العنوان المشروع الإسلامي محاور أساسية
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 427
نشر في العدد 1531
نشر في الصفحة 66
السبت 14-ديسمبر-2002
بعد أن تحدثنا عن النظرية التي يقوم عليها المشروع الإسلامي، وخصائص هذا المشروع ومنهجيته، وبعد أن عرضنا للمحور الأول من مجموعة المحاور الأساسية للمشروع الإسلامي وهو الحكم، ونعرض اليوم المحاور الوحدة والمرأة وحقوق الإنسان والموقف من القضية الفلسطينية.
المشروع الإسلامي والوحدة: إن من أولويات أهداف المشروع الإسلامي إقامة الوحدة بين الإسلاميين، فضلًا عن عموم المسلمين، فالذين يتذرعون من العلماء بالآية الكريمة ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أجمعين﴾ (هود: 118-119)، متجاوزين الاستثناء البين في الآية المذكورة، إن هؤلاء موكول أمرهم إلى الله فيما اجتهدوا فيه ووصلوا إليه، ولكن موقفهم هذا لا يلزم المشروع الإسلامي في شيء. إن وحدة العمل الإسلامي، كما وحدة المسلمين مبدأ من مبادئ الإسلام وفريضة شرعية لا يجوز تجاوزها، والتقليل من شأنها وأهميتها. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة المتعددة تقطع بفرضية هذه الوحدة.
ثم إن ضراوة التحدي والحرب المعلنة على الإسلام والمسلمين التي تقوم بها أحلاف وجبهات عالمية على مستوى القارات الخمس، وبخاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر تحتم قيام تلك الوحدة.
يضاف إلى كل ذلك، أن الدور الكبير المكلف به المسلمون، يحتم الخروج من الدوائر الفئوية والمحلية والقطرية إلى رحاب وحدة متماسكة متراصة تذوب فيها الأنانيات، وتنعدم التعددات، وتختفي الصراعات وينزل فيها الجميع عند أمر الله وقوله ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (الأنفال: 8). والمشروع الإسلامي يجب أن يلحظ الوحدة في دائرتيها الاثنتين العربية والإسلامية، إذ لا تناقض بينهما ولا تضاد ما دام الإسلام يشكل المضمون العقائدي لكليهما، وأن فشل التجارب الوحدوية السابقة إنما يعود إلى اختفاء العنصر الجامع والوشيجة الأساسية الموحدة والمتمثلة بالأخوة الإسلامية.
المشروع الإسلامي والمرأة والمشروع الإسلامي يجب أن يلحظ دور المرأة في الأسرة والمجتمع والدولة والأمة، وكل جوانب الحياة وبخاصة أن هنالك خلافًا فقهيًا بين الإسلاميين حول هذا الموضوع.
إن من المفاهيم الشائعة في الساحة الإسلامية أن التكاليف الشرعية العامة تلزم الرجل ولا تلزم المرأة، وبخاصة تلك المتصلة ببناء الحياة ومعترك الصراع، بصرف النظر عن الخصوصيات الشرعية المتعلقة بكل منهما والتي لا يستطيع أن ينكرها أحد. الإسلام يخاطب المرأة كما يخاطب الرجل سواء بسواء، في كل ما يتصل بدورهما ومسؤوليتهما العامة والآيات القرآنية في ذلك واضحة وجلية، من ذلك قوله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 16). ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ﴾ (التوبة: 71).
ثم إن الضوابط الشرعية التي تصون المجتمع تكاد تكون واحدة بالنسبة للرجل والمرأة كغض البصر، وحفظ الفرج، وعدم جواز الخلوة وغيرها. ومن الأدلة العملية القاطعة في هذا النطاق أن المرأة في العهد النبوي الأول وعهود التابعين ومن تبعهم بإحسان، شاركت وأسهمت في الأعمال الدعوية والتربوية والإغاثية والخدمية والتجارية والجهادية والخيرية وغيرها (راجع كتابنا نحو صحوة إسلامية في مستوى العصر).
المشروع الإسلامي وحقوق الإنسان:
والمشروع الإسلامي يقف عند حقوق الإنسان وقفة نوعية لا تماثلها وقفة شرعة حقوق الإنسان أو أية شرعة أخرى.. فالإسلام بين ابتداء الحقوق المتوجبة لكل إنسان، ثم حض على حفظها وصيانتها، قبل أربعة عشر قرنًا من قيام المنظمات الدولية.
ففي دستور الله الخالد قوله تعالى في تكريم الإنسان وتمييزه عن سائر المخلوقات ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلً﴾ (الإسراء: 70).
إن هذا التكريم الرباني يشكل قاعدة لكل مفردة من مفردات التكريم الأخرى، وأرضية لكل قانون وشرعة من شأنهما حفظ كرامة الإنسان ابتداء ومن ثم ضمان حقوقه.
وفي سياق الموقف الإسلامي المميز من حقوق الإنسان، يطالعنا البيان التاريخي الخالد الذي أعلنه رسول الله في حجة الوداع، إذ قال: «إن الله حرم عليكم دماءكم، وأعراضكم، وأموالكم» (رواه البخاري). فحق الحرية مصون صيانة حقيقية لا وهمية، ابتداء من حرية الإنسان في التفكير والاختيار والاعتقاد، مصداقًا لقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦). وتطالعنا من التطبيقات العملية الميدانية الصرخة المدوية التي أعلنها الفاروق عمر بن الخطاب: «متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا وقيمة هذا الخطاب أنه صدر عن وحق المساواة من الحقوق المقدسة في الخليفة، رأس السلطة وقمة الهرم؟».
لم يعرف التاريخ لها مثيلًا من قبل، ولن يعرف لها شبيها من بعد، إنها ليست كأكذوبة الشيوعية يوم أعلنت إلغاء الطبقات، ولا كأكذوبة المساواة الأمريكية التي عرى حقيقتها التمييز العنصري داخل المجتمع الأمريكي، وعلى امتداد العالم.
إن المساواة في المشروع الإسلامي لها عمق عقيدي وأصول شرعية.... من هذه الأعماق والأصول قوله رسول الله: «يا أيها الناس... إن ربكم واحد.. وإن أباكم واحد.. لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر. إلا بالتقوى... إن أكرمكم عند الله أتقاكم». ومما حفل به المشروع الإسلامي من حقوق للإنسان، ويصعب حصره وإحصاؤه: حق التعبير وحق النقد والاعتراض، وحق التملك، وحق عدالة الأجور، وحق التعليم، وحق العلاج، وحق الجوار وحق الدفاع عن النفس، وحق حيازة الضرورات الثلاث الماء والكلأ والنار، وغيرها.
المشروع الإسلامي والقضية الفلسطينية:
تشكل القضية الفلسطينية بالنسبة للمشروع الإسلامي جوهر الصراع العقيدي بين الخير والشر فيما تعتبر القضية المركزية الرئيسة للأمة الإسلامية.
ففلسطين يتجانبها اليوم مشروعان اثنان مشروع صهيوني عنصري يهدف إلى تغيير هويتها، وفق المعادلة الهرتزلية التي تنص على أن فلسطين أرض بلا شعب واليهود شعب بلا أرض فهي بذلك حق لليهود دون غيرهم.
ومشروع إسلامي إنساني يهدف إلى تحريرها الكامل من الاحتلال الصهيوني الغاشم وإقامة حكم يعيش فيه الجميع بأمان وسلام على نحو ما عاشته الأرض المباركة ونعمت به منذ الفتح الإسلامي على عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
والمشروع الإسلامي في ضوء ذلك، يرفض الحلول التي تكرس الاعتراف بالدولة العبرية، أو التنازل عن أي مساحة من الأراضي الفلسطينية.
والمشروع الإسلامي يعتبر التطبيع استراتيجية اختراق صهيوني، لكيان الأمة ولمبادئها ومرتكزات وجودها، ومدخلًا لتغيير شخصيتها وهويتها، وهو أخطر من كل الاتفاقات والمعاهدات الجانبية على خطورتها. فالخطر الصهيوني من خلال التطبيع، يتجاوز كل الأخطار الأخرى العسكرية والأمنية والاقتصادية التي تحيق بفلسطين، وبالأمة الإسلامية في كل مكان فهو الخطر الذي بمقدوره أن يدمر مقومات وخصوصيات العالم الإسلامي، أفرادا ومجتمعات ومؤسسات من الداخل، ويصيبها في الصميم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل