العنوان يا الله: نشكو إليك صمت قومنا
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 04-أكتوبر-2003
مشاهدات 58
نشر في العدد 1571
نشر في الصفحة 45
السبت 04-أكتوبر-2003
عزيز على الحر أن يرى أمته تفرط في رجالها الأحرار، وتبدد طاقاتهم وهي في أشد الحاجة إليهم لمواجهة أعدائها وبناء نهضتها، والذود عن بيضتها، أما وقد بلغ السيل الزبى وانقلب الليل نهارًا والنهار ليلًا في العيون، والضلال هداية، والهداية ضلالًا في البصائر، والخطأ صوابًا، والصواب خطأ في العقول، والعدالة ظلمًا، والظلم عدالة في الأفهام والدفاع عن الحق إجرامًا وإرهابًا والإرهاب والاغتصاب مباحًا مشروعًا فالإنسان لا يملك -بعد أن يبذل جهده ويخلص نيته- إلا أن يرفع كفيه إلى الله شاكيًا، ويرنو ببصره إلى السماء داعيًا، ويوجه وجهه إلى الرحمن مستنصرًا، وهذا ما فعله الشيخ أحمد ياسين الغاضب الحزين على حال أمته إذ يقول: أوما ترون أيها العرب كم بلغ بكم الحال؟
إنني أنا الشيخ العجوز لا أرفع قلمًا ولا سلاحًا بيدي الميتتين.
لست خطيبًا جهوريًا أرج المكان بصوتي! ولا أتحرك صوب حاجة خاصة أو عامة إلا عندما يحركني الآخرون لها.
أنا ذو الشيبة البيضاء والعمر الأخير أنا من هدته الأمراض وعصفت به ابتلاءات الزمان.
كل ما عندي أنني أردت أن يكتب أمثالي ممن يحملون في ظواهر ما يبدو على أجسادهم، كل ما جعله العرب في أنفسهم من ضعف وعجز.
أحقًا هكذا أنتم أيها العرب صامتون عاجزون أو أموات هالكون.
ألم تعد تنتفض قلوبكم المرأى المأساة الوجيعة التي تحل بنا فلا قوم يتظاهرون غضبًا لله وأعراض الأمة، ولا قوم يحملون على أعداء الله الذين شنوا حربًا دولية علينا وحولونا من مناضلين شرفاء مظلومين إلى قتلة مجرمين إرهابيين وتعاهدوا على تدميرنا والقضاء علينا.
ألا تستحي هذه الأمة من نفسها وهي تطعن في طليعة الشرف لديها
ألا تستحي دول هذه الأمة وهي تغض الطرف عن المجرمين الصهاينة والحلفاء الدوليين دون أن يعطفوا علينا بنظرة تمسح عنا دمعتنا وتربت على أكتافنا.
ألا تغضب منظمات الأمة وقواها وأحزابها وهيئاتها وأشخاصها لله غضبة حقة، فيخرجوا جميعًا في حشود هاتفة ليقولوا: يا الله، اجبر كسرنا وارحم ضعفنا وانصر عبادك المؤمنين.
أوما تملكون هذا أن تدعوا لنا
قريبًا ستسمعون عن مقاتل عظيمة بيننا لأننا لن نكون حينها إلا واقفين مكتوبًا على جبيبنا أننا متنا واقفين مقبلين غير مدبرين ومات معنا أطفالنا ونساؤنا وشيوخنا وشبابنا جعلنا منهم وقودًا لهذه الأمة الساكنة البليدة.
لا تنتظروا منا أن نستسلم أو أن نرفع الراية البيضاء لأننا تعلمنا أننا سنموت أيضًا إن فعلنا ذلك فاتركونا نمت بشرف المجاهد.
إن شئتم كونوا معنا بما قلده كل واحد تستطيعون، فثأرنا يتقلده كل منكم في عنقه، ولكم أيضًا أن تشاهدوا موتنا وتترحموا علينا وعزاؤنا أن الله سيقتص من كل من فرط في أمانته التي أعطيها.
ونرجوكم ألا تكونوا علينا بالله عليكم لا تكونا علينا يا قادة أمتنا ويا شعوب أمتنا.
اللهم نشكو إليك، نشكو إليك، نشكو إليك، نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربنا، إلى من تكلنا، إلى بعيد يتجهمنا، أم إلى عدو ملكته أمرنا؟
اللهم نشكو إليك دماء سفكت، وأعراضًا هتكت، وحرمات انتهكت، وأطفالًا يتمت، ونساء رملت، وأمهات ثكلت، وبيوتًا خربت، ومزارع أتلفت، نشكو إليك، تشتت شملنا، وتشرذم جمعنا، وتفرق سبلنا، ودوام الخلف بيننا، نشكو إليك ضعف قومنا وعجز الأمة من حولنا وغلبة أعدائنا.
نعم إنها البطولة المستنصرة بالله سبحانه تقف وحدها في الميدان، وتؤكد رغم كل هذا العجز العربي الماحق للأمة أنها على درب الشهادة سائرة لا يخيفها تهديد أو وعيد.
أيها البطل: إنه قدرك وقدرنا أن نعيش في امة تحتاج إلى اليقظة حتى لا تجري عليها سنن الكسالى في الأرض المباركة، إن تاريخ القدس يذكر دائمًا أن قدر الكسالى كان أليمًا وفاجع العواقب، وقدر الرجال كان عظيمًا ووضاء المحيا، فحين وهنت الأمة وضيعت تنادت القوى الصليبية لاحتلال القدس من الفاطميين بقيادة بطرس الناسك، ووقعت القدس تحت الاحتلال بعد حصار ٤٠ يومًا، وكان ذلك في ٢٣ شعبان ٤٩٢هـ- ١٠٩٩م وقتل الصليبيون من المسلمين العزل ۷۰ ألفًا، واستمر القتل في المسلمين فترة من الزمن، ثم توالت الحملات الصليبية، فكانت الحملة الثانية سنة ١١٤٧م، والثالثة ۱۱۸۹م، والرابعة ۱۲۰۲م، والخامسة ۱۲۱۸م، والسادسة ۱۲۲۸م، والسابعة ١٢٤٨م، والثامنة ۱۲۷۰م.
ولم يوقف هذا المد المتواصل للصليبيين إلا البطل صلاح الدين الأيوبي الذي حرر المسجد الأقصى الذي دنسه الصليبيون وحولوه إسطبلًا للخيول، وكان ذلك التحرير يوم الجمعة ٢٧ من رجب سنة ٥٨٣هـ، يوم الإسراء والمعراج، وطهر المسجد الأقصى بعد تدنيس استمر ۸۸ عامًا تحت الاحتلال الصليبي، فقد علم صلاح الدين أن أمته تحتاج إلى يقظة وجد وتضحية فلم يبخل عليها هو وجيله الذي رباه للفتح، بقوت أولادهم وعصارة دمائهم، وثمن ضروراتهم، وأنهم حين حملوا هذا العبء عرفوا جيداً أنه لا يرضى بأقل من الدم والمال فخرجوا عن ذلك كله لله وفقهوا قوله تعالى:﴿ِإنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ ﴾(التوبة: 111)، عرفوا كيف يعيشون العيشة الكريمة، أو يموتون الموتة العظيمة، ولأن يموت المسلم واقفًا مرفوع الرأس أمام الباطل، أفضل وأشرف من أن يموت جاثيًا تحت قدميه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل