العنوان مصارحة مع شاب مختلف
الكاتب سلمان بن فهد العودة
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1935
نشر في الصفحة 36
السبت 15-يناير-2011
بني الكريم، أشكر تواصلك وعتابك، ففي العتاب حياة بين أقوام، فلقد سرني أنك تسمعني وتقرؤني، فتتفق أو تختلف معي، فأنا لا أكتب ولا أتحدث لأملي حقائق مطلقة لا يتطرق إليها الشك، ولكنها مذاكرات ومفاكرات هي عندي الآن صواب، وقد يرى سواي فيها ما لا يوافقني عليه.
إنني أحاول أن أكون بريئًا من التعصب بكل ألوانه وأشكاله، وأعالج ضميري الذي لا يراه الناس من كل أثر من تعصب لأحد أو تعصب على أحد،وأتعاهده ألا يركن إلى قول لمجرد أنه يألفه أو يحب صاحبه.
وأردد كلمة الشيخ السلفي المتصوف أبي سليمان الداراني - يرحمه الله- الذي يقول: إن الخاطر يمر على قلبه فلا يقبله إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة.
وإني أمل بحبي لك وحدبي عليك أن تحاول ما أحاول، وتفتح عينيك على ذاتك، وتجهد لاكتشاف مغاراتها ودهاليزها وظلماتها، بنور الصدق والإيمان والتجرد من العصبيات، حتى العصبية للنفس ذاتها ...
لنكن صرحاء.. حين نتحدث عن »التخلف« أو عن »التعصب»، فهل نستطيع أن نستثني أحدًا منه من الجماعات والفئات والطوائف وسائر الانتماءات؟
لنكن صرحاء.. من هم الذين يستطيعون أن يقولوا: نحن معياريون مثاليون.. أو حتى محاولون للمثالية، بريئون من العصبية لانتمائنا المذهبي أو الطائفي أو المناطقي أو الفكري؟
أن يوجد فرد يحاول فنعم، أما الجمع كله فلا، وكلنا في »الهوا سواء«!
بني العزيز، لم أدخر وسعًا في نقد القريبين مني، وتفنيد ممارساتهم وتصحيح ما أظنه خطأ في سلوكياتهم، وأنا بهذا أمارس حبا جارفًا يجعلني أتصورهم في المستقبل على أفضل حال، وأحب أن يتجردوا من عصبياتهم وأهوائهم ونزعاتهم المنحرفة، وأن يفضوا إلى ميدان الحرية الحقيقية، والتفوق على الذات والاستسلام لأمر الله، والتسامي عن الأنانيات والأهواء.
بني المحب، سأصدقك القول، فمع الزمن صرت أكثر حرصًا على استعمال اللغة الطيبة الهادئة، وتجنب ما قد يفضي إلى تحريض أو عداوة أو جفاء، وأن أتمثل التوجيه الإلهي بالكلمة الطيبة والقول اللين والقول السديد والقول المعروف والقول الحسن، وفي ميدان الجدل ألا أنحط إلى ما يتنافى مع ذلك، بل أحاول التسامي إلى المجادلة بالتي هي أحسن...
ولكن لن أدخر الجسد الإسلامي من النقد والنقد عندي علامة الانتماء وبرهان الصفاء، ودليل المحبة خاصة وأنني لا أنتقد فردًا ولا سلوكًا خاصًا،إنما أنتقد ظواهر عامة، وسلوكيات ذائعة، وأفكارًا شائعة، وأنماطًا موروثة،ومسلمات أكل الدهر عليها وشرب، وفيها يكمن داؤنا، فهذا سر تخلفنا وبعدنا عن الله، وإفلاسنا في الحياة، وما لم تملك الشجاعة في إخراجها من قلوبنا أولًا. ثم من مجتمعاتنا فستظل أحلام النهضة مجرد أمان لا رصيد لها !
إذا كان المرء ينتقد جماعته وأهل بلده وأهل مذهبه وجيرانه وموافقيه.. فلم لا ينتقد غيرهم؟ ولماذا يكون مطلوبًا منه الحياد في كل ما يخص الآخرين؟!
كاتب ينتقد ظواهر سعودية بانتظام... ليس حجرًا عليه أن ينتقد ظاهرة مصرية أو عراقية إذا تجرد من العنصرية والإطاحة ...
ومتحدث ينتقد أداء بعض السنة ومخالفاتهم واختلافاتهم، فلا يعيبه أن ينتقد ممارسة شيعية أو صوفية إذا أنصف وعدل وراعي الاعتبارات الشرعية والمصلحية، ولم ينطلق إلا من رغبة الإصلاح والتصحيح؟ والعكس من ذلك صحيح أيضًا.
الجسد الإسلامي كله مثخن بالآفات والأدواء والعيوب وربما كان صحيحًا أن الذي هو خارج الدائرة لا يكون لنقده المصداقية والتأثير كالذي في داخلها ... وأعلم جيدًا أن عامة المتحدثين والكتبة يسهل عليهم نقد المخالف ووصمه ونبذه ولمزه بكل أريحية، وهذه ليست عندي شجاعة الشجاعة أن ينتقد المرء نفسه وجماعته، فما ذنبي أيها الحبيب الواصل إذا كنت أشعر بأنني معك، وأنك معي، وأن الحبال الواصلة يجب أن تكون أقوى من الأسوار والحواجز التاريخية أو الجغرافية؟ لن تلغي الحواجز من عقول ونفوس ألفتها وصارت جزءًا من كينونتها وهويتها، فلنحاول تخطيها بشجاعتنا ووعينا بذواتنا.
إن الكلمة الصادقة الهادئة المنطلقة من الحب والإخلاص الملتزمة بالأدب سيكون لها تأثير على المدى الطويل... كيف لا .. وهي الشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل