; النهضات الكذب.. والنهضات الصدق | مجلة المجتمع

العنوان النهضات الكذب.. والنهضات الصدق

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000

مشاهدات 74

نشر في العدد 1396

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 18-أبريل-2000

الإصلاح يقوم على الصدق والنهضات تبنى على الحقائق، والحضارات تؤسس بالكفاح، والتقدم يأتي بالعمل، ولا يبنى شيء على الكذب إلا الخراب والانحدار والخسران والتأخر وتيه العقول، وضياع الجهود والحسرة والندامة، فمهما تزين الكذب، وتصنع وتوارى خلف المساحيق فلن يكون إلا إفكًا مركبًا أضيف إليه الخداع، وصاحبه الغش وانعدام الضمير، وحينما كنت أقرأ قصة يوسف مع إخوته الكذبة قساة القلوب في محاولتهم خداع أبيهم يعقوب بدعواهم أن الذئب قد أكل يوسف أحسست أن جرم هؤلاء الكذبة قد تعمق بكثرة التمويه والتمثيل الذي صاحب الجريمة حين جاءوا أباهم بمشهد تمثيلي خادع محكم: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ۞ وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف: ١٦-١٨).

وتسببت هذه الجريمة الكذب في صدمات ومحن وضياع للجهود والوقت، كما أدت إلى ظلم وبغي وحسرة لم تندمل طوال ٤٠ عامًا إلا برعاية الله، وصدق الله حين أبان لنا عاقبة الكذب فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: ٢٨).

وكم نلاحظ كثيرًا من البلاد في العالم الثالث تلوك الكذب، وتتحدث به تركزه تارة وتبسطه أخرى تؤكله الأمة وتشربها إياه صباح مساء إشادة بالتقدم، وذكرًا للمدنية والحضارة التي تنعم بها الأمة، وتعيش في ظلالها الشعوب وتظل تردد هذه الأوهام حتى يصدق الناس وتصدق هي نفسها ذلك عاملة بالمقولة التي تتردد في علم الدعايات «اكذب اكذب حتى يصدقك الناس، واكذب اكذب حتى تصدق نفسك»، وأبواق الكذب اليوم أصبحت داوية وعالية وفاعلة، ولقد أصبت بالدهشة حين علمت أن بلدًا في العالم الثالث عنده عشرون قناة تلفازية بين فضائية ومحلية، وأكثر من أربعين صحيفة ومجلة يومية وأسبوعية، وجيوش من الإعلاميين والصحفيين، هذا في بلد واحد، فكم من الأموال تنفق على هذا الكم الهائل من أساليب الدعاية والإعلام، وهل ينفق مثله في التنمية وما رسالة هذا الطوفان الإعلامي أهي الصدق أم الكذب أهي تثقيف الناس وقيادتهم نحو النهضات أم هي لحماية الأنظمة، وتضليل الناس عن الحقيقة المرة، وعن التخلف المحيط وعن عجز القيادات في التخطيط للإصلاح وستر العقول المفلسة في التفكير الحضاري والاقتصادي والتكنولوجي؟

لقد رأيت بعض وسائل الإعلام في تلك الدول تبشر منذ ٤٠ عامًا بالرخاء الذي سيأتي بعد عام أو عامين، أو بعد الخطة الخمسية، فإذا بعد انقضاء تلك المدة جاع الناس وزادت الديون بضعة مليارات أخرى وزادت أرصدة اللصوص الشخصية في البنوك الأجنبية زيادة سخية، ورأيت في المناسبات الوطنية والاحتفالات الرسمية إشادات عدة بالإنجازات الوهمية والآمال الوردية والأحلام السعدية، هذا عدا الألقاب التي تطلق هناك وهناك عن رائد النهضة الحديثة في البلاد، ومجدد شباب الأمة وقائد مسيرتها الخيرة، ثم يتوسع في بعض الألقاب كلما زاد الخراب وانحدرت المسيرة، فيقال: القائد الملهم، والقائد الرمز والبطل، والقدوة، فإذا مات لا قدر الله ولا أقول تنحى، لأن العالم الثالث لا يعرف التنحي أو تحديد المدة، وإنما يكون التنحي على يد ملك الموت.

تولى بعده صاحب النصيب، لأن كل شيء عندنا قسمة ونصيب، وتبدأ الدورة من حيث انتهت في حلقة مفرغة، وتبدأ وسائل الإعلام في إدارة الأسطوانات فتملأ الأجواء، وتسيل أنهار الصحف بالأماني والأحلام والشعارات التمام وإلى متى يطلع الصباح وينطق اللسان بالكلام المباح، ويعيش الناس عصر النهضات الصدق، والرجال الصدق، والأعمال الصدق، والأزمان الصدق، والشعوب الصدق التي تستطيع أن تسأل الصادقين عن صدقهم، وتحاسب الكاذبين على كذبهم، فينفع الصادقين صدقهم، ويؤخذ الكاذبون بظلمهم وبغيهم، ورحم الله عمر بن الخطاب إذ يقول: أيها الناس من رأى في اعوجاجًا فليقومني فرد أحد المصلين قائلاً: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد سيوفنا فقال عمر: الحمد الله الذي جعل في رعية عمر من يقوم اعوجاجه بحد سيفه!

أمة الصدق مع النفس ومع العمل ومع المنهج لا يحتاج الحاكم فيها إلى كتائب من الجند لتحرس ظلمه ولا إلى جيوش من المخابرات لتحمي خطأه وجهله، وكبته للحريات وقطعه للألسن ولا لاتفاقات معينة يطارد بها الناقدين والناقمين، ولا لإعلام يصيح ويطبل ويزمر وينصب زفة سلطاني في كل وقت وحين، ولا جرائد ومجلات تجمل الوجوه، وتستر العيوب.

ولقد رأيت بعدما هالني هذا الكم من وسائل الإعلام عند شعوب العالم الثالث بعض الحركات الإصلاحية التي لها وجود على الساحة رغم مطاردتها ومحاربتها هنا وهناك، ليس لها إعلام ولا إذاعات ولا تلفاز واحد، ولا جريدة، ولا قناة فضائية أو أرضية، ورغم ذلك تملأ الدنيا برجالها دفاعًا عن الأوطان وتربية للشباب، ونشرًا للإسلام وللدعوة، ودافعًا عن المظلومين ومقاومة للمستعمرين والظالمين والباغين، وسندًا للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فقلت: سبحان الله ماذا لو وجد هؤلاء قناة تلفازية أو وسيلة إذاعية تنشر مبادئهم وتذيع أفكارهم وتوجيهاتهم، أو جريدة يقرأها الناس تشرح غايتهم، وتسمع صوتهم وتبين معدنهم، وتعرض خططهم في الإصلاح والنهضة، وفي البناء والتقدم وفي الحضارة والريادة؟ 

ولكن حسبهم أن لهم قدم صدق عند ربهم ولسان صدق عند الله والناس، وحسبهم عزائمهم، وسواعدهم وثقافتهم وأفكارهم وحميتهم وإيمانهم، حسبهم حب الناس لهم وثقتهم فيهم وانتظارهم لهم، وتطلعهم إليهم، ودعواتهم لهم. 

إن هذه الأمم المهضومة قد انتظرت طويلًا نهضات الصدق وحق لها أن تستشرف تلك النهضات علها تودع هذا الغثاء اللاصق والإفك القابع والكذب الظالم، ولكنها ينبغي أن تصدق الله حتى يصدقها الله في يوم ينفع الصادقين صدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم، نسأل الله التوفيق والسداد.. آمين آمين.

الرابط المختصر :