العنوان مشهدان على المسرح الديكتاتوري العربي
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994
مشاهدات 75
نشر في العدد 1095
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 12-أبريل-1994
أينما أمعنت النظر والفكر في الرقعة الإسلامية الممتدة على سطح الكرة
الأرضية يصدم الإحساس ويفجع الشعور لسيطرة العديد من النظم الديكتاتورية على
العديد من الأقطار والملايين من العباد، وهي في شغل شاغل ليس من أجل تلبية وتوفير
حاجات وفي مقدمتها الأمن والأمان والكفاية والعدل.. ولكن من أجل تثبيت الأقدام في
السلطة وضمان استمرار النفوذ والسلطان، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الكسب والمنافع
والمغانم ولو على حساب أرزاق وأقوات ملايين الضحايا، وصولًا إلى تضييق الخناق حول
الأعناق وتزييف الإرادات وسلب ومصادرة الحريات.
وديكتاتورياتنا الميمونة تتحرك في تكاياها كما يتحرك المدربون في
السيرك أو أصحاب مسرح العرائس خلف المسرح.. في السيرك يحركون القطعان بالترغيب
والترهيب، وإن كان الترهيب قد صار من نصيب الصفوة والعامة، أما الترغيب فهو من
نصيب أهل النفاق والرياء والمطبلين والمنتفعين. أما في مسرح العرائس فيمسكون
بالخيوط بين أصابعهم يحركون الدمى عابسة وضاحكة... هابطة وصاعدة وحسب المزاج
الديكتاتوري.
والمشاهد على مسرح العرائس أو سيرك الديكتاتوريات عديدة متلاحقة؛ جانب
منها يدعو للأسى والألم، ويبعث الغم والهم، وجانب آخر يدعو للعجب والدهشة والسخرية.
المشهد الأول
على المسرح الديكتاتوري
الصدامي في العراق حيث يحتجز العشرات، بل المئات من أهل الكويت دونما ذنب جنوه أو
جريمة اقترفوها.. ورغم هذا يحلو للبعض أن يسميهم بالأسرى وهي تسمية أحسب أنها تدعو
بدورها للعجب والألم، فالمعروف أن الأسرى هم الذين يُؤسرون في حرب بين طرفين
متحاربين أو في مواجهة بين فريقين مسلحين، أما أبناء الكويت المحتجزين عند صدام
حسين فلم يشهروا في وجه الديكتاتور سلاحًا ولا ينازعونه أو يناوئونه سلطة
وسلطانًا، ولم يجتازوا له تكية، بل هو الذي غزا ديارهم بليل وهم نيام عزل.. فروّع
أمنهم وشرد ألوف الأطفال والنساء، بعد أن ظل لسنوات يرفع شعارات القومية والأخوة
العربية وحرمة الحدود والعدوان على الجيران.. ثم تنكر لكافة الشعارات، وركل برجله
كافة العهود والوعود.. فاجتاز الحدود وعاث في أرض الكويت فسادًا وسلبًا ونهبًا،
وقام بترحيل المئات من الأبرياء المختطفين ليحتجزهم خلف الأسوار في العراق
للمساومة والمتاجرة والانتقام.. ومن ثم فخطفهم ليس إلا عربدة من قبل ديكتاتور أحمق
وعملاء مأجورين.. ويعكس الصمت إزاءها أو غض الطرف عنها خارج العراق وعلى المستوى
العالمي مدى العجز واللامبالاة.. وأيضًا مدى الحرص على الإفادة من ورائها وجني ثمارها.
المشهد الثاني..
يجري على مسرح الديكتاتورية الجاثمة على صدور
الليبيين في ليبيا، وزير خارجية ليبي يختفي بعد أن شارك في اجتماعات للجان حقوق
الإنسان.. كل الأصابع تشير إلى الديكتاتور، وأيضًا كما تقول مصادر كثير من
المؤشرات وكثير من السوابق.. ومن المؤكد أنه ليس ثمة مصلحة أو منفعة لمصر في خطف
أو اختطاف الرجل.. أعوان وعملاء وأبواق الديكتاتور الليبي ينفون، ولكن ليس هناك من
يصدق على مستوى الشعب في ليبيا أو الشعب في مصر أو خارج ليبيا ومصر.. فالأيدي التي
امتدت لتصفية الزعامات المعارضة على مدى سنوات الحكم الحالي في ليبيا ليس هناك ما
يؤكد أنها قد تابت وأنابت، كما أن هذه الأيدي التي ألقت بالمعارضين وخاصة
الإسلاميين منهم من الطائرات مثلما كان يفعل موسوليني مع الأحرار الليبيين زمن
الاحتلال الإيطالي لليبيا، وعلقت الدعاة إلى الله على أعواد المشانق في الميادين
على مدى أيام طوال، وأذاعت بالتلفزيون مشاهد إعدامهم، وتركت الصبية الأغرار يعبثون
بجثثهم ما زال يقطر منها الدم وما زالت تعيث الفساد والاضطهاد في ليبيا وخارج
ليبيا.. أي أن سوابقها عديدة.. ومعروفة مفضوحة.. ومن ثم فليس من السهل أن تبرأ من
دم ليبي أريق أو من جريمة خطف تم إخفاؤها أو تم إعدامها.
ويبقى إخفاء الكخيا أو خطف الكخيا مثل الكويتيين المخطوفين يثير أكثر
من قضية؛ منها أن الديكتاتوريات المتحصنة خلف ترسانات السلاح أو خلف العديد من
الأجهزة الأمنية والقمعية وخلف جيوش من العسكر أعجز من أن تواجه الكلمة الحرة
وأضعف من أن تتصدى للصوت المعارض ولو كان خافتًا، واستخدامها لقوى القمع وحشدها
للجيوش يؤكد ضعفها وعجزها، كما يؤكد صلفها مع الشعوب المطحونة والمقهورة وإنكارها
لآثامها وجرائمها في الداخل الخارج، وهو أيضًا من دلائل الضعف والعجز، بل الهلع
والخوف.. وفي نفس الوقت يجعل من البلاهة أو السذاجة المفرطة أن يصدق إنسان إنكار
ديكتاتور لجريمة قتل أو خطف أو جريمة تعذيب للأبرياء أو تنكيل بالعزل، أو زعم بأن
الجريمة قد تمت دون علمه، أو من قبل أحد منفذيه في تجاوز؛ لأن الديكتاتور الجاثم
على الصدور يحصي عليها أنفاسها.. ويراقب حركة وسكنة أصحابها ويسلط أهواءه عليهم
لإسكات نبض قلوبهم.. وراء كل جريمة من جرائم الحريات.. أو سفك الدماء.. أو الاتجار
في الأرواح والأرزاق، ومسارح الديكتاتوريات حافلة بالمشاهد والمآسي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل