; معالم على الطريق.. فجيعة البوسنة وفجيعة الأمة | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. فجيعة البوسنة وفجيعة الأمة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1995

مشاهدات 61

نشر في العدد 1159

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 25-يوليو-1995

المتأمل في تاريخ الأمة الحديث يجد أن الفواجع والكوارث التي تحيق بها اليوم نتيجة طبيعية لما آل إليه أمرها وصار إليه شانها من ترد وانحدار وجهل ولهو واستعباد، وضياع لكل جميل ومفيد وجاد، ونوم عن كل جد وكفاح، وعلم نافع، وطريق مستقيم، فكان أن:

سكت الدهر زمانا عنهم           ثم أبكاهم دما حين نطق

والأمم العاجزة مهما كثرت أتباعها وتعددت أقطارها، وترامت رفعتها، فهي أصفار لا تساوي شيئا، ولا ترد كيدا، ولا تدفع عدواء أو تحمي ديارا، أو تغيث ملهوفا، وإنما تتمرغ في عجزها وبلاهتها وسفهها إلى أن تزول، أو يأتيها قدرها المحتوم، وهي في غفلتها ساهية، وفي لهوها سادرة.

ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة

وحق لسكان المتاهة أن يبكوا

تحطمنا الأيام حتى كأننا

زجاج ولكن لا يعاد له سبك

الخزي الذي تُمنى به الأمة في كل قضاياها اليوم يدعو إلى الرثاء والوهن الذي تصاب به هذه الأيام يدعو إلى العجب والجبن الذي تتصف به في وقتنا الحاضر يدعو إلى التأمل، حيث لا كوارث تحركها ولا دواهي توقظها، ولا استعباد أو هتكا للأعراض واستباحة للحرمات، أو سفكا للدماء، أو ضياعا للأوطان يدفعها، وإنما تحطمها وتنسفها كلما تراكمت وتكأكأت وتتابعت على كواهلها وأعناقها كل يوم لتسلب الديار، وتخضع الرقاب، وتسيل الدماء، وتركز الهوان، جاء اليهود إلى فلسطين بوعد من المستعمر الذي لا يملك شيئا، وما كانوا ليأتوا إذا كانت الأمة حية أو يقظة، أو لها شخصية أو كرامة أو قيادة.

جاءوا فوجدوا أناسا عزلا، وأفرادا هجعا، ودولًا رضعا، وحكاما ركعا للمستعمرين، فقتلوا العزل، وقهروا الهجع. وداسوا الرضع، وركبوا الركع وأقاموا دولة وأسسوا جيشًا وطردوا أهلها وذبحوا سكانها، وملكوا البلاد والعباد وشردوا النساء والأطفال والشيوخ.

 وقام جهاد مسلم ضد المستعمر، وكفاح شریف ضد الدخيل، ولكن بغير دعم أو عون وكانت هناك انتفاضات مؤمنة، ولكن بدون تأييد أو غطاء، ولم يقف الأمر عند هذا الحد أو ينحسر في تلك الأسباب القاتلة، ولكن صاحب ذلك خيانات عربية ودولية وصراعات استعمارية وأممية، وتحريضات فكرية وإعلامية، حتى رأينا المجاهدين المسلمين يعتقلون في الميدان، ويزجون في السجون، وغبار المعارك على جباههم، وتقام ضدهم القضايا لإحراز السلاح الذي يكافحون به عدوهم ثم يغتال قادتهم. ويسفك بالغدر دماء روادهم على قارعة الطريق، وفي ميادين الكفاح، ويملك العدو الديار، وقد تخلص من الكوادر الشريفة والسواعد الفتية والعزمات الأبية.

ويقوم جهاد آخر لخداع الأمة، جهاد في الصحف الحكومية، والتصريحات النارية والخطب الرنانة والعنتريات الوهمية التي ستلقي «إسرائيل»، المزعومة في البحر هي ومن وراءها وحولها، وأصبحت «إسرائيل» النووية والذرية اليوم هي التي تعطي وتمنع وتبسط وتقبض وترضى وتغضب وتولي وتعزل، وتأمر وتنهى، وتضرب وتعفو، وتلقي في مزابل التاريخ، وكل حركة ضدها أو كفاح يدعو إلى مقاومتها جريمة من الجرائم، وكل عصيان لمطامعها أو شهواتها كارثة من الكوارث يجب أن تقوم السلطات الموقرة بردعه وسحقه وسحله، وإلا فالويل كل الويل للإسلام والمسلمين والعاملين والساكتين والمعينين المخلصين وتقوم الدنيا ولا تقعد، وتقف الأمم المتحدة ولا تجلس وتنعقد المجالس العالمية والمحلية ولا تنفض وتعاقب الدول المتهمة بالدعم زورًا وبهتانًا حتى يتم المراد من أرباب العباد.

 وليس ما سقناه هذا كان استثناء أو أمرًا مرتهنا بظروف تاريخية أو عالمية غير مرتبط بطبيعة الأمة اليوم أو واقعها المعيش، وإنما هو مثل صادق لمصابها وانتكاستها التي تصاحبها في وقتنا الحاضر وحالتنا الراهنة، وتتكرر كل يوم ما دامت الأمة على هذه الحالة، وفي ظل هذه الأوضاع القائمة على أرضها، ولذلك تجد المثل الآن يتكرر على أرض البوسنة والهرسك الشعب المسلم الآمن الأعزل الذي يؤخذ على غرة، ويذبح ذبح. الخراف، ويسلخ سلخ الحيوان في محرقة بشرية لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلا ولم ترحم شيخا أو طفلا أو امرأة، حيث تحكي الإحصاءات على استحياء بعضا مما تعرض له ويتعرض كل يوم مما يشيب له الولدان، فنقول: أن عدد ضحايا هذه المحرقة البشعة قد بلغ ٩٧٦٣٠ قتيلا، وأن عدد الأطفال منهم 20000 طفل، كما يبلغ عدد الجرحى في المناطق الخاضعة للحكومة البوسنية ١٧٦٣٠٨ يبلغ عدد الأطفال منهم ٣٦٣٣١ طفلًا. وعدد القتلى في العاصمة البوسنية وحدها ۱۱٥٠٠مواطن، وأن عدد الأطفال منهم ١٦٦٨ وعدد الجرحى ٥٩ ألف مواطن، هذا عدا أطفال المسلمين الذين يتعرضون للبيع والذي اكتشفته بعض المنظمات الدولية لبيع أعضائهم واستعمالهم في التجارب، هذا عدا الأطفال الذين أجلتهم سلطات معينة ولا يعرف مصيرهم.

 أما عن حالات الاغتصاب، وهتك الأعراض، فحدث ولا حرج، فقد طارت بها الركبان ٦٠ ألف امرأة أعلن عنها، وما خفي كان أعظم، هذا وما زال المسلسل مستمرا. ونحن ننظر إلى مأساة سريبرينتسا و۲۰ ألف مفقود والباقي في العراء، والكل يتكلم عن خيانة الأمم المتحدة وعن مساعدتها للصرب وحظرها السلاح عن الضحية وعن تسليمها المواقع المكلفة بحمايتها بعد جمع أسلحتها للصرب، والكل يعرف أن روسيا واليونان ودولًا أوروبية تساعد الصرب، وأن ألمانيا وآخرين يساعدون الكروات ويدربونهم ويعدونهم بالسلاح والمسلمون يتفرجون ولكنهم لا يصفقون ولا يدينون، والحقيقة أن الشعوب المسلمة کأفراد تنقطع كل يوم ألف مرة ومرة، ولكن ماذا ستفعل إلا رفع الأكف والضراعة حتى لا تتهم!!. 

يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا 

لقد أحاطت بنا يا رب بأساء

نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها 

حملا ونحن بها حقا أحقاء 

زلازل تخشع الصم الصلاب لها

وكيف يقوى على الزلزال دهماء؟ 

فهل سيفيق المسلمون قبل الطوفان ويقومون بواجبهم، نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :