أو المرفوضة التي تقوم بها مجموعة من الأشخاص أو المنظمات يتوجب عدم إلصاقها- بأي حال- بالإسلام، فبالرغم من أن سجلات التاريخ مليئة بممارسات المسيحيين والدول الغربية- على سبيل المثال- في أعمال الحرب وتنمية أسلحة الدمار الشامل وفرض نظام إمبريالي، إلا أن الإسلام والثقافة الإسلامية هي التي يتم تصويرها على أنها توسعية وأن الحرب والعنف هي شيء مفطورة عليه.

البديل الإسلامي والتحول المجتمعي

إن التطرف موجود وله أفعاله في العالم الإسلامي، كما يبدو من الأحداث الأخيرة في مصر، لكن لكي نفهم الآلية الحالية في الكثير من المجتمعات الإسلامية فإننا نحتاج للعديد من الدراسات التي تقدر المدى الذي حققته الصحوة الإسلامية في التسعينيات وإنجازاتها في بناء مؤسسات والاندماج بالجماهير في العديد من البلدان، فمن مصر إلى إندونيسيا هناك طيف عريض من المسلمين ذوي التعليم العالي، كما أن المؤسسات الإسلامية قائمة بالفعل ومكرسة لتكامل الإسلام مع الحياة العامة.

 إنهم يقدمون بديلًا اجتماعيًا وسياسيًا لقوى الحكم، مدارس ومستشفيات وعيادات طبية ومكاتب استشارات قانونية وبنوك ومطابع وأندية شبابية وأحزاب سياسية، وبالرغم من التقاء هذه الجماعات على التوجه الإسلامي العام، إلا أن هناك تباينًا في نوعيات القيادة وأساليب ولوائح العمل.

إننا في الغرب لا بد أن نتعلم من ماضينا، أن الخوف من الاتحاد السوفيتي قد أعمانا أحيانًا عن التنوع في فهم الشيوعية، وأدى بنا ذلك إلى مساندة أنظمة ديكتاتورية معادية للشيوعية، وأدت بالعالم الحر بأن يتقبل اضطهاد المعارضة الشيوعية والمخالفات الفاضحة لحقوق الإنسان من جانب حكومات نعتت مخالفيها بأنهم شيوعيون واشتراكيون!

 إن الخطر الحقيقي اليوم هو في أن خوفنا المبالغ فيه سيؤدي إلى معايير مزدوجة في محاولاتنا لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، قارن مثلًا بين حجم القلق في الغرب على حقوق الإنسان فيما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي وأوروبا عن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط أو بالدفاع عن مسلمي البوسنة.

إن العالم الإسلامي متنوع ويمر حاليًا بمرحلة التحول وإعادة التكوين، إن التركيز على دور الإسلام في الحياة العامة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي يتعارض كثيرًا مع افتراضاتنا العلمانية، ولكي نتفادى حالة الهستيريا التي أعقبت حادث التفجير في مجمع التجارة العالمي، ولكي نتفهم ونتعامل بطريقة صحيحة مع الإسلام السياسي، فلا بد لنا- في الغرب- أن نستوعب التنوع في أشكال الممارسة للإسلام سواء في العالم الإسلامي أو في الغرب.

انظر أيضا:

المسلمون قادمون.. الإسلاموفوبيا والتطرف والحرب الداخلية على الإسلام

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل