العنوان مغالطات في حديث السيد عبدالحليم خدام مع مجلة «أبيض وأسود» السورية
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004
مشاهدات 56
نشر في العدد 1619
نشر في الصفحة 42
الجمعة 24-سبتمبر-2004
حوار مع مسؤول سوري ( ١ من ۲)
الإصلاح التجديد التغيير، مصطلحات غطت الساحة السورية في السنوات الأربع الماضية، وقد تناولت موضوع المصطلحات كل وسائل الإعلام المكتوبة منها والمسموعة والمرئية محلية كانت أم خارجية، حتى إن المتلقي - من كثرة ما ترددت على سمعه وبصره كلمات التجديد والإصلاح في سورية - وقع في روعه أن التغيير فيها أصبح حقيقة واقعة، يكاد يمسكها بيديه، أو نشيدًا يترنم بعز كلماته كل مواطن، بعد أن غمرته سعادة الإصلاح الذي ملأ رنين كلماته أفق البلاد ضجيجا ونفخا، وراح طوفانه يضع المتأملين في سكك الانتظار وفوق صراط الضمير يستمعون وعودا، ولا يرون إلا السراب، حتى إذا جاؤوا وجدوا عنده ما قاله نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام في مقابلة له مع مجلة أبيض وأسود، الأسبوعية التي يملكها ، بلاد تركماني ابن وزير الدفاع السوري «حسن تركماني».
الشعب السوري بعد طول فصام نكد بينه وبين المتنفذين في حكم الأقلية الحزبية السلطوية راح يدندن بمعلقة الحوار للوصول إلى تفكيك الحواجز، ومن ثم بناء الجسور بين مختلف تياراته العتيدة وذلك من أجل رسم المستقبل الذي بدت الخطا نحوه - في ظل اضمحلال العمل السياسي والاجتماعي منذ أربعة عقود ونيف- قلقة غير واثقة، بل وغير واضحة الرؤى، وهي لا تزال تراوح في المكان والزمان نفسهما، ولم تغادر السيرة التي ابتدأت بها، وجاست خلال دارهما خطوات قادة الانقلابات المتتابعة من مارس ١٩٦٣ وحتى ۱۹۷۰م، مرورًا بانقلاب فبراير ١٩٦٦، نقول : لم تغادر الخطا تلك السيرة -إلا قليلًا- حيث بدأت الأقدام تنتقل بلا رؤية ولا مشروع للإصلاح مدجج بأجندات زمنية وطاقات راغبة وقادرة على الانتقال، بل يتم هذا الانتقال بالخطا عشوائيًا، تحدوه الضغوط من جهة، ومحاولة التشبث بالبقاء ثانيًا، وترسمه جملة غير منسجمة المعاني، قالوها منذ أربع سنوات وهي: «التطوير مع الاستمرار».
الحوار الوطني: وهذا الحوار الوطني المطلوب حراكًا، والمطلوب شعبيًا، علته سنابك كلمات «خدام» في مجلة أبيض وأسود، حيث أدار الحديث عن الموضوع بالطريقة الفلسفية الجدلية التي يتبعها المسؤولون السوريون هذه الأيام، عندما يريدون تمييع أية قضية، فهو يقول في هذا السياق وجوابًا على سؤال عن الحوار الوطني الذي تطالب به القوى الوطنية السورية بجميع تياراتها وتوجهاتها: «يجب التمييز بين الحوار الوطني والحوار السياسي يكون الحوار الوطني في بلد تتهدد وحدتها الوطنية إما بالانقسام أو بحرب أهلية أو في ظل حرب أهلية، كالحوارات الوطنية التي جرت في لبنان، وكان آخرها مؤتمر الطائفية وأعتقد جازمًا أن جميع السوريين متمسكون بوحدتهم الوطنية، وليس هناك خلاف أو انقسام وطني، أما الحوار السياسي فيكون بي قوى سياسة أو شخصيات سياسية للاتفاق على برنامج سياسي يعملون على تنفيذه
وأضاف: «إن حزب البعث لم يغلق الباب أمام أي جهة تتقدم معه بما يخدم مصلحة البلاد وفي إطار المسلمات الوطنية الأساسية التي تبناها الحزب».
المدهش في هذه الديباجة التي قدمها نائب الرئيس للسوريين، في هذه الأيام ذات الهبات ساخنة الآمال بالإصلاح أن لهجتها وإن جاءت بنبرة دبلوماسية رقيقة، إلا أنها في الحقيقة تشبه إلى حد كبير قولة طلاس في تصريح له غير بعيد زمنيًا، إذ قال بما معناه: لقد جاء البعث على دبابة «الروح فوق الكف» ولن يسلم الأمر للآخر تبرعًا، وهي جملة شبيهة أيضًا بما رواه من قبل: «ذياب» الذي سمى نفسه محامي الشيطان مرة، إذ قال: «إن الحزب جاء على دبابة ومن فوهة البندقية».
أقلية الحكم المذعورة
وقولنا على قول نائب الرئيس «عبد الحليم خدام» هو ما يقوله الشعب السوري المبتعد منذ عقود طويلة عن ديباجات السياسة الانفرادية وعن هواجس أقلية الحكم المذعورة أبدًا من المشاركة الشعبية الحقيقية، والشعب هذه الأيام يدندن على قيثارة قول الشاعر: يا راحلًا عني هل تدنو مني؟!
وكأن نائب الرئيس في حديثه هذا للمجلة السورية يجلس على رصيف مقهى دمشقي يدخن الشيشة، ويسلي نفسه بمونولوج داخلي، يوجهه إلى شعب يكتوي بنار التهميش والإبعاد والتجويع منذ أربعين عامًا، وإلا فما معنى هذا التفريق بين حوار وطني وحوار سياسي، الحوار الوطني يكون في بلد تتهدد وحدتها الوطنية إما بالانقسام أو بحرب أهلية أو في ظل حرب أهلية، والحوار السياسي يكون بين قوى سياسية أو شخصيات سياسية للاتفاق على برنامج سياسي يعملون على تنفيذه؟ ليس عندي تفسير لهذا الكلام إلا أن أردد مع الشاعر:
كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء».
احتكار السلطة
إن الذين يطالبون بالحوار الوطني وجلوس جميع فئات المجتمع السوري بلا استثناء ولا إقصاء على مائدة واحدة للحوار، إنما يقصدون من ذلك الوصول إلى صيغة وطنية للعمل السياسي في سورية، تتجاوز الاحتكار المزمن للسلطة والهيمنة على الدولة والمجتمع، ذلك الاحتكار الذي قاد البلاد والعباد في سورية إلى تعطيل الحياة السياسية، وإلى تفشي الفساد وإلى تردي الاقتصاد والحالة المعيشية للناس، وإلى ظهور الشروخ والانفصام النكد بين السلطة ومجموع الشعب السوري، وإلى وقوع الحرب الأهلية أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات على خلفية التفرد والإقصاء وسياسة القمع والقتل ومحاربة المعارضين بلقمة العيش والاعتقال العشوائي والتعذيب حتى الموت، تلك الحرب التي يدعي المسؤولون السوريون أنها كانت منهم حربًا على الإرهاب، وهو ادعاء لا تخدمه الوقائع على الأرض، ولا تسعفه ممارسات السلطة، بهدم المدن وقتل الناس أحياء، وتخريب حياتهم، وهدم بيوتهم، وتشريد مئات الآلاف منهم، واعتقال كل أعضاء النقابات المهنية وكل صاحب رأي رفض تأييد سلطة الأقلية، في مضيها باتجاه الإبادة الجماعية والبطش الوحشي بكل متحرك على الساحة السورية.
نعم، نحن لا نحب فتح سجلات الماضي، ولكن الشجون التي يثيرها حديث نائب الرئيس خدام هي التي تدفع بهذا الاتجاه، وإلا فإن عيوننا اليوم ترنو إلى المستقبل بلا هوادة، ليس نسيانًا لما حدث، ولكن بعد أن تسوى وتعالج كل الأسباب والإرهاصات والملفات التي أدت إلى كل ما يعانيه المجتمع السوري والوطن السوري من ركود وتقوقع وتأخر عن ركب العالم، وحتى عن مستوى الدول الشقيقة التي لا تمتلك ما يمتلكه شعبنا ووطننا من إمكانات ومهارات، وقد اعترف خدام في حديثه ببعض هذه المعاناة وأهمل الكثير منها إذ قال: «نجد الهوة عميقة بين الحدود الدنيا لاحتياجات المواطن وبين موارده، وكذلك الهوة عميقة بين الحدود الدنيا لاحتياجات البلاد ومواردها»، واعترف أيضًا بأن تطبيق الاشتراكية في سورية كان جمودًا زاد الفقر انتشارًا والدولة ضعفًا ووسع الهوة بيننا وبين العدو المتربص وبيننا وبين الدول الشقيقة ودول العالم كله.
إفقار الشعب: وغض الطرف عما فعله الانفراد بالسلطة من قبل الأقلية الحزبية الفئوية من فصام مر ومن فساد، ومن إهدار لطاقات الناس وإمكاناتهم البشرية والمالية فضلًا عن ذلك الفساد الأخلاقي الذي نشر النفاق على نطاق واسع، وحول الوطن إلى مزرعة لا يمكن أن يستفيد من ثمرها إلا كل متسلق مبتغ إغناء جيبه وحسابه وإقفار الشعب والوطن، وليكن بعد ذلك الطوفان ولتبق شرائح الشباب العريضة عاطلة عن العمل، ولتبحث الطاقات عن مجال لها خارج البلاد، ولتكن الهجرة القسرية أو الاختيارية وليفرغ الوطن من كل الفاعليات، وليزحف المواطن على بطنه، وليظل في مآل الأمر متأدبًا -خوفًا وطمعًا- مع أولي الأمر!
أبعد هذا الحال الذي وصلنا إليه حتي لم يعد أحد قادرًا على تغطية الكارثة بغربال ترقيعات هنا، ورقيات سياسية قاصرة هناك، أبعد هذا الحال، وبعد نذر الاحتمالات القوية للتدخلات الخارجية التي تهدد الوطن والشعب والدولة في سورية، يأتي نائب الرئيس ليقول: الحوار الوطني مرفوض، لأن الوطن غير مهدد بوحدته، والحوار السياسي مقبول ولكن في إطار المسلمات الوطنية الأساسية التي تبناها الحزب؟! «كأنك يا أبو زيد ما غزيت» «وفي مكانك راوح».
استولوا على الحكم بدبابة:
أبعد كل الصيحات التي جابت الآفاق من كل شرائح الشعب السوري، والتي أفهمت العالم: أن القضية الأساسية للشعب السوري تتلخص في أن أقلية حزبية صعد ضباطها دبابة، واستولوا على السلطة، واحتكروا بعد ذلك الرأي والفهم والمشورة والمال والاقتصاد والنفوذ الوطنية، وقادوا البلاد بهذا الاحتكار إلى الكارثة التي تنذر بأعتى العواقب للجميع أفبعد كل هذا نجد نائب رئيس الجمهورية يقف في مكانه الذي بدأ منه حياته السياسية منذ ثلاثة عقود ونيف، لا يتزحزح ولا يعتقد أن المنفذ الوحيد والمنجى المتبقي الذي لا يمكن تجاوز الكارثة بدونه هو العودة بالوطن والشعب والدولة إلى الوضع الطبيعي المتمثل في المشاركة الكاملة على طاولة واحدة في صنع مستقبل سورية من قبل جميع أبناء سورية بلا استثناء ولا إقصاء ولا استحواذ، ولا إطار المسلمات وطنية إلا ما يتفق عليه الجميع؛ لأن الوطن للجميع، وليس لأحد كائنًا من كان أن يفكر بعد اليوم بلحظة احتكار.