; معارك النصر في رمضان.. هل تعود من جديد؟ (2 - 2) | مجلة المجتمع

العنوان معارك النصر في رمضان.. هل تعود من جديد؟ (2 - 2)

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2015

مشاهدات 106

نشر في العدد 2085

نشر في الصفحة 17

الأربعاء 01-يوليو-2015

أعد صلاح الدين الأيوبي لمواجهة الصليبيين ما استطاع من قوة وقبل ذلك نشر العدل بين الناس

معركة "حطين" وتحرير القدس كانت مثالاً على شجاعة قائد أخلص لربه ودينه ووطنه وواجه القوة والوحشية بثبات المؤمن وثقة المجاهد

حرب رمضان (أكتوبر 1973م) كانت المبادرة القتالية المصرية صاعقة للغزاة اليهود وقام الجنود المصريون الصائمون بصناعة أروع ملحمة

أثبتت حرب رمضان أن إعداد الجيش على أساس إيماني مصحوباً بالتدريب الجيد والمعرفة المتقدمة يحقق بإذن الله أهداف الأمة مهما كان العدو الذي يواجهه

تغيُّر عقيدة الجيش لمحاربة أبناء وطنه وتفريغه من العقيدة الإيمانية أو الانشغال بأمور الحكم والسياسة تحطم الآمال في مواجهة الأعداء وتأمين الحدود

يحتفظ التاريخ بعشرات المعارك المهمة الأخرى التي تمت في الشهر الكريم، وحققت للمسلمين العزة والكرامة، بما بذلوه من جهد وجهاد وهم صائمون يبتغون وجه ربهم، ويستجيبون لداعي الجهاد والدفاع عن الدين وتأمين بلاد المسلمين. 

كيف كانت هذه الغزوات والمعارك نقطة تحول في تاريخ الإسلام والمسلمين، وقدمت نماذج للأجيال الجديدة في كيفية تجاوز الصعوبات والمعوقات والقصور والانتقال إلى زمام المبادرة والتفوق وهزيمة الأعداء؟ 

وساق الكاتب في الحلقة الأولى من هذا المقال مثالين لبعض تلك الغزوات والمعارك التي تكشف عن تأثير شهر رمضان في إذكاء روح الجهاد والتضحية من أجل تحقيق النصر، وهزيمة الغزاة، ونكمل في هذه الحلقة بقية الأمثلة، وهي:

ثالثاً: معركة "حطين" وتحرير القدس: 

في عهد البابا "أوربانوس الثاني"، تنادى الصليبيون إلى ما يسمى تحرير مرقد المسيح، وتحركت عام 1095م جحافل الهمج، من فرنسا بقيادة بطرس الحافي في اتجاه الشرق، لينضم إليهم في الطريق آلاف الرعاع والهمج، طمعاً في الجنة الدنيوية والجنة الأخروية التي وعدت بهما الكنيسة، مقابل محاربة المسلمين (الكفار!) وتحرير بيت المقدس من قبضتهم.

تتابعت حملات الصليبيين الهمج الذين احتلوا بلاد الشام وفلسطين والقدس، وقضى مئات الألوف من المسلمين ضحايا للهمجية الصليبية، فضلاً عما نهبوه من أموال وثروات، وآثار وتراث، وأقام الصليبيون على أطلال فلسطين والشام ممالك وإمارات حكمها قادتهم، وكان المسلمون في ذلك الحين شيعاً وأحزاباً تشتعل العداوة فيما بينهم، ويتقاتلون من أجل السلطة على كيانات صغيرة وهشة، ويسارع أمراؤهم إلى تملق الصليبيين واسترضائهم والاستعانة بهم ضد بعضهم بعضاً، لدرجة أن أخاً استعان بهم ضد أخيه في بلاد الشام! 

وشاءت إرادة الله أن يهيئ بعض القادة المسلمين المخلصين ليستعيدوا زمام المبادرة بعد نحو خمسين عاماً من الاحتلال الصليبي الاستيطاني لبلاد المسلمين، فيقاتلون الصليبيين قتالاً عنيفاً، ويحررون مدناً وإمارات من قبضتهم كما فعل عماد الدين زنكي - رحمه الله - الذي حرر إمارة "الرها" عام 1144م، وواصل خَلَفُه نور الدين محمود - رحمه الله - التصدي لهم؛ فمَدَّ نفوذَه إلى دمشق عام 1154م، وجاء القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي - رحمه الله – ليتوج تلك الانتصارات بمعركة "حطين" الشهيرة التي استُرِدَّ بعدها بيت المقدس عام (583هـ - 1187م).

لقد أعد صلاح الدين الأيوبي لمواجهة الصليبيين ما استطاع من قوة، وقبل ذلك نشر العدل بين الناس، وأقام القلاع والحصون، وجعل من نفسه مثالاً في الزهد والإخلاص والتقوى، واستعمل رجلاً مخلصاً حازماً كان بمثابة ذراعه اليمني هو بهاء الدين قراقوش، وقرب منه الأخيار والناصحين، وحارب الباطنية والحشاشين والفاسدين، وكان يعلم أن الصليبيين ليسوا من السهولة بمكان، فتوكل على الله - سبحانه وتعالى - ورتب صفوف الأمة، وخطط للجهاد طويل المدى.

اشتبكت جيوش المسلمين التي يقودها صلاح الدين بجيوش الصليبيين في "حطين"، وكان ذلك في عام 583هـ - 1187م، وانتهت المعركة بنصر ساحق للمسلمين وتدمير تام للجيش الصليبي الذي بلغ عشرين ألفاً وكان يفوق جيش صلاح الدين، ثم تقدم صلاح الدين نحو القدس، بعد أن استسلم له حصن "طبرية"، وفتح "عكَّا"، واستولى على "الناصرية"، و"قيسارية"، و"حيفا"، و"صيدا"، و"بيروت"، وحاصر صلاح الدين القدس التي تحصّن فيها الصليبيون واتَّخذ من "جبل الزيتون" مركزاً له، وأخذ يرمي أسوار المدينة بالحجارة عن طريق المجانيق التي أمامها، ففرَّ المدافعون، وتقدَّم المسلمون ينقبون الأسوار، فاستسلم الصليبيون وطلبوا الصلح، واتفق الطرفان على أن يخرج الفرنجة سالمين ويدفع الرجل عشرة دنانير، والمرأة خمسة، والصبي دينارين، ووفَّى المسلمون لهم بهذا الوعد، وكان ضمن من خرجوا "البطريرك الأكبر" يحمل أموال الكنائس، وذخائر المساجد التي كان الصليبيون قد غنموها في فتوحاتهم.

كانت معركة "حطين" وتحرير القدس مثالاً على شجاعة قائد أخلص لربه ودينه ووطنه، وواجه قوة وحشية أكبر منه بثبات المؤمن وثقة المجاهد، وكان بعد ذلك وقبله مثالاً للقائد المتسامح الذي عالج أعداءه طبياً، وأطلق سراح النساء الأسيرات وأزواجهن وأولادهن، وحل كثيراً من مشكلات هؤلاء الأعداء بعد تحرير القدس بروح القيم الإنسانية العظيمة. 

رابعاً: العبور وحرب رمضان:

هذه الحرب التي كانت فريدة في التاريخ الإسلامي الحديث جاءت بعد هزيمة ساحقة عام 1967م، استولى فيها الغزاة اليهود على قطاع غزة وسيناء والضفة الغربية والقدس العتيقة وغور الأردن والجولان ومزارع لبنان، وأذاقت الأمة ذلاً غير مسبوق، وألحقت بها عاراً لم يمح تماماً حتى اليوم! 

كنت مجنداً مستبقياً في جيش بلادي بعد الهزيمة، وظللت نحو ست سنوات، وخرجت بعد العبور وحرب رمضان عام 1974م، كانت السنوات ما بين الهزيمة والعبور كئيبة وقاتمة وقاسية، عبرت عنها في مناسبات عديدة وأنواع أدبية مختلفة، شهدت هذه الفترة إعداداً عسكرياً صارماً وحازماً قام به عدد من القادة المخلصين الذين كان جزاؤهم فيما بعد النفي أو السجن أو الإهمال! كان شعار الإعداد والتدريب "نقطة عرق تساوي نقطة دم"، أي إن بذل العرق يوفر الدماء، ومن خلال التخطيط العلمي، والعقيدة التي تملأ النفوس والقلوب، والرغبة في التضحية والشهادة كان ظهر العاشر من رمضان 1393هـ، السادس من أكتوبر 1973م بداية ملحمة عظيمة تم فيها تدمير أقوى خط دفاعي للعدو، وكان يسمى خط بارليف، وعبَر عشرات الألوف من الجنود ومئات الدبابات والمدافع والمدرعات قناة السويس بصورة دقيقة وسلسلة تفوق سهولة تدفق المرور في ميدان التحرير كما قيل آنئذ. 

كانت المبادرة القتالية المصرية صاعقة للغزاة اليهود، وقام الجنود المصريون الصائمون بصناعة أروع ملحمة، وحققوا الغاية المستهدفة من الحرب، ولكن من لا يفقهون في العسكرية تدخلوا في توجيه الأحداث، فحدثت الثغرة عند منطقة اسمها الدفرسوار، والتبست الأمور وتوقف القتال بناء على قرار من الأمم المتحدة، وكانت مفاوضات واتفاقات أفرغت النصر العظيم من مضمونه، وبعد أن كان العالم العربي موحداً طوال أيام الحرب تحول بعدها إلى مجموعة من الأصوات المختلفة المتناقضة، وهرب بعض العرب من واجباته القومية، وخاصة بعد ما عرف باتفاقيتي "كامب ديفيد"، واستعاد العدو الصهيوني زمام المبادرة السياسية والعسكرية مرة أخرى! 

ومهما يكن من أمر، فقد أثبتت حرب رمضان أن الجيش حين يعد على أساس إيماني مصحوباً بالتدريب الجيد والمعرفة المتقدمة؛ يحقق بإذن الله أهداف الأمة، مهما كان العدو الذي يواجهه، ولكن حين تتغير عقيدة الجيش ليحارب أبناء وطنه ويتم تفريغه من العقيدة الإيمانية، أو يتحول إلى جيش استعراضات ومناسبات، أو ينشغل بأمور الحكم والسياسة؛ فإن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح؛ وبالتالي فلا أمل في مواجهة الأعداء بطريقة فعالة، ولا ثقة في تأمين الحدود. 

وبعد: 

فإن الغزوات والحروب والمعارك التي جرت في رمضان كانت تعبيراً عن تجليات الإيمان في أصفى صورها وأنقاها، حيث الجهد المخلص، والأداء الرائع، والرغبة القوية في إرضاء الله وتحقيق النصر أو الشهادة، وتجاوز الفارق بين قوة العدو الضخمة، وإمكانات المسلمين المحدودة. 

للمزيد، يمكن للقارئ الكريم أن يراجع:

- الحروب الصليبية ما رآها العرب لأمين معلوف.

- مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي.

- مذكرات الفريق محمد عبد الغني الجمسي.

الرابط المختصر :