العنوان معاني الحج التي غابت عن المسلمين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1995
مشاهدات 82
نشر في العدد 1149
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 09-مايو-1995
يأتي يوم الحج الأكبر فيعيد للنفس
المسلمة تلك المعاني الجميلة التي سعى رسول الله ﷺ لترسيخها في حياة الجماعة
المسلمة الأولى وهو يحج بهم حجة الوداع، تلك الحجة التي تضمنت تصحيحًا لتصورات
المسلمين وترسيخًا لمعتقداتهم، ومراجعة شاملة لمشاعرهم التعبدية، وروابطهم بخالق
الكون سبحانه وتعالي، ولم تكن وصايا الرسول ﷺ للمسلمين في حجة الوداع وصايا مناسبة
ترتبط بوقت من الأوقات، أو خطابًا لجماعة محدودة من الناس، وإنما كانت وصايا خالدة
للأمة على مدار أيامها ونبراسًا لأجيال المسلمين المتلاحقة لتصحح به مسارها كلما
حادت عن الطريق، أو ابتعدت عن الصواب، أو أدركها يوم الحج في كل عام.
لقد كانت عيون وقلوب ومشاعر تسعين
ألف مسلم- هم من صاحبوا رسول الله ﷺ في حجة الوداع- متعلقة بحركاته وسكناته -صلى
الله عليه وسلم- كل منهم يتبع هداه ويأتم به، ويعمل بعمله، ويأخذ منه مناسكه،
وحينما وقف ﷺ بعرفة خطب الناس خطبته البليغة الجامعة فأخذ بمجامع القلوب والألباب،
وقال: «أيها الناس.. إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم
هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية
موضوعة، وإن أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث- كان مسترضعًا في بني
سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه، ربانا ربًا العباس بن عبد
المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله،
واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكن عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن
ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم
ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء
وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد (ثلاث مرات)».
وكان ﷺ أرأف الناس بالمسلمين، فلم
يشق على أحد منهم، فكان يهل المهل، ويكبر المكبر، فلا ينكر على هذا، ولا يمنع ذاك،
يقول عبدالله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- في الحديث الذي رواه مسلم في
صحيحه: «سمعت رسول الله ﷺ وقد أتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة، فقال: «يا
رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي، قال: «ارم ولا حرج»، وأتاه آخر فقال: «إني ذبحت
قبل أن أرمي»، قال: «ارم ولا حرج» وأتاه آخر فقال: «إني أفضت إلى البيت قبل أن
أرمي» قال: «ارم ولا حرج»، قال: فما رأيته سئل يومئذ عن شيء إلا قال: «افعلوا ولا
حرج».
ومع تعلق العيون والقلوب به ﷺ
فكان يقول للناس: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه».
إن هذه المعاني التي سعى رسول
الله ﷺ لترسيخها في حياة الجماعة المسلمة الأولى بحاجة إلى أن يعاد النظر فيها
دائمًا ومن جديد، حتى تستطيع الأمة أن تدرك واقعها المأساوي وتوقن أن غياب هذه
المعاني عنها هو الذي أبعدها عن مصاف القيادة وتوجيه الخلق وسيادة الأمم.
إن الحج يأتي كل عام ليستعيد فيه المسلمون هذه المعاني التي غابت عنهم، وهذه الحقائق التي انصرفوا عنها، ويوم يستطيعون إدراك هذه المعاني وتحقيقها في نفوسهم، فإن هذا سيكون البداية إلى طريق العزة وتحقيق النصر ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِۚ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: 4-5).