العنوان قراءة في فكر أنور إبراهيم نهضة آسيا.. وعثرات الاستبداد الشرقي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1999
مشاهدات 121
نشر في العدد 1342
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 16-مارس-1999
- نهضتنا تعني إعادة تأهيل حضاري شامل للقارة حتى تستعيد ثقتها بنفسها وحينئذٍ تكون لديها القدرة على التعلم من حضارة الغرب والإضافة إليها
- ليس أخطر على النهضة من عثرات الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والفساد المالي والأخلاقي
- القاهرة: المجتمع
في سنة 1996م صدر كتاب للدكتور أنور إبراهيم –نائب رئيس الوزراء- ووزير المالية الماليزي السابق – بعنوان «النهضة الآسيوية» the Asian Renaissance، وقد تناول فيه عددًا من قضايا ومشكلات البلدان الواقعة في جنوب شرق القارة الآسيوية، وبخاصة تلك التي خطت خطوات واسعة على طريق الازدهار الاقتصادي، وحققت قدرًا لا بأس به من الاستقرار السياسي خلال الربع الأخير من هذا القرن العشرين.
وفي هذا الكتاب دافع الدكتور أنور إبراهيم عن وجهة النظر التي تقول بوجوب وجود علاقة عضوية بين الأبعاد الاقتصادية، وبين الأبعاد الأخلاقية، والاجتماعية لعملية التنمية أو التقدم، أو ما يُشار إليه في الخطاب السياسي والثقافي الإسلامي باسم «النهضة» وقد دعم وجهة نظره بعديد من الحجج والبراهين، مؤكدًا أن افتراض عزل الجوانب الاقتصادية عن غيرها -وبخاصة السياسية والأخلاقية والاجتماعية- أمر لا أصل له في التراث الآسيوي.
وبعد مرور أقل من عامين على صدور كتابه المذكور، دخل أنور إبراهيم في محنة تقليدية من محن الاستبداد، بدأت بإقالته من الوزارة واعتقاله، ثم تقديمه للمحاكمة، ولم تنته بعد – وهذه المحنة في جملتها- من وجهة نظرنا عبارة عن الرد العملي من جانب الباقين في السلطة على كثير من الأفكار والآراء التي آمن بها، ودعا إليها، ودافع عنها، وسجلها في كتاباته وأبحاثه، ومنها كتابه الذي أشرنا إليه آنفًا.
ولسنا هنا بصدد التعرض لمجريات المحاكمة ولا لجوانبها القانونية، فقط سنحاول أن نتفهم خلفياتها الفكرية والسياسية العامة، وذلك عبر قراءة فكر «المتهم».
وسنبحث أيضًا عن الصلة بين ما قاله وما حدث له، ونتأمل في العلاقة بين دوره كسياسي وصل إلى مناصب رفيعة في السلطة، ودوره كمفكر وصاحب نظرية في الإصلاح الاجتماعي والسياسي، والتطلع لتحقيق «النهضة» بشكل عام.
مفهوم النهضة الآسيوية:
يكشف المفهوم الذي قدمه أنور إبراهيم للمقصود بالنهضة الآسيوية عن امتلاكه رؤية واضحة، وانطلاقة من خلفية فلسفية عميقة، واتجاهه نحو آفاق إنسانية رحبة، ففي رأيه أن «نهضة آسيا» تعني: «إحياء الآداب والعلوم وتحديثها أسس مستمدة من القيم الأخلاقية الراسخة، والمبادئ الدينية القوية، وتعني في الوقت نفسه إعادة الانبعاث الثقافي المحكوم بازدهار الفن والأدب والعمارة، وتحقيق إنجازات علمية وتكنولوجية»، وبعبارة أخرى فإن نهضة أسيا – في فكر أنور إبراهيم- تعني إعادة تأهيل حضاري شامل للقارة الآسيوية حتى تستعيد ثقتها بنفسها، وحينئذ تكون لديها القدرة على التعلم من حضارة الغرب والإضافة إليها في الوقت ذاته، وفي هذا الإطار فإن الازدهار الاقتصادي ليس سوى جانب واحد من جوانب صحوة آسيا.
إن حجر الأساس في «نهضة آسيا» من المنظور الاجتماعي – حسب رأي أنور إبراهيم- هو الإنسان الآسيوي المتدين، وأن النواة الفلسفية الصلبة لتلك النهضة هي المحافظة على الكرامة الإنسانية، والإقرار بالتعددية، والانفتاح على العالم، والتعلم من تجارب الأمم، والحلم المستمر بحياة أفضل للبشرية كلها وبلا أنانية.
ويقارن أنور إبراهيم بين الأسس المعرفية التي قامت عليها النهضة الأوروبية الحديثة وبين أسس النهضة الآسيوية، ويخلص إلى أن الفارق الجوهري بين النهضتين هو أن نهضة آسيا تقوم على أسس معرفية وأخلاقية مستمدة من الدين والتراث العريق للشعوب الآسيوية، والسبب في ذلك أن الإنسان الآسيوي هو من صميم قلبه إنسان متدين –على عكس إنسان الحضارة الغربية- ولهذا فإن إحياء الإيمان، والتأكيد على التعددية الدينية والثقافية هما من أهم مكونات النهضة الآسيوية المعاصرة.
إن «نهضة آسيا» طبقًا لرؤية إبراهيم- ذات أساس معرفي وفلسفي متكامل، وقوام هذا الأساس من الناحية الواقعية أن المجتمعات الآسيوية مترعة بالإيمان والحب: حب التعلم والمعرفة، وحب العدالة والرحمة، وحب التسامح والاحترام المتبادل، وحب الحرية مع المسؤولية، وفي ضوء هذا الإطار النظري -المركب- يمكننا قراءة أفكار أنور إبراهيم وتصوراته حول دعائم «النهضة الآسيوية»، وفي القلب منها «المجتمع المدني» في منظوره الآسيوي، والربط بين السياسة والاقتصاد وبين «الأخلاق»، وتحديد وجهة «نهضة آسيا» بين الشرق والغرب والموقف من صدام الحضارات الذي يتحدثون عنه، ثم ما ملامح المستقبل المنشود في ظل تلك النهضة الآسيوية.
نهضة «المجتمع المدني» الآسيوي:
يرى أنور إبراهيم أن وجود «مجتمع مدني» قوي هو أساس لا غنى عنه لعملية البناء الحضاري الشامل، وذلك من حيث إن جوهر هذا البناء هو أن يكون الناس أكثر وعيًا بحقوقهم، وأكثر شجاعة في الدفاع عن حرياتهم الأساسية، وأكثر إخلاصًا في أداء واجباتهم، وتلك -كلها- أمور ضرورية لنهضة المجتمع المدني، وتطوره حضاريًّا في الوقت نفسه.
ويركز أنور إبراهيم على «الرؤية الأسيوية» للمقصود بالمجتمع المدني، ويؤكد أن المفهوم الأسيوي له يختلف في مسألة أساسية عن مفهومه الغربي المشتق من فلسفة التنوير، فبينما الدين والمجتمع المدني ضدان لا يجتمعان في التصور الغربي، نجد أن الدين هو النواة الصلبة للمجتمع المدني الآسيوي بكل تجلياته وفاعلياته الاجتماعية والثقافية والسياسية، يقول: «إن المجتمع المدني الذي نرنو إليه هو مجتمع مؤسس على المبادئ والأخلاق الرفيعة، القانون، والإقرار بالتنوع والتعددية الثقافية، وفي هذا المجتمع تنمو المؤسسات لسد حاجات المواطنين وليس لممارسة القهر عليهم».
وإلى جانب ذلك – حسب رأيه - فإنه لا بد من تنقية التقاليد الآسيوية الموروثة من كل عوامل التأخر"، وفي مقدمتها الطغيان والاضطهاد وكافة أشكال الاستبداد والاستغلال الاجتماعي.
ولكن ما القيم الأساسية التي تشكل ملامح المجتمع المدني الآسيوي الناهض؟
إن أنور إبراهيم يعتقد أن ثمة منظومة متماسكة من القيم هي التي تميز المجتمع المدني الآسيوي، وقاعدة هذه المنظومة هي «الكرامة الإنسانية»، ولا ضمان للكرامة إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي، ولا معنى للديمقراطية إلا إذا اقترنت بتوسيع الحريات العامة والفردية، ونشر التطور، والارتقاء بمستويات المعيشة، والعدالة في توزيع الثروة، والمحاسبية في مستويات المسؤولية المختلفة، وللوصول إلى مجتمع مدني قوي، فإنه لا بد من وجود اقتصاد مزدهر ومتطور، وهذا بدوره يتطلب تحقيق الاستقرار على المستويين الاجتماعي والسياسي، ولن يمكن تحقيق الاستقرار على أي من هذين المستويين في ظل الفقر وشيوع المظالم، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
إن «الكرامة الإنسانية» يجب تطويرها في المجتمع لمدني عبر مبدأ «العدالة» وإن من أهم العلاقات المميزة للمجتمع المدني الناهض قدرته على إرساء مؤسسات قضائية لحماية الحقوق المدنية وصيانة حريات المواطنين، كما أنه لا يوجد قانون بلا عدالة، فإنه لا توجد عدالة بدون حكم القانون، وهذا المفهوم ينطوي على ثلاثة مبادئ رئيسية هي:
1- أولوية وجود القانون المنظم؛ حتى لا تكون للحكومة سلطة مطلقة على المواطن.
2- أن يكون المواطنون سواسية أمام القانون.
3- أن تكون حقوق المواطنين وحرياتهم مكفولة في القوانين العادية، وليست في الإعلانات الدستورية التي عادة ما تأخذ طابعًا مؤقتًا.
وإذا كانت «العدالة» هي القلب النابض للمجتمع المدني الناهض –كما يتصوره أنور إبراهيم ويدعو إليه- فإن الخطر المحدث بهذا القلب –في رأيه- هو عدم القدرة على تطوير المؤسسة القضائية؛ بحيث تكون قادرة على فرض حكم القانون بطريقة عادلة؛ إذ لا يكفي أن يكون القانون عادلًا في حد ذاته، بل لا بد من أن يطبق بعدالة أيضًا، «فليس هناك أسوأ من تطبيق القوانين العادلة بطريقة ظالمة».
ويوجه أنور إبراهيم نقدًا لاذعًا لبلدان شرق آسيا لكونها لم تحقق الارتقاء بمؤسساتها القضائية بالقدر الذي ارتقت فيه بأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، ويشير بصفة خاصة إلى سيطرة الشركات الاقتصادية العملاقة – المتعددة الجنسية- وقدرتها في التأثير على القضاة مراعاة لمصالحها، الأمر الذي يجعل العدالة في تلك البلدان - ومنها بلدة ماليزيا- وهمًا، وشعارًا مزيفًا يستحيل تحقيقه، وعلى القضاة –في ظل هذا الوضع- أن يمارسوا سلطاتهم القضائية وفقًا لحكم القانون وليس لحكم الفرد مهما كانت سلطته، أو مكانته أو نفوذه في المجتمع.
عثرات النهضة: الاستبداد والظلم والفساد:
ليس أخطر على أي محاولة للنهضة من عثرات الاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، والفساد المالي والأخلاقي، ذلك هو الثالوث الذي يسهب أنور إبراهيم في التحذير منه، وفي فضح آلياته وأساليب عمله المعلنة والخفية، وهو يؤكد أن «الاستبداد» و«الظلم» و«الفساد» حلقات مترابطة، ويؤدي أولها إلى آخرها، ويقود آخرها إلى أولها، ومن ثم فلا مناص من التصدي لها بلا هوادة، ولا بد من محاصرة هذا الثالوث من كل ناحية.
يدرك أنور إبراهيم أن للاستبداد جذورًا تاريخيةً، كما أن له خلفيات اجتماعية واقتصادية لا تزال قائمةً في الواقع، وهي تساعد على بقائه واستمراره، ولكنه يركز بصفة خاصة على أن الثقافة الآسيوية الأصيلة تدعو إلى محاربته وعدم الاستسلام له، ويشير في هذا السياق إلى أعمال كبار مفكري آسيا وفلاسفتها القدماء والمعاصرين على حد سواء، وهو يعتقد أن الديمقراطية هي دواء الاستبداد، وأن القول: إن الشعب غير مؤهل لممارسة الديمقراطية هو كمن يقول للطفل: إنك لا تستطيع الذهاب للمدرسة لأنك جاهل.
إن الديمقراطية - التي يجب أن تكون نقية مما يخالف عقائدنا وقيمنا وأخلاقياتنا- توفر مناخًا ملائمًا لممارسة الحريات الفردية والجماعية، وتلجم نزوات الاستبداد، وتساعد المجتمع على أن يعمه السلام والتسامح والاحترام المتبادل بين الجماعات والطوائف المختلفة.
والظلم – حسب رأي أنور إبراهيم أيضًا- هو نفي لكل شيء جميل في الحياة، هو نفي للعدالة، للحرية، وللكرامة الإنسانية، وهو مرتع للبغاة، سواء كانوا حكامًا أو كانوا من المحكومين.
وفي مجتمع النهضة ليس من المقبول أن يشعر أي فرد، أو أن تشعر أي جماعة أو فئة أو أقلية بالظلم أو القهر أو الإقصاء، تحت أي ذريعة من الذرائع، ويجب أن تكون المؤسسات والممارسات والأفكار كافة موظفة من أجل تجنب المظالم وإرساء أسس العدالة والمساواة، والفرص المتكافئة، وهو يؤكد كذلك على ضرورة توظيف إنجازات التقدم الاقتصادي في محاربة الفقر والقهر والتهميش الاجتماعي، الذي تعاني منه فئات كثيرة من الأطفال والنساء والعمال؛ إذ لا يعقل أن يقترن التقدم الاقتصادي بوجود 170 مليون نسمة في بلدان شرق آسيا يعيشون تحت خط الفقر، و100 مليون صبي وفتاة محرومين من التعليم، وثلث أطفال تلك البلدان ممن هم دون الخامسة يعانون من سوء التغذية، بينما يموت حوالي مليون طفل دون سن الخامسة حسب إحصاءات سنة 1990م.
أما بالنسبة للفساد، فقد أكد أنور إبراهيم أنه أخطر العقبات الي تعرقل مسيرة النهضة، من حيث إنه يوفر الأرضية الملائمة للاستبداد وللظلم معًا، وفي رأيه أن الفساد يكون في الإدارة، وفي الضمير، وفي الأخلاق، ويكون فرديًّا، وجماعيًّا، ومؤسسيًّا، وإن أي محاولة للتسامح مع الفساد بزعم أنه «شر لا بد منه» يجب رفضها رفضًا حازمًا، ويرى أنه لا عذر للتقاعس عن اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الفساد بالقانون، وبالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وأنه يجب تقديم المسؤولين الأساسيين عن الفساد للتحقيق والمحاكمة أمام قضاء يتمتع بالشجاعة والنزاهة.
وفي رأيه أن رغد العيش الذي تحقق – بشكل نسبي - بفضل النمو الاقتصادي في بلدان جنوب وشرق آسيا يجب ألا يصرف عن الصعود الموازي للفساد، وما يصاحب الفساد عادةً من انتشار للرشوة، والشح، وسوء استخدام الوظيفة العامة، والانحراف في ممارسة السلطة.
وبهذا الموقف الواضح الحاسم من الفساد فتح أنور إبراهيم أبواب العداوة والحرب ضده من قبل خصومه الداخليين والخارجيين في آن واحد، إلى الحد الذي وصل إلى تقديمه هو شخصيًّا للمحاكمة – ويا للمفارقة- بتهم «الفساد» الذي طالما دعا إلى محاربته والقضاء عليه وإزالته من طريق النهضة!
المستقبل.. إلى أين:
يحتل التفكير في المستقبل قسمًا أساسيًّا من رؤية أنور إبراهيم، ونجده على هذا المستوى من التفكير يركز على مستقبل آسيا ونهضتها الصاعدة من جهة، كما يركز على «علاقات آسيا» بالعالم الذي تعيش في إطاره من جهة ثانية، ويهتم كذلك بمستقبل «الأمة الإسلامية» وما يجب أن تكون عليه في القرن الجديد.
يقول: «إن ما نراه لآسيا في القرن المقبل هو أنها ستكون مشاركًا رئيسيًّا في تطور الحضارة الإنسانية، وإن أهم ما يمكنها الإسهام به هو إرساء مبادئ التسامح مع الآخرين، والرحمة بالضعفاء، والمحرومين، واحترام قدسية الأسرة كلبنة مكينة في بناء صرح الحياة الإنسانية الراقية»، وضمن هذا التصور فإن آسيا يمكنها أن تقدم للعالم إنتاجها الثقافي المتميز الذي يبرز خصوصيتها، ويحد - في الوقت نفسه- من التأثير السلبي للعولمة التي تمارسها القوى الغربية المهيمنة حاليًا.
وفي رأيه أنه كلما تسارعت خطى اليقظة الآسيوية في طريقها الصحيح، فإن كُلًّا من الشرق والغرب سوف يلتقيان في حوارات ثقافية مثمرة، ويدركان عالمية المجتمع الإنساني بشكل أفضل، وبكلمات طاغور يقول: «دع ضوء الصباح يعرفنا على بعضنا البعض»، ومن ثّمَّ فهو لا يوافق الآراء التي تتوقع «صدام الحضارات»، ويؤكد أن النظام العالمي الجديد يجب أن يتجذر أولًا وقبل كل شيء في حقيقة «الجماعية» والاعتراف بتعددية الثقافة العالمية، وإبادة الاخلاق إلى السياسة والاقتصاد، أما محاولة صياغة نظام عالمي على أساس القوة أو العظمة فمعناه سحق الضعيف لمصلحة القوي، ومعناه استمرار عذاب الإنسانية إلى ما لا نهاية.
إن على آسيا – من منظور المستقبل وفقًا لأنور إبراهيم - ألا تنظر للعالم فقط من منظور علاقات القوة، وعلى مجتمع الأطلنطي، وقوى الغرب عامة، ألا تنظر إلى آسيا على أنها منافس لها، أو أنها عقبة في سبيل طموحات الغرب الرامية للسيطرة العالمية، وبدلًا من ذلك يجب أن يسود الشعور بوحدة المصير الإنساني «وفي منتصف القرن القادم سيكون هذا الشعور أكثر عمقًا وأكثر انتشارًا».
ويرى أن مستقبل الأمة الإسلامية في العالم الجديد سوف يتحدد -أساسًا- بالتفكير السليم، والتخطيط الجيد، والإنجازات الملموسة، وليس بالصياغات البلاغية المنمقة، أو بالتطلعات المجردة المحلقة في سماء المثاليات، إن على المسلمين أن يستجيبوا لدعوة اعلم والمعرفة لتمكينهم من التقدم، فالعلم هو الذي مكن أوروبا من السيطرة على العالم الإسلامي وإذلاله ونهب ثرواته.
إن المعرفة هي أعظم لذة، والجهل هو أفدح ألم، وفي المستقبل يجب أن يحكم العقل القلب، حتى يمكننا أن نرى الأشياء من منظور عملي، ونضع أولوياتنا بطريقة سليمة.
أزمة العلاقة بين المفكر والسياسي:
تلك كانت قراءة موجزةً في فكر الدكتور أنور إبراهيم، الذي يعاني محنة السجن والمحاكمة بعد أن كان الرجل الثاني في حكومة بلاده، وربما كان هو نفسه يعلم أن من الحقائق المؤلمة في تاريخ الإنسانية أن «السياسة» عالم بلا أخلاق، هي عالم تحكمه القوة، وتقوده المصلحة إلى حيث السلطة والمال والنفوذ، وربما يعلم أيضًا – وهو رجل الفكر والسياسة معًا - أنه في عالم السياسة كل شيء ممكن: الصعود إلى القمة، والسقوط إلى الهاوية، ويتجاور فيه التصرف بنبالة مع سلوك مسالك النذالة، وفيها تختلط النزاهة بالفساد، ويرتع في ساحتها الاستبداد متدثرًا برداء الحريات.
ومن المعضلات الأزلية في عالم السياسة معضلة الانفصام بين المفكر والسياسي، أو بين رجل التنظير ورجل التطبيق: فالأول يبحث عن صواب الفكرة ونقاء الرؤية، والثاني همه الأساسي العمل وإدراك مشكلات الواقع وممارسة سلطة الأمر والنهي، وبرغم أن كلًّا من المفكر والسياسي لا غنى لأحدهما عن الآخر، إلا أن وقائع التاريخ وتجارب الأمم قد أثبتت – ولا تزال تثبت - أنهما يظلان شخصين منفصلين، يخشى كل منهما الآخر ويعمل له ألف حساب، وعلى مدار التاريخ مات مقتولًا –معنويًّا أو ماديًّا- كُل من حاول أن يكون مفكرًا وسياسيًّا في آن واحد، وفي هذا السياق نفهم ما آلت إليه العلاقة بين محاضير محمد –رئيس وزراء ماليزيا- وأنور إبراهيم –نائبه الأول ووزير ماليته سابقًا- ففيها عبرة لمن يعتبر من دروس التاريخ.
لقد صعد أنور إبراهيم بفكره المتفتح إلى قمة هرم السلطة في بلاده قبل أن ينقلب عليه رجل السياسة المخضرم ويحيله إلى المحاكمة، ولكنه كان قد اختار طريقه وحزم أمره، ونذر نفسه للدفاع عما يؤمن به يقول: «لم أندم على أنني لم أسلك الطريق الآمن، لأن الذي سلكته قادني إلى الانخراط في غمار الحياة العامة، وفي هذا المجال سوف أظل نشطًا، ومشاركًا بكل ما أوتيت من قوة في سبيل إدراك المثل العليا للحياة».