; التحرش في مصر .. يقود إليه الفراغ والبطالة وفساد الأخلاق | مجلة المجتمع

العنوان التحرش في مصر .. يقود إليه الفراغ والبطالة وفساد الأخلاق

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 30-يناير-2010

مشاهدات 110

نشر في العدد 1887

نشر في الصفحة 28

السبت 30-يناير-2010

دراسة: ليس قاصرًا على المتبرجات وإنما يطال المحجبات أيضًا!

  • يزداد في الأعياد والحفلات الكبرى ولم تسلم منه زائرات الموالد في المناسبات الدينية الشعبية! 
  • مساعد وزير الداخلية الأسبق: ٦٠% من الإناث يتعرضن له.. وهناك ٢٠ ألف حالة اغتصاب سنويًا! 
  • دراسة لجمعية نسائية: ١٢٪ فقط من المتحرش بهن يشكون والحياء يمنع أخريات.
  • خبراء اجتماع مردود طبيعي للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. والجرائم تقع من جيل مجني عليه بسبب ظروفه الصعبة.
  • د. علي ليلة: انتشار الفضائيات أدى إلى اغتراب ثقافي نتج عنه مجتمع ضعيف يجري وراء إشباع غرائزه!
  • الشبان العاطلون يستخدمون التكنولوجيا الحديثة في التحرش لا في النهوض بمجتمعاتهم!

وقد بدأت الظاهرة تتنامى وتكبر في الشارع والعمل وفي كل مكان عموما مع تردي الأخلاق وانتشار الفساد المالي، وما تبثه بعض الفضائيات من مظاهر انحلال، ولم ينتبه خبراء الاجتماع وعلم النفس الأخطار هذه الظاهرة إلا عندما بدأت تطل برأسها بصورة وحشية في الآونة الأخيرة حتى وصلت لحوادث تحرش جماعي بالفتيات في مناسبات عديدة، قد يستغرب البعض عندما يعلم أنها تقع أيضًا في مناسبات دينية شعبية مثل الموالد.. كان آخرها مولد السيدة زينب الذي تجرأت صحفيات في صحف خاصة وكتين عن تعرضهن للتحرش فيه! 

والكارثة التي تشير إليها دراسات اجتماعية لبعض المراكز البحثية هي أن التحرش ليس قاصرًا على النساء بل يمتد للرجال من جانب نساء خصوصًا من يتولين مناصب أعلى من الرجل، كما أن هناك تحرشًا بالأطفال في مصر؛ إذ أظهرت أول دراسة عن حوادث التحرش بالأطفال في مصر أعدتها د. فاتن عبد الرحمن الطنباري أستاذ الإعلام المساعد بمعهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس أن الاعتداء الجنسي على الأطفال يمثل ١٨٪ من إجمالي الحوادث المتعلقة بالطفل، وأنه في نسبة ٣٥٪ من الحوادث يكون الجاني له صلة قرابة بالطفل الضحية! 

دراسة ميدانية:

 وقد دفعت هذه الظاهرة المتنامية العديد من مراكز الأبحاث والدراسات في مصر إلى بحثها لبيان أسبابها، وعكف خبراء اجتماع على رصد الظاهرة وتحليلها، فظهرت حقائق رهيبة وفظيعة! 

فعلى سبيل المثال، أوضحت دراسة ميدانية صادرة عن جامعة عين شمس أن ٩٠% من المصريات يتعرضن لأحد أشكال التحرش الجنسي، سواء بالنظرات أو الكلمات الخارجة أو الاحتكاك الجسدي المباشر، وأن هذا ليس قاصرًا على الفتيات مكشوفات الشعر، وإنما يمتد حتى للمحجبات المنقبات! 

الدراسة قامت بها هبة عبد العزيز الباحثة بجامعة عين شمس وشملت مائة امرأة وفتاة كعينة استكشافية روعي في اختيار أفرادها التنوع في الفئات العمرية والمستوى الاجتماعي والثقافي، وأشارت الباحثة إلى أنها واجهت معاناة مع المشاركات في البحث بسبب تهربهن من المشاركة أو ذكر أسمائهن مختصرة.

 وكان من أهم ما كشفت عنه الدراسة أنه ليس صحيحًا أن من تتعرض للتحرش هي بالضرورة تلك المتحررة التي تخرج من البيت مكشوفة الشعر ترتدي الجينر وتتباهى بجمالها وشبابها، فكم من سيدات في الخمسين من العمر تعرض للتحرش وكم من فتيات يرتدين الحجاب والحمار، بل أحيانا النقاب كن ضحايا هذه الجريمة.

 وفي الإجابة على سؤال حول نوع التحرش الذي تعرضت له السيدة، وضعت ٦٥% من نساء العينة علامات بجوار أنواع التحرش الرئيسة «اللمس – اللفظ – النظرات»..  حين أن ١٥٪ اعترفن بتعرضهن النوعين فقط من أنواع التحرش اللفظ – النظرات. فيما تجنبت ١٠% من نساء العينة الرد على هذا السؤال وتجنينه تمامًا! 

وعن الطريقة التي تعرضت بها النساء للتحرش أفادت الدراسة بأن 50% من نساء العينة تعرضن للتحرش بشكل مباشر، في حين أن ٤٠% قلن إن الطريقة التي تعرضن بها لهذه الجريمة كانت غير مباشرة ويشير هذا بوضوح إلى تنوع أساليب تعامل الجاني مع الضحية، فهناك من يبدأ بالطريقة غير المباشرة كنوع من جس النبض. ينتقل بعدها إلى التحرش «المباشر». 

وهناك من يريد أن يختصر الطريق. وقالت الدراسة: إنه «في الحالتين» لا غنى للمرأة أو الفتاة عن الردع الفوري لأن الخجل وعدم إيقاف المتحرش عند حده منذ اللحظة الأولى سيشجعه على إتيان المزيد باعتبار أن «السكوت علامة الرضا» وانه لن يخسر شيئًا على الإطلاق مع تكرار المحاولة! 

وحول هوية الشخص المتحرش، كان لافتًا أن ۷۰٪ قررن أنه شخص مجهول «في الشارع عامل خدمات– موظف في مصلحة ترددت عليها.. إلخ»، بينما قررت ١٠ أنه زميل دراسة أو عمل، فيما قررت ١٠ أنه رئيس العمل ما يشير بوضوح إلى أن «التحرش العابر» لا يزال هو الأكثر شيوعًا، كما أن عدم معرفة الجاني بالضحية يعد أحد الأمور المشجعة على اقتراف جريمته.

 وحول «مكان التحرش»، جاءت الإجابات لتشير إلى الشارع بنسبة ٥٠%، والمواصلات العامة بنسبة ۲۰٪، في حين أشارت ١٠٪ إلى أماكن الترفيه مثل: السينما، والملاهي والنوادي والنسبة نفسها أشارت إلى أماكن العمل. 

وتقول الدراسة: إنه ليس معنى هذا أن أماكن العمل أو قيادة السيارة أو المدارس والجامعات أماكن تخلو من التحرش وإنما يعني أن المرأة أو الفتاة اعتادت التحرش حتى أنها أصبحت لا تشكو منه إلا إذا جاء ضمن «المستويات القصوى» من الفجاجة وخدش الحياء، والملاحقة اللفظية بالكلمات الخارجة، أو محاولة الاحتكاك الجسدي المباشر! 

وتقول صاحبة الدراسة: إن جرس إنذار آخر دق حين طرحنا السؤال التالي: هل يمكن أن يصدر التحرش عن أشخاص يُفترض أنهم محل ثقة مثل: «ضابط الشرطة –إمام المسجد– قسيس في كنسية»؟ وكانت المفاجأة أن نسبة من أجبن بـ «نعم» كانت ٩٠٪ وقد نشرت الصحف المصرية مؤخرا أنباء عن عزل الكنيسة لأحد رجالها في جنوب مصر بعد تورطه في ممارسات غير أخلاقية وشكاوى من مترددات على الكنيسة! 

والدلالة هنا واضحة للغاية، فقد بلغ انعدام الثقة مداها بين المواطنة الأنثى وبين رجل الدين ورجل القانون، فلم يعد هؤلاء بالنسبة لها مصدر أمن وحماية واطمئنان! 

وتأخذ المشكلة بعدا آخر أكثر مأساوية حين تعرف أن التحرش قد يصدر عن أقارب من الأسرة مثل «أبناء العم –أبناء الخال أزواج العمات والخالات– إخوة الزوج.. إلخ»، حيث أجابت ٨٠٪ ممن سئلن به نعم أتفق مع هذا الرأي ورفضته ۲۰٪. 

وتقول الدراسة أن هذه النتائج تشير إلى تلاشي القيم والأخلاق التي كانت هي الصبغة الأساسية داخل النسق الأسري والمحيط العائلي الأمل.

أشكال شائعة:

 وهناك دراسة أخرى أجراها المركز المصري لحقوق المرأة بعد تلقيه كمية ضخمة من الشكاوى من نساء في مصر «مصريات وأجنبيات» يواجهن عوائق يومية أثناء إنجازهن لأبسط المهام، حيث يتعرضن لمستويات متعددة من التهديد والانتهاك العلني، أو أفعال عنيفة أخرى في كل مرة يغادرن فيها منازلهن ما دعا المركز المصري لحقوق المرأة لإعداد دراسة عن حجم الظاهرة، ثم إطلاق حملة المحارية التحرش الجنسي. 

وأوضحت نتائج البحث الأولى «يعتمد بأكمله بالأساس على العمل التطوعي» أن التحرش الجنسي لا يهدد فقط بعض النساء ولكنه قضية منتشرة في المجتمع المصري بأكمله، فنتائج الفحص تؤكد أن التحرش لا يقتصر على عمر أو طبقة اجتماعية معينة ولكنه يعيق تقدم المرأة ديموجرافيًا، فلم تسلم العاملات وربات البيوت وصاحبات الوظائف المرموقة من تعرضهن للتحرش الجنسي ومعظم الأشكال الشائعة هي أشكال غير مناسبة مثل اللمس بنسبة (40%)، يليه التحرش بالألفاظ البذيئة (٣٠٪). 

وقد أوضحت النتائج أن نسبة ٣٠٪ من المعتدى عليهن يتعرض للتحرش الجنسي يوميًا، وفقط ۱۲٪ من المعتدى عليهن تلجأن للشرطة عند تعرضهن للتحرش، وصرحوا بعدم الثقة في النظام القانوني لحمايتهن من المتحرشين بهن.

والغريب هنا، أن هذه النتائج تؤكد ما لاحظه الخبراء في العديد من حوادث التحرش، وأنها غير قاصرة على نوعية معينة من الفتيات بدليل أن التحرش وقع ضد فتيات محجبات في وسط القاهرة العام الماضي كن يمشين مع عائلاتهن! 

أرقام مفزعة:

 وخلال جلسة سابقة في الجنة الدفاع والأمن القومي، بالبرلمان المصري المناقشة ثلاثة طلبات إحاطة من نواب الإخوان حول انتشار حالات التحرش الجنسي، أرجع اللواء أحمد ضياء الدين مساعد وزير الداخلية للشؤون القانونية سابقًا، سبب تعاظم الظاهرة إلى انتشار الإنترنت والفضائيات وغل العولمة أيدي السلطة في الدولة عن منع المواقع الجنسية التي أثرت في الآداب العامة، وأصبحت سلطة الدولة على التدخل محدودة حسب قوله! 

وأرجع تصاعد ظاهرة انتشار خطف واغتصاب الإناث والتحرش الجنسي لانتشار الوسائل التكنولوجية الحديثة التي قال: إنها وراء ظاهرة الانحلال الأخلاقي، متسائلًا: ماذا أفعل في البلوتوث «برنامج على الهاتف المحمول ينقل الصور»؟ وماذا أفعل في شبكة الإنترنت والجيل الثالث من المحمول «يشمل محادثات مصورة بين الشباب»؟ وكيف أمنع القنوات الفضائية التي تبث برامج مثيرة جنسيًا؟

 وأورد اللواء ضياء الدين أرقامًا مفزعة عن نتائج هذا التردي الأخلاقي من واقع دراسات اجتماعية ونتائج بحث، مؤكدا أن هناك ٢٠ ألف حالة اغتصاب سنويًا تقع في مصر طبقًا لإحصائية أصدرها المجلس القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، وأن ٦٠% من الإناث يتعرضن للتحرش الجنسي وطالب بتطبيق العقوبة المشددة على كل من اغتصب أنثى لتصل إلى الإعدام. التكنولوجيا الحديثة ولم يعد التحرش قاصرًا على التلفظ بكلمات أو اللمس أو حتى ملاحقة الأنثى ولكنه أخذ أشكالًا أكثر حمقًا وتهورًا، مع انتشار تقنيات البلوتوث في الهواتف المحمولة التي استخدمها بعض الشباب أكثر من مرة في تبادل الصور ومقاطع الفيديو للتعبير عن تصرفاتهم المتهورة بالفخر والاعتزاز، حتى أصبح الشباب العاطل يستخدم التكنولوجيا الحديثة في التحرش لا في النهوض بمجتمعاتهم؟!

 وهناك دراسات تربط بين التحرش الجنسي وانتشار الفساد، وغياب الرقابة في العالم العربي، فالفساد المالي والإداري في المؤسسات العربية يؤدي بصورة ما إلى الفساد الأخلاقي خاصة أن الكثير من حالات التحرش الجنسي ضد المرأة في العمل تحدث من رؤسائها الرجال لما يتمتعون به من سلطة ونفوذ وانعدام الرقابة! 

الفراغ ونقص التربية: 

اهم الأسباب التي تفضي لمثل تلك الحوادث –في رأي خبراء علم الاجتماع والتربية– هي الفراغ، ونقص التربية، ونقص الإيمان والوازع الديني، والكبت الداخلي الذي يخرج بين الفينة والأخرى، بالإضافة إلى فساد الفضائيات والفيديو كليب يقول الخبير النفسي د. أحمد. عبدالله إن ٦٠٪ من الفتيات والنساء في مصر يتعرضن للتحرش في الطفولة لفظيًا أو باللمس أو الاغتصاب. 

وتشير د. عزة كريم الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أن المجتمع المصري يشهد حالًا ازدياد العنف العائلي. وعقوق الأبناء للآباء، وارتفاع معدلات الجرائم الجنسية– وفي مقدمتها التحرش والاغتصاب التي تعد مردودًا طبيعيًا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالاغتصاب. وتقع من جيل مجني عليه بسبب الظروف المحيطة به. 

أما د. نسرين البغدادي أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية فترى أن من أهم أسباب التحرش حالة الفراغ الفكري والوقتي التي يعيش فيها الشباب مع غياب دور المؤسسات التربوية كالمدرسة التي تناست أو تجاوزت هذا الدور إلى الدور التلقيني فقط، فضلًا عن غياب دور الأسرة بانشغال الأم والأب عن الأولاد وترك أمر تربيتهم للشارع ولرفاقهم وأصدقائهم. 

ويركز د. علي ليلة أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس على العامل المتعلق بدور الإعلام وانهيار الأخلاق قائلًا: «إن العامل الأول في ذلك هو انتشار الفضائيات العربية في السنوات الأخيرة ما أدى إلى حدوث اغتراب ثقافي نتج عنه قيم وصور ثقافية واجتماعية غير التي اعتدنا عليها في الماضي، مما جعلنا في النهاية أمام مجتمع ضعيف يجري وراء إشباع غرائزه»! 

الرابط المختصر :