العنوان حسن هويدي.. الرجل والمجاهد
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 21-مارس-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1844
نشر في الصفحة 39
السبت 21-مارس-2009
رحيلُ الرجال العظام فواجع، ومصابُ الدعوات فيهم دواهٍ، وفقدانُ أدوارهم وجهودهم نوازل، وفَقْدُ قائدٍ بحجم د. حسن هويدي خسارة كبيرة ورزء عظيم، تهتز له الثوابت، وتميد له الرواسي، وتنفطر له القلوب.
وما أن علمت بفقده إلا وقد أصابني الوجوم، واعتراني الذهول، وقلتُ: أحقًا ودّعنا الرجل، ورحل عنا الحبيب، وترجّل من ساحتنا الفارس؟!
أحقًا غابت الابتسامة الوديعة، ورحلت الكلمة الهادئة، وولت العاطفة الجياشة، وغاض الإخلاص والتفاني؟! أحقًا طُويت صفحات الجهاد العظيم، والعطاء الوافر، والعمل الدؤوب، والتفاني الدائم؟! فقالت الحقيقة الجارية: نعم.
قد كان ما كان والأقدارُ جاريةٌ
ولا يفيد مع الأقدار تدبيرُ
حَسْبُ الفتى مِنْ قضاء الله معذرةٌ
والمرءُ فيما قضاه الله معذورُ
نعم يا حكيم الدعوة، وبعيد النظرة، وواقعّي الفكرة، أبكيتَ العيون على فراقك،
ونحن نعلم أن لنا لقاًء في الآخرة، ومعادًا عند مليك مقتدر، ولكنه الفراق، وبُعْدُ
الأحبة.
هذا هو الدهرُ لا تَصْفو عواقبُه
إنْ سَرّ حينا فقد يُبكيكَ أحيانًا
يا نفسُ هذا قضاءُ الله فأصطبري
هذي الحياةُ وما سألوك تبيانًا
كان للرجل جهاد شاق يطول شرحه، وكان صبورًا على لأوائه وغربته، حيث عاش الرجل مطاردًا في أرض الله أربعين عامًا، إن طلع نهاره لا يُنتظر مساؤه، وإن هادنته الظلمة يومًا تتبعته أزمانًا، فعاش رحالة الظلم دهرًا طويلًا، ومع هذا لا تجده إلا باسم الثغر، منبسط الأسارير، راضيًا بما قسم الله له حامدًا لله على السراء والضراء.
فأفخرْ فقد حلّاك ربُّك بالتُقى
والصبر في السرّاء والضرّاءِ
وكساكَ من حُلّل التواضع حُلّة
صدَّ النهى عنها يدَ الخُيَلاءِ
مازلتَ كالنجم الرفيع مكانة
يعلو السماء ويُرى بجوفِ الماءِ
كان د. حسن هويدي أحد رجال ثلاثة في سورية، لا يُشق لهم غبار في الثبات على دعوة الله، وكان أحد فرسان الخطابة بعد الشيخ د. مصطفى السباعي، والأستاذ عصام العطار، وكان أحد الفقهاء الدارسين للعلم والمتمرّسين في الفتوى، وكانت له جلسة في بيته كل أسبوع، يدرّس فيها العلم لطلابه ومريديه وأحبابه، وقد حضرتُ إحدى هذه الجلسات التي دار فيها نقاش حول إحدى المسائل العلمية، وكان لــــ «د. حسن» باع طويل، وقراءة واعية في المسائل الفقهية، رغم أنه طبيب متمرّس تُعرف له خبرته في الطب، فقد كان فقيهًا ثبتًا مدققًا عالمًا في فنون الفقه ومسائله، يُرجع إليه في مسائل كثيرة، ورغم فقهه الواسع كان لا يجد غضاضة في الإسترشاد بآراء الآخرين القوية في المسائل التي تشتبه عليه، كما كان ذا دراية بتفسير القرآن الكريم، وله فيه فهم دقيق وفكر منير.
كما كان -يرحمه الله- مربيًا فاضلًا، له خلق كريم آسر، وسيرة طيبة حسنة، وقدوة معلمة حانية، بعيدًا عن الذم والتجريح، يصفح ويغفر لمن أساء إليه، راضيًا بما قسم الله له، دؤوبًا على كبر سنه، يظهر لك أنه ابن الخمسين أو أقل من ذلك، كثير الأسفار في شؤون الدعوة إلى الله تعالى، عالمًا بما ينفع ولا يضر، خبيرًا بما يُرضي النفوس ويُطيب الخواطر، له قلب حانٍ، وفكر متفتح، يقبل الحكمة من أي وعاء خرجت، ويعرف خير الخيرين وشر الشرين، في قلبه تقوى وخشية، وفي ضميره وداعة ودين، يراقب الله ويخشاه، كثير العبادة، دائم الوجل مستديم الخوف، وجاء في وصيته المكتوبة -يرحمه الله تعالى- قوله: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصي أهلي جميعًا أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله، ويوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا، وأوصيهم بما أوصى به رسول الله ﷺ، وبما أوصي به إبراهيم ويعقوب عليهما السلام: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة: 132).
كلُّ حيٍّ سيموتُ
ليس في الدنيا ثبوتُ
حركاتٌ سوف تفنى
ثم يتلوها خفوتُ
أيها السادرُ قُلْ لي:
أین ذاك الجبروتُ؟
ليتَ شعْري أهمودٌ
ما أراهُ أم قنوتُ
زالت التيجانُ عنهم
وخَلَتْ تلك التخوتُ
عمرت منهم قبورٌ
وخَلَتْ منهم بيوتُ
إنما الدنيا خيالٌ
باطلٌ سوف يفوتُ
رحم الله الرجل رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه بما صبر وصابر على المِحن، إنه سميع مجيب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل