; مصير آسيا الوسطى بعد سيطرة يلتسين | مجلة المجتمع

العنوان مصير آسيا الوسطى بعد سيطرة يلتسين

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

مشاهدات 65

نشر في العدد 1072

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

روسيا بين إرث الشيوعية وتحديات التحول

الأزمة السياسية العنيفة التي شهدتها موسكو أخيرًا ليست سوى صورة مصغرة لتجذر التناقضات الأيديولوجية والعرقية الكامنة زمن سيطرة عقلية الحزب الواحد في الإمبراطورية الشيوعية، والتي بدأت تطفو على السطح منذ تصدع الاتحاد السوفيتي وبروز هيمنة روسية حليفة للغرب. فقد عاشت موسكو أيامًا عصيبة منذ الانقلاب الذي قام به يلتسين بحلِّه البرلمان الروسي، وتحول الصراع بين خليفة غورباتشوف وخصميه العنيدين حسبولاتوف رئيس البرلمان والجنرال روتسكوي نائب الرئيس من بُعدَيْه السياسي والدستوري إلى صدام دموي بين الجيش والجهاز الأمني من ناحية، والمرابطين بالبرلمان وأنصارهم من التيار المتجذر الذي يحن إلى عهد الإمبراطورية الشيوعية من ناحية أخرى.

واقع التدهور الاقتصادي والأمني

▪ تدهور سياسي واقتصادي لكن الأهم من تفاصيل الأحداث هو ما ستسفر عنه على المدى القريب والبعيد، فالسؤال المطروح: إلى أين تسير «روسيا الجديدة». بعض الخبراء يعتقدون بأن ما حدث هو بمثابة عملية جراحية ضرورية لإنقاذ الإصلاحات الاقتصادية والنهج الذي سار فيه يلتسين منذ الإطاحة بغورباتشوف، والبعض الآخر يرى أن الرئيس الروسي الحالي كسب جولة، لكنه لم يربح المعركة بينه وبين التيار المعادي له ولسياساته.

وحتى لو تم إيداع رمزَيْ هذا التيار في السجن ومحاكمتهما، فإن المعارضة ستستمر بنفس التحدي إن لم يكن بشكل أعمق بعد سقوط قتلى وسفك الدماء في عقر دار ما يفترض أن يكون قلبًا نابضًا لإرادة الشعب.

من جهة أخرى فإن المشكلات الداخلية الروسية قد تعقدت بتردي الأوضاع الاقتصادية إلى جانب الأزمة السياسية في أعلى مستويات هياكل الدولة، والتقارير الصحفية تؤكد تدهور القدرة الشرائية للمواطنين الروس وارتفاع الجريمة إلى حد تشبيه موسكو بشيكاغو في الثلاثينيات «لوموند ديبلوماتيك عدد يوليو 1993» وسيطرة المافيا على المفاتيح الاقتصادية.

المؤسسة العسكرية وتناقضات الهوية

ثم إن المؤسسة العسكرية ما زالت تشقها تيارات متجاذبة، فإذا كانت قد وقفت إلى جانب يلتسين في المرحلة الحاسمة من الأزمة الأخيرة، فإن هناك مؤشرات لوجود انشقاقات بين قسم يؤمن بنجاعة الإصلاحات في العهد الجديد وبين شق كبير من الجيش تربى على فلسفة «روسيا الكبرى» وعلى عقلية الاستعلاء منذ عهد الإمبراطورية القطب الثاني في العالم وجيشها الأحمر الذي لا يُقهر.

بيد أن تفكك الإمبراطورية كان بمثابة الشرارة التي فجرت التناقضات التي بقيت كامنة تحت الحديد والنار، وبرزت على السطح النعرات العرقية والخلافات القومية والفوارق الأيديولوجية، وانبرَت العديد من الشعوب تطالب باستقلالها وتدافع عن هويتها، وهو ما يفسر عمق الشروخ التي خلفتها الشيوعية داخل الإمبراطورية السوفيتية سابقًا، والمعارك الضارية التي دارت في جورجيا بين الانفصاليين الأبخاز والقوات الجيورجية بقيادة وزير خارجية غورباتشوف سابقًا شيفرنادزه أكبر دليل على حدة التناقضات العرقية والقومية.

حلم روسيا الكبرى والدور الإقليمي

▪ حلم روسيا الكبرى واليوم تطرح على القيادة الروسية تحديات كبرى داخلية وخارجية، والدعم الغربي اللا مشروط ليلتسين الذي برز في عدة مناسبات «المحاولة الانقلابية ضده في أوت=أغسطس 1991 واستقباله في اجتماع الدول الست الصناعية بطوكيو ودعمه ماليًا والأزمة الأخيرة» يعكس مدى حرص الغرب على أن تلعب روسيا دور الاتحاد السوفيتي سابقًا کشرطي المنطقة، في نفس الوقت الذي يحافظ فيه على المصالح الغربية عبر تطبيق اقتصاد السوق والنمط الغربي الثقافي والسياسي. وفي المقابل يحقق يلتسين ورفاقه أهدافهم المصلحية في البقاء في السلطة من ناحية، وفي إقامة «روسيا الكبرى» على أطلال الإمبراطورية المنحلة.

ويمثل الهدف الثاني إحدى المعضلات التي تواجه سلطة يلتسين، والأزمة الأخيرة كرَّست التساؤلات حول مستقبل الفيدرالية الروسية في ظل ضعف المحور بسبب الصراعات الفوقية. ومعلوم أن المتمردين على يلتسين هم من الذين يطرحون بقوة مسألة الهوية الروسية، ويتهمون الرئيس الحالي بالضعف أمام التهديدات القائمة داخل الفيدرالية «الشاشان- وتاتارستان بالخصوص»، وعلى حدودها «مولدافيا والقوقاز وطاجيكستان»، ومن بين العناصر التي يعتمدها ذوو النزعة السوفيتية الدفاع عن الأقليات الروسية وتأكيد القوة الروسية في العالم.

استراتيجية "الغريب القريب"

▪ الغريب القريب إلا أن الواقع أثبت أن يلتسين رغم التظاهر بالانفتاح والمرونة، فإنه يلتقي مع دعاة روسيا الكبرى في سحق النزعات الاستقلالية، خاصة إذا كانت خارج دائرة الهيمنة الروسية، وأكبر الأطراف المتضررة من هذه السياسة هي الجمهوريات الإسلامية التي تتمتع بخبرات وثروات هائلة «بشرية واقتصادية»، حيث تم ضرب كل مظاهر الصحوة الوطنية- الإسلامية وكل بوادر التحرر من الهيمنة الروسية. وما حدث في طاجيكستان يعكس الدور الجديد الذي تلعبه روسيا- يلتسين في محاصرة المد الإسلامي، ومنع كل تأثير خارجي لاستقطاب الصحوة سواء من الطرف التركي أو الإيراني أو غيره.

وتدخل هذه السياسة في إطار ما يسمى بالتعامل مع «الغريب القريب»، وهي العبارة المستعملة في الدبلوماسية الروسية للتعريف بالجمهوريات السوفيتية القديمة، والجمع بين فكرتين شبه متناقضتين «غريب- قريب» يعكس الازدواجية في النظرة إلى العنصر غير الروسي. وقد ذهب أوجيني أميار تسوموف رئيس لجنة الشؤون الدولية في البرلمان إلى طرح قراءة روسية لنظرية منروا خامس رئيس أمريكي عام 1820 حيث قال: «يجب أن تقام الفيدرالية الروسية في سياستها الخارجية على النظرية التي تعتبر أن دائرة المجال الحيوي لروسيا هو الفضاء الجغرافي- السياسي للاتحاد السوفيتي سابقًا...».

التوقعات المستقبلية

ويبدو أن الحصار على هذه الجمهوريات سيقوى بعد التصفية الدموية لعناصر التيار الراديكالي وتهيئ المناخ لتكريس سلطة يلتسين في الانتخابات الرئاسية القادمة المقررة لشهر يونيو 1994.

وفي انتظار هذا الموعد سيبقى الاتحاد السوفيتي سابقًا على فوهة بركان، واحتمال انفجارات جديدة في إطار تصفية تركة الإمبراطورية الثقيلة، وتبقى منطقة آسيا الوسطى مرشحة لأن تكون شرق أوسط جديد بعد تطبيع العلاقات العربية- الإسرائيلية والتطبيق الفعلي لاتفاق أريحا- غزة أولًا.


انظر أيضا:
 بوريس يلتسين.. يسألون: هل أنت ديمقراطي؟


 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل