العنوان تصفية حسين كامل تبرز الطبيعة الدموية للنظام العراقي
الكاتب الأعظمي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996
مشاهدات 83
نشر في العدد 1190
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 05-مارس-1996
المسئولون العراقيون نجحوا في خداع حسين كامل واستدراجه للمصيدة
اتهامات متبادلة وتوتر في العلاقة المتأزمة بين عمان وبغداد
كما أن هروب الفريق الأول حسين كامل ومرافقيه من العراق قبل ستة أشهر كان قد أثار زوبعة لم تهدأ إلا بعد مرور عدة أسابيع، فإن قرارهم بالعودة بصورة فاجأت الجميع والنهاية المأساوية المفجعة التي تعرضوا لها أثار عاصفة أكبر من الدهشة والحيرة والغموض، كما أنه أثار الكثير من التساؤلات حول دوافع هذا القرار المتسرع وحول الطريقة الدموية التي تعامل بها النظام العراقي مع معارضيه رغم جميع أواصر النسب والقربى.
وكان حسين كامل وشقيقه وعدد من مرافقيه قد هربوا من العراق في بداية شهر أغسطس «آب» الماضي، إلى عمان في خطوة اعتبرت ضربة للنظام العراقي الذي سارع إلى وصف حسين كامل بالمرتد والخائن والجاسوس للمخابرات الأمريكية، كما اتهمت السلطات العراقية حسين كامل في حينه بسرقة ملايين الدولارات من البنك المركزي وهيئة التصنيع الحربي، ونقلت وسائل الإعلام العراقية عن عائلة حسين كامل أنها أهدرت دمه بعد هروبه إلى الأردن، وقد فشلت محاولات ابن الرئيس العراقي عدي صدام حسين الذي حضر إلى الأردن في ١٠ أغسطس «آب» الماضي لإقناع المسئولين الهاربين بالعودة إلى العراق.
وأثناء وجوده في الأردن دعا حسين كامل إلى الإطاحة بالنظام العراقي وطرح نفسه بديلًا عن الرئيس العراقي صدام حسين، كما انتقد الممارسات القمعية للنظام العراقي والتعذيب المستخدم ضد المعارضين، وفي وقت لاحق قام بكشف الكثير من الأسرار العسكرية والأمنية التي اطلع عليها بحكم المناصب الرئيسية التي تولاها خلال وجوده في العراق، وقد دفعت هذه الخطوة السلطات العراقية التي وجدت نفسها محرجة أمام الأمم المتحدة إلى المبادرة بدورها بكشف المزيد من الأسرار العسكرية للجان المراقبة الدولية مدعية بأنها اطلعت عليها مؤخرًا وأن المسئول العراقي الهارب قام خلال الفترة السابقة بإخفائها عن القيادة العراقية!!
كشفت المعلومات المتوفرة حتى الآن أن عودة حسين كامل للعراق وإن كانت مفاجأة إلا أنه سبقها عدة اتصالات مهدت الطريق أمام اتخاذ قرار العودة، فقد قامت زوجة حسين كامل وابنة الرئيس العراقي رغد بالاتصال مع والدتها وشقيقها قصي رئيس جهاز الأمن الخاص وطلبت منهما التوسط لدى والدها لإصدار عفو خاص يتيح لهم العودة للعراق، وتمكنت السلطات العراقية عبر بعض الوسطاء من إجراء اتصالات مع حسين كامل لإقناعه بالعودة إلى العراق حيث طالب بضمانات أكيدة العفو عنه وعدم تصفيته وهو ما حصل عليه بالفعل، حيث وعده المسئولون العراقيون بأنه لن يتعرض لإجراءات عقابية وبأن الصفحة الماضية ستطوى، وقد لعب السفير العراقي في عمان دورًا في الاتصالات بين حسين كامل والقيادة العراقية.
وللتمهيد لعودته للعراق بدأ حسين كامل يصدر بعض التصريحات الإيجابية تجاه القيادة العراقية، حيث صرح قبل أسبوع من عودته بأن الوضع الداخلي في العراق تحسن كثيرًا وأشاد بتوجه السلطات العراقية نحو التعددية السياسية وتنظيم انتخابات تشريعية، وأشار إلى إمكانية عودته في وقت قريب إلى العراق.
ولم يشعر حسين كامل- الذي لم يطمئن تمامًا للضمانات والتطمينات التي حصل عليها بأنه ابتلع الطعم ووقع في المصيدة إلا بعد دخوله الحدود العراقية، حيث كان في انتظاره قصي النجل الأصغر للرئيس العراقي والذي طلب من شقيقتيه أن تركبا في سيارة خاصة منفصلة، وقالت بعض المصادر إنه قام بصفع حسين كامل على وجهه قبل اقتياده مع مرافقيه للتحقيق معهم قبل تصفيتهم.
وأشارت بعض المصادر إلى أن حسين كامل تعرض منذ وصوله العراق في ۲۰ فبراير «شباط» وحتى مقتله بعد ذلك بيومين لتحقيق مكثف من قبل لجنة عسكرية قامت باستجوابه وتسجيل جميع جلسات التحقيق على أشرطة فيديو، وبعد ذلك سمح لحسين كامل بالعودة إلى بيت عائلته، ونقلت وسائل الإعلام العراقية في وقت لاحق أن ابنتي الرئيس صدام حسين لم تكونا تعرفان نوايا زوجيهما لدى هروبهم من العراق وبأنهما تعرضتا لعملية تضليل، وبعد ذلك تم إعلان طلاق ابنتي الرئيس من زوجيهما تمهيدًا لتصفيتهما، حيث نسبت وزارة الداخلية العراقية ووسائل الإعلام إلى عائلة حسين كامل مسئولية تصفيته مع شقيقيه ووالده بالرصاص قبل أن يتم جز رقابهم وسحل جثثهم في الشوارع لعدة ساعات.
ربما كان أهم التساؤلات التي طرحت في أعقاب ما جرى مع حسين كامل هو كيف وثق بالتطمينات الرسمية التي صدرت من بغداد خاصة وأنه كان لفترة قريبة في موقع صنع القرار ويدرك طبيعة تعامل النظام مع معارضيه، ويرى المتابعون لقضية حسين كامل منذ بدايتها أن عاملين أساسيين ساهما في دفعه للتفكير بالعودة للعراق وهما:
١-خيبة أمله في أن يلعب دورًا رئيسيًا في المرحلة القادمة كخيار بديل عن نظام الرئيس العراقي الحالي، حيث أخفق على جميع المستويات، فقد رفضت القوى العراقية المعارضة منذ البداية التعامل مع حسين كامل ورفضت حتى مجرد الحوار معه وخاصة القوى المؤثرة كحركة الوفاق الوطني، والمجلس الأعلى الإسلامي، والحركة الكردية، والحزب الشيوعي العراقي، واتهمت هذه القوى حسين كامل بأنه كان شريكًا للنظام في جرائمه وقمعه، وأن هروبه من العراق كان لخلافات شخصية وليس قناعة منه بمعارضة النظام والحرص على مصالح العراق.
كما رفضت معظم الدول العربية استقباله أو التعامل معه وخاصة السعودية ومصر والكويت، وقد صرح رئيس مجلس الأمة الكويتي أحمد السعدون بأن حسين كامل لم يقنع أحدًا في الخليج باعتباره الزعيم المحتمل للمعارضة، وفشل كذلك على المستوى الدولي حيث اتضح أن الاهتمام الأساسي لدى الولايات المتحدة كان الحصول على كنز المعلومات السرية التي بحوزته من أجل استخدامها في تشديد الحصار على النظام العراقي وإلغاء أي احتمالات لرفع العقوبات عنه.
وقد أحدث رفض الأطراف المختلفة التعامل مع حسين كامل أزمة نفسية عنيفة لديه جعلت تصرفاته غير موزونة وتنم عن عصبية شديدة.
2- فتور علاقته بالمسئولين الأردنيين في الفترة الأخيرة وشعوره بالعزلة وبمحاولة التضييق عليه، حيث كان قد طالب بلقاء العاهل الأردني الذي رفض استقباله وكذلك بالنسبة لرئيس الوزراء عبد الكريم الكباريتي.
كما رفض المسئولون الأردنيون السماح له ولشقيقه باصطحاب زوجتيهما حينما أرادا السفر إلى سورية أو بعض الدول الأوروبية، وأوضح رئيس الوزراء الأردني ووزير الإعلام بأن موقف الأردن من ابنتي الرئيس صدام أنهما في عهدة الأردن وأنه لا يسمح لحسين كامل بأخذهما إلى خارج الأردن إلا إذا ارتأوا العودة إلى العراق.
كما شكل قرار الأردن بفتح مكتب لحركة الوفاق الوطني العراقي في عمان عاملًا آخر في الضغط على نفسية حسين كامل الذي شعر بالمزيد من التهميش، وتلا ذلك قيام رئيس تحرير إحدى الصحف الأردنية الأسبوعية برفع قضية ضده أمام المحاكم الأردنية اتهمه فيها بتهديده بالقتل وبذمه وشتمه وتحقيره، وقد أدى ذلك إلى شعور حسين كامل بأنه لم يعد موضع ترحيب في الأردن وبأنه أصبح محاصرًا لا يملك خيارًا في التوجه سوى لبغداد، وقد أعرب المعارض العراقي المقيم في دمشق مدير الاستخبارات العراقية السابق وفيق السامرائي في تصريحات صحفية عن اعتقاده بأن حسين كامل كان على خطأ عندما اختلف مع الأردن، الأمر الذي جرده من قوته على حد قوله، وكان حسين كامل قد عارض في وقت سابق صيغة الفدرالية التي تحدث عنها المسئولون الأردنيون واعتبرها بمثابة تقسيم للعراق.
العلاقات الأردنية العراقية متأزمة
اعتبر بعض المحللين النهاية المأساوية لحسين كامل ومرافقيه الذين لجئوا إلى الأردن خلال رحلة هروبهم بأنها تشكل إساءة للأردن التي استقبلتهم على أرضها، خاصة وأن بيانًا صدر عن الحكومة العراقية بعد تصفية حسين كامل اتهم الأردن بمنع ابنتي الرئيس العراقي من مغادرة الأردن خلال الفترة السابقة.
وقد نفى رئيس الوزراء الأردني هذه التهمة وقال «إن جميع ما أطلق من اتهامات فهي باطلة وغير صحيحة ومصلحة الأردن فوق كل شيء ولن نسمح لأحد بأن يعبث بهذه المصلحة»، وقام رئيس الوزراء الأردني باستدعاء السفير العراقي في عمان وطلب منه شرحًا لملابسات تصفية حسين کامل وللتصريحات العراقية التي اتهمت الأردن.
وقد أظهر تصريحات المسئولين الأردنيين حجم الاستياء والغضب لنهاية حسين كامل، حيث صرح العاهل الأردني بأنه يشعر بالاشمئزاز لما حصل وبأنه غير قادر على التعبير تجاه ما وصفه بـ«الجريمة الفظيعة»، أما رئيس الوزراء الأردني فكان تصريحه شديد اللهجة حيث علق على تصفية حسين كامل بأنه قد «اختار أن يذهب إلى حيث لا كرامة لإنسان ولا حرية لمواطن»، وأضاف أن حسين كامل اختار العودة وترك الملاذ الآمن إلى مكان معروف بكيفية طرق التعامل مع النزاعات والخصومات، واعتبر قتل حسين كامل وأشقائه ووالدهم بأنه كان حادثًا مدبرًا وصفه بأنه «جريمة».
ويشار إلى أن العلاقة الأردنية العراقية قد شهدت توترًا منذ هروب حسين كامل إلى الأردن، ولكن هذا التوتر تزايد في الأسابيع الأخيرة، حيث بدأ المسئولون الأردنيون يركزون على ضرورة إحداث تغيير في العراق، ووافق الأردن على عقد مؤتمر للمعارضة العراقية لبحث مستقبل الأوضاع في العراق، وقبل يومين من سفر حسين كامل للعراق أعلن في عمان عن فتح مقر لحركة الوفاق الوطني العراقي المعارضة للنظام العراقي، وتابعت وسائل الإعلام الأردنية باهتمام المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الحركة.
وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء الأردني قد أوضح مؤخرًا أن الأردن يفرق بين الموقف تجاه ما حصل مؤخرًا بشأن حسين كامل وبين العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إلا أن المراقبين اعتبروا القرار الأردني قبل أسابيع قليلة بتخفيض التبادل الاقتصادي مع العراق إلى النصف مؤشرًا على توتر العلاقات بين البلدين.
وقد شدد أحد الكتاب الصحفيين الأردنيين في أعقاب تصفية حسين كامل على ضرورة حدوث تغيير في العراق معتبرًا أنه لا يعقل أن يدفع شعب بأكمله ضريبة تهور سياسي لقيادته، «ودعا إلى إيجاد تنسيق بين الدول المحيطة والتي ترغب برحيل صدام حسين ونعني هنا الأردن وسورية والكويت والسعودية بالدرجة الأولى»، كما دعا إلى توحيد جهود المعارضة العراقية المشتتة في عمان ولندن ودمشق وطهران، وهو ما دعا إليه كذلك المعارض العراقي وفيق السامرائي- مدير الاستخبارات العراقية السابق- الذي أكد ضرورة أن تلعب المعارضة دورًا في مد الجسور بين عمان ودمشق والرياض وبقية العواصم العربية تمهيدًا لإسقاط النظام العراقي.
سجل دموي حافل
النهاية الدموية لحسين كامل ورفاقه لم تكن الأولى في تاريخ النظام العراقي، فقد سبقها الكثير من التصفيات ضد رموز مقربة من النظام والسجل حافل بالعديد من الاغتيالات والمؤامرات، وكان حسين كامل قد اتهم الرئيس العراقي بأنه كان يقف وراء قتل أحمد حسن البكر- الرئيس العراقي السابق- عن طريق السم، وتضم قائمة التصفيات العديد من الشخصيات مثل عدنان حسين، وعبد الخالق السامرائي، ومحمد محجوب وهم أعضاء في القيادة القومية تجرءوا على معارضة تولي صدام حسين منصب أمين سر القيادة القطرية، ويضاف إلى القائمة عدنان خير الله- وزير الدفاع العراقي- وشقيق زوجة الرئيس العراقي الذي تمت تصفيته من خلال ما أشيع بأنه حادث تحطم طائرته، كما ينسب إلى الرئيس العراقي أنه قام بتصفية خاله بمسدسه الشخصي بعد أن شارك الأخير في انقلاب فاشلة ضده.
وقد اعتبرت حركة الوفاق العراقي أن النهاية الدموية لحسين كامل «تؤكد من جديد الطبيعة العدوانية والنزعة الدموية اللتين يتميز بهما نظام صدام حسين في تعامله مع المواطنين العراقيين سواء كانوا من عامة الشعب أو حتى من أقاربه المختلفين معه».
لقد كان بإمكان القيادة العراقية تأخير تصفية الحساب مع حسين كامل إلى فترة لاحقة واستغلال عودته لإضفاء طابع من التسامح في التعامل مع المعارضين، وهي مسألة كانت ستخدم النظام العراقي دون شك، ولكن يبدو أن شهوة الانتقام لم تدع مجالًا لأية حسابات سياسية .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل