العنوان معالم على الطريق.. رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995
مشاهدات 59
نشر في العدد 1151
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 30-مايو-1995
الظلام الثقيل لا يدفعه إلا شموس مشرقة، والليل الدامس لا ينكشف إلا بفجر وإصباح، والخبث الهادر لا يلطمه إلا جبال ورواس، والجهل الغامر لا يرفعه إلا بحار و أعلام، والاستضعاف الذليل لا يكشفه إلا أبطال وفرسان، والأمم النائمة لا يوقظها إلا رجال وعزمات، وهذا الصنف من الرجال عزيز المنال في الأمم اللاهية، نادر الحضور في الشعوب المتخلفة، لأنهم يولدون بصفات فريدة، وعقول عجيبة وعزائم متقدة ونفوس وثابة، وهمم سامقة.
وليس الخلد مرتبة تلقى وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار إذا ذهبت مصادرها بقينا
عرفت رجالاً من هذا الصنف في هجير الحياة، وصاحبت قممًا على هذا الغرار في تيه الزمان، فكانوا ظلالًا وارفة، ونسائم عليلة، وريًا عذبًا في هذا الهجير، وكانوا أدلة صدق وأنس هداية، وإخوة حق في هذا التيه، ورأيت نماذج من هؤلاء القمم التي أعدها الله سبحانه للجهر بدعوته حين تخلف الناس، وحمل رسالته عندما وهنت النفوس رباها الحق سبحانه بعنايته، لتكافح الظلم الذي عم، وتجالد الباطل الذي طم، وتصارع الفساد الذي رم وعم وطم، وأرسلها ربها عز وجل، لتحيي النفوس بعد موات وتبعث الهمم بعد خمود وتطلق الطاقات بعد همود فزرعوا فأنبت الزرع، يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، وغرسوا فأينع الغرس، وأزهر واستوى على سوقه، وسقوا فأثمر الشجر وطاب جناه يوم حصاده.
وفي هؤلاء يقول الإمام أحمد بن حنبل - رضوان الله عليه: «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العزم والعلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون الضعيف منهم على الأذى يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب مجتمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على كتاب الله وعلى الله وفي الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، نذروا أنفسهم لخدمة الملة وحمل المنهج، وتوضيح غامضه، وتفصيل مجمله، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء بهم يهتدي الحيران في الظلماء وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء».
نعم، كم تحمل الرواد في سبيل الله الناس محتسبين ذلك عند الله، وكم قاسوا في سبيل إحقاق الحق قاصدين بذلك وجه الله سبحانه، وكم أنفقوا من أوقاتهم وأعمارهم وأموالهم في سبيل رفعة أمتهم لا يبغون منهم جزاء ولا شكورًا صابرين مرابطين ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا.
عرفت الدكتور أحمد الملط – رحمه الله – رجلاً من هذا الصنف الفريد الذي وهب نفسه منذ صغره لدعوة ربه، وبايعه على السير في طريقه وحمل منهجه، وتبليغ رسالته، فصدق ووفى، وجاهد وجالد وسهر، والخليون هجع، وكافح وناضل والضالون لاهون، وحمل هموم أمته وأحزان جيله والمنحرفون يمرحون ويسرحون كالأنعام بل هم أضل، كم تحمل في الليل البهيم، وشقي في الظلام الأعمى، وجالد في الفساد المتراكم، ونافح كل عقل وزنيم غير عابئ بالصعاب، ولا هياب بالعقبات ولا مبال بالظالمين والطغاة، أو واجل من السجون والمعتقلات، أو جازع من الموت والفناء، لأنه اختار طريق الصديقين والشهداء والصالحين والخالدين الذين باعوا نفوسهم لله، مقبلين عليه، ربانيين ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين﴾ (آل عمران: ١٤٦) كم تحمل الرجل من ظلم الطغاة في كفاحه فسجن واعتقل وعذب في الله، وما نال الظالمون منه مثالاً:
فالأسد تزار في الحديد ولن ترى في السجن ضرغامًا بكى استخذاء
خيرت فاخترت المبيت على الطوى لم تبن جاهًا او تلم ثراء
إن البطولة أن تموت على الظمأ ليس البطولة أن تعب الماء
لكن أخو خيل حمى صهوات ودار من أعرافها الهيجاء
كان الرجل شابًا في دعوته وهو في سن الثمانين، وفتي في جهاده وهو في مرحلة الكهولة، وقويًا في كفاحه وهو في خريف العمر، عاش أيامه مجاهدًا أبيًا شامخًا راد كل ميادين الكفاح، ونزل كل ملاحم المعارك جاهد بالسلاح في القدس واللد والرملة، وفي جميع ربى فلسطين، وجاهد الإنجليز في القتال، وذهب إلى أفغانستان، والبوسنة والهرسك، وسجن وعذب وصبر واحتسب وطاف أرجاء المعمورة داعيًا إلى الله، لا يهدا أو يكل، وهو واهن الجسد يعيش على الدواء، صاحبته فكان يغالب الأزمات القلبية وهو في جولاته بالعزيمة والدواء، وكنت أشفق عليه وعلى نفسي من كثرة الجهد فكان رده علينا مزيدًا من الأسفار والترحال.
ما أب من سفر إلا وأزعجه عزم إلى سفر بالدين يجمعه
كأنما هو في حل ومرتحل موكل بقضاء الله يزرعه
والآن وقد سكن الجسد الواهن المنهك وصمت اللسان البليغ المكافح الصادق، ورحل المجاهد الصابر المعلم، وخلف في النفس لوعة وفي القلوب حرقة، وفقد الأعلام والرواد والمجاهدين في أوقات الشدائد خسارة عظيمة وفاجعة أليمة، وهل تصبر الأرواح على ألم الفراق والآن هل يكون العوض في شباب يكمل المسيرة حتى تخف اللوعة؟
جلنا إلى الصبر تدعوه كعادتنا في النائبات فلم يأخذ بأيدينا
وما غلبنا على دمع ولا جلد حتى أتتنا نواكم من صياصينا
بتنا نقاسي الدواهي من كواكبه حتى قعدنا بها حسرى تقاسينا
يبدو النهار فيخفيه تجلدنا للشامتين ويأسوه تأسينا
ولكنا لا نملك إلا أن نقول: اللهم رضنا بقضائك، وصبرنا على بلائك، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل