العنوان فجيعة العصر
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1992
مشاهدات 53
نشر في العدد 1021
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 20-أكتوبر-1992
مصيبتنا في
البوسنة والهرسك تنفطر لها حتى أكباد الحيوانات وتتقرح لها حتى عيون العجماوات
فضلًا عمن يدعون الإنسانية وهى منهم براء، وفضلًا عمن ينتسبون إلى الإسلام، وبينهم
وبين تعاليمه ما بين المشرقين، وكوارثهم بكى الزمان لها وانتحبت الأيام من هولها
وأجهشت الأرض ولهًا عليها، تندبهم الليالي صارخة والوديان منتحبة والروابي دامعة،
طاردتهم الذئاب الصليبية ومزقتهم الكلاب الأرثوذكسية، واستباحوهم دماءً، وأعراضًا،
وأموالًا، وفر من العذاب والهوان من فر، واهن القوى، بالي الأسمال، خاوي البطن
ظامئ الأحشاء خالي الوفاض، همة أكبر من الجبال وكربه أثقل من الجبال الرواسي،
وحزنه أعمق من حزن يعقوب وأكرب من غم يونس، دربه الحيات ومساره العقارب، غريب وسط
قسوة القلوب وغلظ الأكباد، وأجواء الخيانة ومواقع الجبن.
إن التاريخ ليقف
حابسًا أنفاسه من هذا الهول الذي تتناقله وكالات الأنباء العالمية بل ويراه القاصي
والداني على مدار اليوم في الصحف والمجلات ومحطات التلفاز، أنهار من الدماء، جبال
ووديان من الجثث، روايات الهاربين والشاردين من القلائل الذين نجوا من مواجع تروع..
يروي أحدهم شيئًا
من الأفعال البشعة القذرة من إحراق للمسلمين في المساجد والبيوت وذبحهم للأطفال
والنساء والشيوخ والشباب بالسكاكين والسواطير والمناجل والأسلحة الحادة التي في
مقدمة البنادق، ومن اغتصاب للنساء وقطع أثدائهن وبقر بطون الحوامل وقطع أعضاء
الرجال.. وإلقاء الأحياء في الماء المغلي والكيماويات وقطع رؤوس المسلمين وإرسالها
هدية إلى قادتهم، وقد بث التلفاز الألماني فيلمًا مصورًا لمذبحة قام بها الصرب ضد
المسلمين بلغ قتلاها 450 مسلمًا، قتلوا وهم مكبلو الأيدي، وتم ذبحهم من النحور على
أيدي الميليشيات الصربية.
وإذا أردنا أن
نلقي بعض الضوء على مسببات تلك الكارثة وعوامل استمراريتها وقسوتها، فإنها لا تخلو
من عوامل أربعة تكاد تكون هي محاورها وأقطاب رحاها.
أولها:
الحقد الصليبي المتأصل والذي لا يهدأ، وإن كمن زمنًا فإنه يكون كالنار تحت الرماد
لا يلبث أن يلتهب من جديد، يدرس الآن في مدارس الصرب ملاحم شعرية من إنشاد الشعراء
الأرثوذكس تحرض على المسلمين تقول: «المسلمون شياطين دنسوا الأرض، ملأوها رجسًا،
فلتعد للأرض خصوبتها ولنطهرها من تلك الأوساخ، وليطِر رأس كل من يؤمن بدين الكلاب،
وليذهب غير مأسوف عليه».
هذا وقد أصدرت
الكنيسة الصربية فتوى تبيح أعراض المسلمات لكل من يدين بالديانة المسيحية
الأرثوذكسية.
ثانيًا: التواطؤ
العالمي الفاضح الذي يقف موقف المتفرج ثم يخرج من ذلك إلى حظر إمداد الطرفين
الصربي والبوسني بالسلاح وهو قرار مخالف لميثاق الأمم المتحدة ويرقى إلى درجة
التآمر لأن الصرب لديهم سلاح الجمهورية اليوغسلافية والمسلمون عزل من السلاح، فكان
هذا المنع يقصد به تجريد الضحية من أي وسيلة للدفاع عن النفس، ومساعدة الجاني
للإجهاز على الضحية.
ثالثًا ورابعًا: السلبية
الغريبة من حكام المسلمين ثم من المسلمين وهم 37 دولة، وثلث العالم بل يزيد،
ولديهم الأموال والجيوش والعتاد، ودينهم يدعوهم إلى نجدة إخوانهم ونصرة عقيدتهم
وحفظ ديارهم «فالمسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء
بالحمى والسهر»، أم أن هذا الجسد قد مات؟ ومن الذي أماته؟ وهل له من سبيل لإحيائه؟
نقول: نعم، أن يسمع نداء الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا
لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال:24)، فهل
نستجيب حتى نحيا ونعز ونسعد؟