; بلا حدود: في يوم الحج الأكبر | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود: في يوم الحج الأكبر

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1996

مشاهدات 100

نشر في العدد 1199

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 14-مايو-1996

كانت الشمس تميل نحو المغيب حينما كنت أقف على إحدى التلال في عرفات أرقب الحجيج في يوم عرفة، وقد اعتلى كثير منهم معظم التلال القريبة يرددون ما ردده أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ومن تبعه من المسلمين: «لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك.

دعاء ينزع الإنسان من كل جوانب الأرض، وحقائق المادة إلى الذوبان الكامل والخضوع التام لخالق الكون جل وعلا. 

فالحج من بدايته إلى نهايته يدور في إطار دعوة إبراهيم عليه السلام وامتثاله الكامل والتام لأمر ربه ابتداء من هجرته مع زوجته وابنه إسماعيل، ومرورًا بسعي هاجر بين الصفا والمروة، وتفجر زمزم، وبناء البيت، وامتثاله عليه السلام للوحي بذبح ولده، ورجمه للشيطان، ثم رحمة ربه له وفديته لإسماعيل بذبح عظيم، هذا الامتثال الذي إن غاب عن الحاج غابت عنه معظم معاني الحج ومقاصده، وغاب عنه معنى التلبية والخضوع التام للخالق سبحانه، وغاب عنه معنى الطواف والسعي والوقوف بعرفة، والمبيت في مزدلفة، والإقامة في منى ورجم الشيطان.

هذا الامتثال رأيته في وجوه كثيرة، لا سيما تلك الوجوه التي قطعت الفيافي والمحيطات والأودية والجبال والوهاد والشعاب ومكثت أيامًا وأسابيع في الطريق بين بلادها وبين مكة المكرمة، حتى جاءت تؤدي فرض ربها وتمتثل لخالقها، كما أمتثل أبو الأنبياء إبراهيم من قبل دون سؤال أو جدال أو مناقشة أو انفعال، وعلى خطى أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام سار رسول الله والصحابة من حوله في حجة الوداع يأخذون عنه مناسكهم، يطوفون حيث طاف، ويسعون حيث سعى، ويقفون حيث وقف، ويمشون حيث مشي، ويقيمون حيث أقام، ويرمون حيث رمى، وسار المسلمون بعد رسول الله له عبر القرون ينهجون نهجه ويسيرون على خطاه كل منهم يلتمس رضا ربه، ويأمل أن يعود من الحج كيوم ولدته أمه.

وبين الحجيج صادفت كثيرًا من الناس، والتقيت بالعديد من الأجناس، وكان من بين من صادفت شابان من الإمارات حرصًا على أن يقوما بتأدية المناسك كما أداها رسول الله وصحابته والتابعون من بعدهم، وروى لي أحدهم يوم الوقوف بعرفة والنزول إلى مزدلفة والإقامة بمنى بشكل غاب عن كثير من الناس وجعلني أشعر إني قد فاتني كثير من الخير، فقال: «بينما انشغل الناس بسياراتهم وتجمعاتهم وجدنا آخرين قد أخذوا بالعزيمة أو أجبرتهم الحاجة أن يؤدوا معظم المناسك سيرًا على الأقدام لا سيما كثير من المسلمين الأعاجم، ورأينا بعد بحث أن طريق المشاة الذي يسير فيه الحجاج هو نفس الطريق الذي سار فيه رسول الله وصحابته والتابعون، فحملنا متاعنا البسيط وسرنا مع الناس إلى منى، ومنها إلى عرفات ملبين وبينما انشغل الناس في عرفات قبل الغروب بساعات بإعداد سياراتهم للنزول فور الغروب إلى مزدلفة كنا نقف مع كثيرين على جبل الرحمة ندعو ربنا في اللحظات التي كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يدعو فيها دون قلق على سيارة أو لحاق بقافلة وبعد الغروب سرنا مع قوافل المشاة الطويلة إلى مزدلفة، حيث كانت تنساب القوافل كالنهر الجاري في تناسق ونظام رباني كل يدعو بلغته ويتحدث بلسانه، حتى وصلنا إلى المشعر الحرام، فبتنا ليلتنا ثم انطلقنا بعد الشروق إلى منى، حيث رمينا جمرة العقبة الكبرى، ثم واصلنا المسير إلى البيت الحرام، حيث أدينا طواف الإفاضة والسعي فشعرنا ونحن نؤدي المناسك هذه المرة بمعان جديدة للحج لم نلاحظها من قبل فقلت له: لقد شوقتني والله لكي أسلك ما سلكتما.

ومع حرصي على تحقيق كل ما أستطيع من معاني الحج فقد كنتُ حريصًا على التعرف على من ألقاه من المسلمين لا سيما بعد أداء الصلوات في المسجد الحرام، وقد كان مسلمو ماليزيا وإندونيسيا.

تلك البلاد التي دخلها الإسلام عن طريق التجار الفاتحين. هم أحرص الناس على التعارف والتهادي، وما أن يعلم أحدهم أني من مصر حتى يصيح وهو يربت على يدى «بلد الأزهر» ثم يعطيني عنوانه وكأنه من السهل أن يلقاني بعد ذلك، ويقول إذا جئت إلى بلادنا فأرجو أن تزورني، وقد شعرت بفرحة هؤلاء وسعادتهم حينما كنت أتحدث معهم أو أشد على أيديهم عند الوداع، كما كنت أشعر بالأسى من أوضاعنا نحن العرب حينما أجد هؤلاء المسلمين الأعاجم وهم ينظرون إلينا على أننا أصحاب الرسالة الذين نزل فينا الدين وأصحاب اللغة التي نزل بها القرآن، ومع لقاءات التعارف البسيطة التي كنت أحرص عليها في كل أماكن المناسك لقيت مسلمين من معظم أطراف الدنيا، كل منهم جاء يرجو رحمة ربه ويخشى عذابه، حتى وجدت بعضهم لا يعرف كلمة واحدة من العربية، وكل ما استطاع أن يتحدث لي به هو أن يذكر اسم بلده، وفي مزدلفة نزلت حيث وجدت قافلة كبيرة من الشاحنات تحمل أرقامًا روسية فسألت أهلها: من أي البلاد أنتم؟ قالوا: من داغستان قلت لهم: بلد الإمام المجاهد شامل وأطراف دولة الخلافة فاهتزوا طربًا وفرحًا إني عرفتهم من خلال أحد قادتهم التاريخيين، وما لفت نظري هو أنهم كانوا من كل الأعمار، وكانت الغلبة بينهم للشباب، فلم تستطع الشيوعية طوال أكثر من سبعين عامًا أن تصرفهم عن دينهم وحاولت أن أبحث بينهم عمن يتكلم بأي لغة أفهمها ليروي لي عن مسيرتهم الطويلة بهذه السيارات القديمة عبر جمهوريات آسيا الوسطى، وتركيا، وسورية، والأردن حتى وصلوا إلى مكة لأداء فريضة الله، إلا أنهم هزوا رؤوسهم جميعًا معتذرين عن أنهم لا يتكلمون سوى اللغة الداغستانية، لكن تصوري لخريطة الطرق التي سلكوها جعلني أدرك حجم المشقة التي تكبدوها. 

وفي بيت الله الحرام لقيت ثلاثة من الشباب كانت ملامحهم أوروبية فقلت لهم من أي البلاد أنتم؟ فقال أحدهم بلغة عربية فصيحة: نحن من فرنسا، فعانقتهم ورحبت بهم، وتعرفت عليهم وعلى معرفتهم بالإسلام ودخولهم فيه، ثم التفت إلى الذي يتكلم العربية فيهم، وقلت له: وأنت كيف تعلمت اللغة العربية؟ فقال: لقد أدركت إني لا يمكن أن أفهم الإسلام فهمًا صحيحًا إلا إذا تعلمت اللغة التي نزل بها القرآن، وعرف بها الدين، فأخذت نفسي بالعزيمة حتى تعلمت العربية من الكتب والدراسة حتى استطعت أن أفهم الإسلام، وقد وفقني الله لذلك، فقلت له: والله لقد ألقيت بعملك هذا مسؤولية كبيرة على كل عربي مسلم لم يفهم دينه.

وذات يوم كان المسجد الحرام مزدحمًا وظللت أبحث عن مكان ثم جلست حيث وجدت مكانًا للجلوس، فشعرت بمن يربت على كتفي ويلقي علي السلام بلهجة مغربية فرددت السلام عليه والتفت إليه فوجدته شيخًا قد جاوز الخمسين، ثم قال لي وهو يبتسم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفشوا السلام بينكم، فاعتذرت له، وشكرته على نصيحته فاستطرد الرجل يحدثني حديثًا عذبًا بلسان ينتقي الألفاظ ووجه بشوش سمح، فقلت له كأنك من شيوخ المغرب وعلمائها؟ قال: نعم، أنا من المغرب لكني لست من شيوخها ولا علمائها ولكني رجل بسيط أعمل في البناء، قلت له وأنا أبتسم بناء النفوس قال: لا.. بناء البيوت والمساكن، فقلت له: لقد بنيت في نفسي معاني لا أنساها، وأمل أن تبقى راسخة مثل البيوت التي تبنيها، فاطرق الرجل خجلًا وتواضعًا وشكرني وهو يربت على كتفي.

الحج... ومن يستطيع أن يحصي معاني الحج، أو يلم بمقاصده أو يدرك غايته ذلك الركن الأصيل من أركان هذا الدين.. هذا الدين.. «فياله من دين.. لو أن له رجالًا».

الرابط المختصر :