العنوان معالم على الطريق … الأمة بين التيه والقهر
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 09-ديسمبر-2006
مشاهدات 63
نشر في العدد 1730
نشر في الصفحة 41
السبت 09-ديسمبر-2006
لا ندري، بل لا أحد فيما أظن يدري، ما الطريق الذي اختير لتسير عليه الأمة، أو ما الدستور الذي يضبط خطوها ويصرف شؤونها!! ربما لا يعلم إنسان ما الهوية التي تميز الأمة وتحفظ استقلالها وترود مسيرتها وترفع أعلامها. إننا أمة ثرية بدستورها وهو القرآن، وغنية بهويتها وهي الإسلام، وخيرية بحضارتها وهي الأستاذية والعالمية، التي سادت بالعدل والعلم والخلق والمعروف والرحمة والرأفة، إننا بدون تحيز، أمة متميزة محظوظة بتراثها وإسلامها ورجالها وأبطالها وتاريخها المشرف والمشرق في كل شيء، والذي كان يفتخر بالانتساب إليه القاصي والداني.
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم.
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 58) لقد تاهت أمم كثيرة وشعوب شتى قبل ذلك وما زالت، وبعد لأي جهد وضياع، اختارت أسلوب النفاق الحضاري تبعت سبيل المفسدين الذين لا يرعون في الإنسانية إلًا ولا ذمة، ولا في الشعوب عدالة، فكان هؤلاء -بحق- نتاج المذاهب الهدامة للأفكار الضالة والصيحات الهوج، وللأسف سار وراءهم كثير من بني جلدتنا، مقلدين خانعين حتي لو دخلوا جحر ضب لدخلوا معهم، وفي إبط هذا الهرج يقول الإمام البنا رحمه الله:
«في هذا الصخب الداوي من صدى الحوادث الكثيرة المريرة، التي تلدها الليالي في هذا الزمان، وفي هذا التيار المتدفق الفياض من الدعوات التي تهتف بها أرجاء الكون، وتسري بها أمواج الأثير في أنحاء المعمورة، مجهزة بكل يغري ويخدع من الآمال والوعود والمظاهر، من أن نعترف بأن موجة قوية جارفة وتيارًا شديدًا دقاقًا، قد طفى على العقول والأفكار في غفلة من الزمن، وفي غرور من أمم الإسلام، وانغماس منهم في الترف والنعيم.. فقامت مبادئ ودعوات، وظهرت نظم وفلسفات، أسست حضارات ومدنيات، ونافست هذه كلها نبرة الإسلام في نفوس أبنائها، وغزت أممه في عقر دارها، وأحاطت بهم من كل مكان، ودخلت عليهم بلدانهم وبيوتهم ومخادعهم، بل احتلت قلوبهم وعقولهم ومشاعرهم، وتهيأ لها من أسباب الإغواء والإغراء والقوة والتمكن ما لم يتهيأ لغيرها من قبل، واجتاحت أممًا إسلامية بأسرها، وانخدعت بها دول كانت في الصميم والذؤابة من دول الإسلام، وتأثر ما بقي تأثرًا بالغًل، ونشأ في كل الأمم الإسلامية جيل مخضرم إلى غير الإسلام أقرب تصدر في تصريف أمورها واحتل مكان الزعامة الفكرية والروحية والسياسية والتنفيذية منها، فدفع بالشعوب غافلة إلى ما يريد، بل إلى ما ألف وهي لا تدري ما يراد بها ولا ما تصير إليه، وارتفعت أصوات الدعاة إلى الفكرة الطاغية، أن خلصونا مما بقي من الإسلام وآثار الإسلام وتقبلوا معنا راضين لا كارهين مستلزمات هذه الحياة وتكاليفها وأفكارها ومظاهرها، واطرحوا بقية الفكرة البالية من رؤوسكم ونفوسكم، ولا تكونوا مخادعين منافقين معاندين، تعملون عمل الغريبين وتقولون قول المسلمين.
من الحق أن نعرف أننا بعدنا عن هدي الإسلام وأصوله وقواعده، والإسلام لا يأبي أن نقتبس النافع وأن نأخذ الحكمة أني وجدناها، ولكنه يأبي كل الإباء أن نتشبه في كل شيء بمن ليسوا من دين الله على شيء، وأن نطرح عقائده وفرائضه وحدوده وأحكامه، لتجري وراء قوم فتنتهم الدنيا واستهوتهم الشياطين.
حقًا لقد تقدم العلم، وتقدم الفن، وتقدم الفكر، وتزايد المال، وتبرجت الدنيا، وأخذت الأرض زخرفها وازينت، وأشرف الناس ونعموا، ولكن هل جلب شيء من هذا.. السعادة لهم؟ وهل أمن لهم شيء من هذا الحياة أو ساق إلى نفوسهم الهدوء والطمأنينة؟
هل اطمأنت الجنوب في المضاجع؟ هل جفت الجفون عن المدامع؟ هل حوربت الجريمة، واستراح المجتمع من شرور المجرمين؟ هل استغنى الفقراء وأشبعت الملايين التي تفوق الحصر بطون الجائعين؟ هل ساقت هذه الملاهي والمفاتن، التي ملأت الفضاء وسرت مسرى الهواء، العزاء إلى المحزونين؟ هل تذوقت الشعوب طعم الراحة والهدوء وأمنت عدوان المعتدين، وظلم الظالمين؟
لا شيء من هذا، أيها الناس.. فما فضل هذه الحضارة إذن على غيرها من الحضارات، وليس هذا الحسب. ألسنا نرى هذه النظم والتعاليم والفلسفات حتى في العلوم وفي الأرقام يحطم بعضها بعضًا، ويقضي بعضها على بعض ويرجع الناس، بعد طول التجربة وعظيم التضحيات فيها، بمرارة الفشل وخيبة الأمل وألم الحرمان؟
ونحن لابد لنا من أن نقف وقفة جد لنخرج من هذا التيه، وفي هذا ينبغي أن تكون لنا رسالة أولها أن نقف في وجه الغزو الثقافي، وثانيها: أن نعرف تلك المذاهب الفلسفات، حتى لا تتخدع بها ويمن يلوكونها بألسنتهم وأقلامهم وفي هذا يقول الإمام:
«مهمتنا، إذن نحن المسلمين إجمالًا، أن نقف في وجه هذه الموجه الطاغية من مدينة المادة وحضارة المتع والشهوات، التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها هم زعامة النبي ﷺ وهداية القرآن، وحرمت العالم من أنوار هديها، وأخرت تقدمها مئات السنين، حتي تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا، ولسنا واقفين عند هذا الحد، بل سنلاحقها في أرضها، وسنغزوها في عقر دارها، حتي يهتف العالم كله باسم النبي ﷺ وتوقن الدنيا كلها بتعاليم القرآن، وينتشر ظل الإسلام الوارف علي الأرض، وحينئذ يتحقق للإنسان ما ينشده، فلا تكون فتنة ويكون الدين لله ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: ٤-٥)
ومن الحق كذلك أن نعترف بأن جمهور الأمة المسلمة يعتز بتعاليمه ويفخر بتراثه ويحافظ على هويته، لكنه وللأسف يفلت إلى غير ذلك، ويقهر على إتباع سبيل المفسدين الضالين، فهل يزول التيه وتطلع شمس الحقيقة؟ وهل تطلق الحريات ويستلهم الناس تراثهم ويملكون زمام أمرهم؟! وحينئذ يكون الفوز ويطلع الفجر ويفرح المؤمنون بنصر الله.