العنوان مصالحة المغرب والجزائر ... آمال...ومحاذير
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1983
مشاهدات 63
نشر في العدد 613
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 22-مارس-1983
·
بلغت القطيعة يبن الشقيقتين درجة حرم فيها
عبور الطائرات!
·
هل يتفوق عداؤنا لبعضنا على عدائنا لأعدائنا؟!
·
الصراع الدولي يزداد سعاره على العالم
الإسلامي
·
مفهوم الوطنية التقليدية ما زال يجهز على
تمزيق الجسد المسلم!
كانت
الطائرات المغربية (المدنية) تتفادى السماء الجزائرية؛ لأنها مصنفة في
درجة واحدة مع إسرائيل أو ربما أكبر! لذا كان متوجبًا عليها أن تتخذ مدارًا
بعيدًا أو أن تسلك سماء البحر الأبيض العريض حتى تصل إلى تونس مثلًا! وإذا واتتها
حالة هبوط اضطراري وكانت بعيدة عن تونس فإن الأصوب لديها أن تذهب إلى ميناء
أوروبي- مهما بعد- لأن الموانئ الجزائرية غير مستعدة لإيواء طائرات
الأعداء!
إلى
هذا القاع تردت العلاقات الجزائرية المغربية؛ لذا حينما سمحت رئاسة الجمهورية
الجزائرية للطائرات المغربية بالمرور عبر أجوائها اعتبر المراقبون ذلك نقطة تحول
أساس في الموقف الجزائري، وبداية معتبرة لعهد جديد من العلاقات بين البلدين
الشقيقين- حقًا- واللذين فرقت بينهما المذاهب والأفكار لدرجة تجعل
المسافة بين كليهما أبعد من المسافة بين إحداهما وبين إسرائيل مثلًا!
أصل المشكلة:
كان
محور الاختلاف بين البلدين قائمًا على قضية الصحراء التي كانت هينة في بدايتها ثم
تطورت حتى غدت قضية شرق أوسط جديدة مرشحة للخلافة في المنطقة إذا ما
انتهت المشكلة الأم!
وملخص
الأمر أن الصحراء التي كانت تحت الاحتلال الإسباني لفترة طويلة تعتبرها المغرب
جزءًا أصيلًا من أرضها وتتنازع مع موريتانيا في ذلك وفي أثناء هذا قامت حركة
صحراوية تطالب بجمهورية مستقلة للصحراء عن كل الأطراف المقاتلة عليها ووجدت
السياسات الخارجية بغيتها في توجيه هذه القضية في الوجهة التي تخدم مصالحها أو
تعوق أعداءها لا سيما من جانب الجزائر وليبيا.
ومعلوم
أن الجزائر وليبيا تشكلان وجهًا أيدولوجيًا مخالفًا للنهج المتبنى في السياسة
المغربية والتي تصنف بشكل آخر عن المنطقة- وهذا صحيح- وبحكم طبيعة
النظام والتركيبة الاجتماعية الخاصة اتجهت المغرب في سياستها اتجاهًا معاكسًا
تمامًا للجزائر التي تعد جمهورية مؤسسة على فكرة وتنظيم يتخذ من بعض المبادئ
مدارًا وهدفًا لتحقيق وجوده.
حقيقة الصراع:
من
هنا فإن الوجه السياسي للصراع كان سطحًا ظاهريًا للقضية اتخذ من الصحراء وسيلة
للتعبير عن نفسه. أما الصراع الحقيقي فقد كان صراعًا أيديولوجيًا ومبدئيًا
بين نظامين ونهجين مختلفين تمام الاختلاف.
وحتى
إذا نظرنا لمطالب الصحراويين لوجدناها معبرة عن وجه من وجوه الأفكار الغريبة التي
تقلقل المنطقة الإسلامية كل يوم. فإضافة إلى الصبغة الواضحة لجبهة
البوليساريو كجبهة مؤسسة على الأفكار الاشتراكية فإن مفهوم الوطنية الإقليمية
القومية الضيق يشكل محضنها الأساسي. فهي تصنف نفسها وفقًا للمنظور الغربي
الذي أحال الجسد الإسلامي إلى أشلاء منثورة في شكل دول ودويلات تفوق «دول
الطوائف» الأندلسية بأضعاف مضاعفة. فهذا المفهوم الغازي والذي ترسخ حتى
اعتبره البعض أصلًا تقوم عليه الأمم وكياناتها. هو القاعدة التي تنطلق منها
المجموعات المنادية للجمهورية الصحراوية وتحت هذا الشعار استطاعت أن تنال اعتراف
ست وخمسين دولة مختلفة من دول العالم كما أن المعسكر الشرقي والشيوعي يراهن عليها
كقطعة مزروعة هناك إن لم تؤت ثمارها الإيجابية الكبرى بالمساهمة في تغيير البنية
في تلك البقعة فهي كفيلة بأن تنهك المنطقة وتستنزفها إلى ما لا نهاية وهو خير
استشهاد للمزايدين على مختلف معسكراتهم شرقيين كانوا أو غربيين.
الذريعة المنشودة:
إن
الصراع الدولي على المنطقة الإسلامية يزداد سعاره كل يوم وهو على أهبة الاستعداد
للتدخل في كل وقت وحين. وقد وجد في قضية الصحراء ذريعة مناسبة لوجوده المكثف
والمباشر حتى إنه ليذكر بعهود «الحماية» الاستعمارية المباشرة التي كانت
ستارًا لنفس الأهداف السائدة اليوم بل لعلها كانت أقل خطرًا من الأهداف غير
المتناهية اليوم للطاغوتين أميركا وروسيا.
لذا
فحينما شعر المغرب بالدعم «الشرقي» للبوليساريو بالطرق المباشرة أو عبر
الممثلين والحلفاء والأصدقاء. ثم لما تنامت ترسانة الأسلحة السوفيتية من خلال
ليبيا على وجه أخص وما كانت تشير إليه الدلائل من أن ليبيا هي الجزائر بحكم ما ربط
بينهما طوال الفترات الماضية منذ بزوغ نظام القذافي ونشوء مختلف التحالفات
والمعاهدات بينهما، لم يأمن المغرب على نفسه واستنجد بالبيت الأبيض الذي لم يخذل
تطلعاته.
ولعله
كان من الأهداف أيضًا اختبار السلاح الأميركي وفعاليته إزاء السلاح الروسي
فالحلفاء هم الميادين الحقيقية لاختبار قوة الطواغيت الكبار -أميركا وروسيا- ولا
مثير طالما أن التكاليف زهيدة لا تتعدى بضعة الملايين من الدولارات
وضحايا- وإن كثروا- فإنهم لا ينتهون لعالم الكبار!
تعليلات:
قيل
إن شعوب الجزائر بحتمية دخول المنطقة في حرب الصراع الدولي غير الشقيقة جعل
سياستها الخارجية تقدم العوامل الواقعية على العقدية أو تقلل منها ولو بطريقة
عابرة ومؤقتة إلى أن يتيسر سبيل آخر لتحقيق الطموح العقائدي- إن بقيت ناره
مشتعلة- نقول ذلك وفقًا للتصريح الذي طعن به الشاذلي بن جديد حليفه القذافي
إذ وجه القول إلى هذا قائلًا إننا لسنا في حاجة لمن يلقننا دروسًا في الاشتراكية
ومكافحة الاستعمار! والحق أن بن جديد ليس في حاجة لهذه الدروس وهو مهيأ
لإلقائها أكثر من تلقيها ولكن هذه العبارة توضح من ناحية أخرى خمود الروح
الثوري- كما يقول الرفاق- فهذا القول له دلالته البعيدة إذا كان اعتباره
بصدوره عن ربيب قديم للثورية والاشتراكية.
على
كل رجح المراقبون والمحللون أن خوف الجزائر من تورط الشمال الإفريقي في الصراع
الدولي من خلال الوقوع بين براثن الطاغوت الأميركي في شكل المغرب لم يعد
بالأمر الذي يمكن التهاون فيه.
خاصة
أن الحكم التونسي كصديق للغرب يقبع من وراء، محيطًا بها من مواقع أخرى، فوجودها
إزاء حكمين ذوي اتجاه غربي ليس بالأمر السهل، ومزاج حليفها
المتقلب «القذافي» وثوريته الشاطحة لا تجعلها قريرة العين دائمًا كما أن
تقييمها للقضية التي تراهن عليها «الصحراء» أثبت لها أن الأرباح
المتوقعة ليست بمقدار الجهد والتكاليف المبذولة. ثم إن الإستراتيجية العسكرية
الجديدة للمغرب في حرب الصحراء أعادت موازين القوى لصالحه وربما قلبت المعادلة من
أساسها.
والمعاناة الداخلية:
إن
الحروب مهما صغر حجمها فإن تكاليفها باهظة جِدًا، وحتى بالنسبة للدول الواسعة
الثراء إذا ما دخلت في حرب تحولت ثرواتها إلى سيجارة تحرق في دقائق! فكيف
بدول صغيرة محدودة الدخل والإنتاج؟
وهذا
ما صح سواء بالنسبة للمغرب أو للجزائر فقد أنهكتهما هذه الحرب أو زادتهما إنهاكًا
على إنهاك- دخلت الحرب عامها التاسع- ومعتمد ثروات البلدين- والغاز
والفوسفات- صارا في محك خطر بعد أن دخلا لعبة الأسعار الدولية.
ثم
إن خطط التنمية في كلا البلدين صارت معوقة بهذه الحرب، بل لعلها عادت بها خطوات
إلى الوراء، وكلا النظامين تتعالى همسات الامتعاض في أوساط مواطنيهما مما
أعادهما لصوابهما وجعلهما يعيدان النظر في تصرفاتهما القديمة.
وكل
هذا مضافًا إلى ما سبق سرده أعاد القضية إلى حجمها الحقيقي ومهد للمصالحة بين
البلدين (الشقيقين).
وتعليل آخر:
وهناك
تعليل آخر غير معلوم لدى جمهرة الناس وإن كان بعض المحللين يشير إليه من طرف خفي،
يتصل هذا التعليل بما يقال ويشاع عن تنامي المد الإسلامي في الشمال الإفريقي في
عمومه وفي المغرب والجزائر على وجه الخصوص وأن الخوف من تناميه كان حادًا أولًا
للتراجع عن المواقف، والحق أننا وإن كنا نستبشر بزوال الخلافات وتلاشيها
أو ضيق الفجوة بين المسلمين إلا أننا نعرف أنها كثيرًا ما يكون ظاهرها الرحمة
وباطنها من قبله العذاب!
وفي
الفترات الأخيرة جمعت بين مختلف الأنظمة السائدة في الساحة العربية على
مختلف أهوائها وتشعباتها وبكل التناقضات التي تعج بها هم واحد هو: تنامي المد
الإسلامي.
ونكاد
نرجح مع من رجح بأن هذه المسألة هي التي جعلت كلا النظامين في المغرب والجزائر
يتناسى خلافاته الجذرية ويبحث عن سبيل جديد يجعله ينصرف إلى التفرغ لمواجهة همومه
الداخلية وفي أولها هذا الهم.
وضيق
الحكومة الجزائرية بأصوات المعارضين وإيعازها للحكومة الفرنسية بطرد بن بيلا من
باريس مضافًا إلى موجات التضييق وحملات التبشيع الداخلية للإسلاميين شواهد قائمة
على صدق ما نقول، وأما المغرب فإن حرب نظامه مع الإسلاميين قديمة ووسائل مضايقته
لهم تشكل نهجًا متفردًا بذاته!
ولكن:
وسواء
صح هذا الاحتمال أو ذاك فإن القضية الأساسية تبقى قضية الأنظمة وتلهيها بالمشكلات
الجانبية عن القضايا المصيرية ويكفي قضية الصحراء مثالًا على هذا فطوال ثماني
سنوات كانت هذه الحروب استنزافًا لمختلف الموارد وبلا هوادة ولو توفر نصف ما أنفق
فيها على قضايا الأمة الحقيقية لكان إنجازًا رائدًا. ولكن بنية الأنظمة
السائدة في الساحة اليوم ميسرة للهدم أكثر من البناء ونأمل أن يكون درس السنوات
المنصرمة من القطيعة بين الأشقاء والتضييع للموارد سبيلًا للتصحيح للمسيرة لكلا
النظامين ومن وراءهم أيضًا من بقية الأنظمة التي تماثلها في كثير من خصائصهما. وإلا
فإن للضياع أجلًا لابد أن يبلغه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل