العنوان مشكلتي.. الأبوة الحقة
الكاتب د. يحيى عثمان
تاريخ النشر السبت 13-فبراير-2010
مشاهدات 108
نشر في العدد 1889
نشر في الصفحة 56
السبت 13-فبراير-2010
أنا ربة منزل شابة في مقتبل العمر في العقد الثالث، رزقني الله سبحانه وتعالى بزوج وطفلين، ولقد مر على زواجي حوالي خمس سنوات، وهو لله الحمد متفوق ومتفان في عمله. وهنا تكمن المشكلة، فهذا المنصب الذي يشغله زوجي بجدارة أفتخر به في كل المجالس، ولكنه يستحوذ على كل وقته تقريبًا.
فرغم أنني كثيرًا ما أخرج معه بمفردنا، إلا أنب علاقته بطفله الكبير ليست بالعلاقة السوية التي تتمناها أي أم، خاصة أنه في الرابعة من عمره، ويدرك حجم انشغال والده عنه، فأحاول التعويض عن نقص الاهتمام من والده رغم ما يغدق عليه من هدايا وملابس. ولكن ليست هذه كل ما يحتاجه الابن من والده في أي مرحلة عمرية، ولأننا نسكن مباشرة بجوار بعض أقاربنا فإن ابني الأكبر متعلق جدا بهؤلاء الأقارب ولا يطيق البعد عنهم، وأخشى أن يزداد الانفصال النفسي بين ابني ووالده وأدرك ما سوف يشعر به ابني كلما تقدم به العمر في مرحلة الصبا ثم الشباب وهكذا.
ولقد حاولت مرارًا وتكرارًا أن ألفت نظر زوجي إلى خطورة هذه العلاقة وأهميتها في تنشئة الابن التنشئة السوية، ولكن هيهات، فرغم أن زوجي يسمع لكنه للأسف ينشغل بعمله ويستمتع به أكثر من متعته بالجلوس مع ابنه، رغم أن هذا الابن-كما أراه ويراه الكثيرون-ناضج وذو شخصية رائعة، وسيكون إن شاء الله-إذا أحسنت تربيته-خير صديق ورفيق لوالده وسيشاركه حتى مناقشاته في عمله إن شاء الله، وهذا حدسي بذلك الابن.
فأرجو أن تدلني على منهج عملي لإصلاح وحل هذه المشكلة، وجزاكم الله خيًرا.
التحليل
هذه المشكلة عامة، وتكاد تكون سمة لمعظم الأسر في عصرنا هذا، ويرجع ذلك إلى العديد من الأسباب منها الاقتصادية نتيجة لكثرة المتطلبات، وقلة فرص العمل ولهذا يتفانى الآباء معظم اليوم لتوفير أسباب الرفاهية التي أصبحت عند كثير من الأسر مطلبًا ملحًا في كل الحاجات الإنسانية.
ومنها أسباب اجتماعية، فرغم أنه لا يمكن لأي إنسان أن يشغل أي وظيفة إلا بحصوله على المؤهلات والخبرات المناسبة إلا أن معظم الوظائف الاجتماعية كالأمومة والأبوة والزوجية تمارس بالتجربة والخطأ. أيضا الخصائص النفسية للجيل الحديث تتطلب معارف ومهارات عالية من الوالدين، نظرا للانفتاح التقني من خلال الفضائيات وأجهزة الكمبيوتر المنزلية التي تعرفوا عليها من سن سنتين وما قبلها.
أيضا قد تكون هناك أسباب تاريخية نتيجة نشأة الوالدين، واعتقادهما أن ما صلحت به تربيتهم يمكن أن تصلح به ذريتهم.
وقد تكون لأسباب شخصية، فقد يجد الأب ذاته في نجاحاته العملية والإشادة الوظيفية، ويطغى ذلك على كل أدواره الاجتماعية.
وهناك أسباب عديدة أخرى قد تسبب المشكلة التي أثارتها هذه الابنة.
خطورة المشكلة
نقول دائمًا: «استثمر في أولادك قبل أن تستثمر لأولادك»، بمعنى أن الساعات التي يقضيها الوالدان في تربية أبنائهما من خلال الصحبة واللعب والحوار هي الاستثمار الأول لهما ولأولادهما.
كما يحتاج الأبناء إلى النمو الجسدي بالتغذية والرعاية الصحية والنمو الروحي والنمو العقلي، وقد نعهد بكل هذه الأدوار عند انشغالنا إلى الآخرين، وفي المقابل يحتاج الطفل أيضًا إلى النمو الوجداني الذي لا يمكن أن نوكله إلى آخرين للقيام به.
وتشير الدراسات إلى أنه رغم احتياج الإنسان عبر مراحل عمره إلى النمو الوجداني إلا أن المفاهيم والقيم عن التفاعل الوجداني الذاتي ومع الآخرين يتم تأصيلها عبر السنوات الأولى من عمر الإنسان خاصة ما قبل سن المدرسة.
إن أي اضطراب في علاقة الطفل بوالديه في هذه المرحلة يؤثر سلبا على أوجه نموه الثلاثة الأخرى، وقد يؤدي اضطرابها إلى الجنوح في تعويضها.
وقد قيل: إننا نحتاج لكلمة حب لنحيا ولمسة حنان لنتميز، وحضن دافئ للتواصل لذا فإن الدور الأساسي للوالدين خاصة في مرحلة الطفولة هو الحرص على النمو الوجداني المتوازن للأبناء، وهذا لا يتم من خلال العطاء المادي فقط رغم أهميته ولكن بالتواصل الكامل مع الأبناء.
إن أنجح الأساليب التربوية يتم من خلال التلقي أثناء اللعب والمرح، فرغم أعباء الرسالة النبوية وقيادة الأمة وحمل هموم هداية الإنسانية إلا أنها لم تشغل الرسول من أن يعطي بسخاء عاطفة الأبوة لبناته رضوان الله عليهن وكذا لأحفاده، فكان يضع ظهره للحسن والحسين ويقول: «نعم الجمل جملكما».
قد يتخيل الوالدان أن انشغال الوالد قد يعوضه تفرغ الأم وهذا خطأ كبير، فالنمو الوجداني المتوازن يحتاج مشاعر الأمومة والأبوة معا، وثبت أن ارتباط الولد بأمه عوضا عن أبيه قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية تؤدي إلى اضطرابات سلوكية في مراحل الصبا وبدايات المراهقة.
عندما يشتكي لي أحد الأصدقاء من أن ابنه الشاب أو المراهق يعزف عن صحبته إلى صحبة أصدقائه الذين يعلمون عنه أكثر مما يعلم هو، وأن هناك فجوة نفسية بينهما، وأن دوره فقط الدعم المالي له، أقول له: إن ذلك نتيجة طبيعية لخطأ ارتكبته خلال سنوات طفولته، ويبرر ذلك للأسف أنه كان يبني مستقبله.
إن التربية من خلال المثل والقدوة لا تتأتى إلا من خلال المصاحبة، إن صناعة الغد أمانة هذا الجيل في تنشئة الجيل القادم حيث يروى أن امرأة ذهبت بولدها إلى أحد الشيوخ، وطلبت منه أن يربيه ليصبح مثل محمد الفاتح، فسألها عن عمره، فقالت: بلغ الخامسة، فرد عليها: لقد فات الأوان.
العلاج
يجب عليك أيها الأب الحبيب أن توظف علاقتك الطيبة بزوجتك، كما أشادت بك وتميزك في عملك وكل معارفك وخبراتك بإخلاص النية لله لإعانتك على حسن تربية أبنائك وعدم الخلط بين الأولويات، فلا بد أن يكون لابنك الحق في أن تقضي معه يوميا من ساعة إلى ساعتين على الأقل بمشاركته ألعابه، والحوار معه، والإجابة على كل استفساراته، وهناك العديد من الكتب القيمة والقنوات الفضائية وصفحات الإنترنت التي تحتوي على كنوز وخبرات في تربية الأولاد، وعلى كيفية استخدام الحاسوب المناسب لعمر الابن، كما أن صحبتك معه للمسجد على الأقل في صلاة العشاء ليس فقط لتعويده على الصلاة وقيمتها في حياة المسلم ولكن تكسبه الثقة في نفسه عندما يصلي مع الرجال ويغشى مجتمعاتهم، أما عطلة نهاية الأسبوع فلا بد أن يكون له يوم كامل خارج المنزل ويشعر أن هذا اليوم من أجله هو والحرص كل الحرص ما لم يكون هناك عائق على ذلك، ولابد من الاهتمام إذا كان العمل اليومي لك أيها الأب يستغرق كل يومك أن تتصل بابنك أثناء وقت العمل وتنصت له وتسمع منه وتعطيه الإحساس الكامل، أنك معه هذه الدقائق وتسمعه أنك مشتاق لرؤيته وأن تأخذه في حضنك، وتدريجيا يتعود الابن على هذه المكالمة، ومطلوب من الأم أن تعود الابن على السؤال عن والده بالمثل أثناء الدوام. وهكذا.
إن شعور الابن باهتمام من جانب والده يجذبه إليه، ويتم ذلك من خلال نظرات الود والتقدير التي يبثها الأب له من خلال الإنصات والاهتمام لحديثه وعدم إهماله لحدوث أي عارض، وإن كان فيعتذر له.
إن محاولة إشراكه في الحياة الأسرية من خلال سؤاله عن رأيه في المكان الذي يود زيارته في نهاية الأسبوع، أو دعوة الأسرة التي يعرف أبناءها، واختيار نوع الطعام الذي سيتناولونه إن كثيرا من اللمسات التربوية التي قد تفعلها الأسرة تساهم وتؤسس علاقة الارتباط الحميمة بين الطفل وأسرته عندما يشب إلى دور الصبا والشباب تظهر آثارها من خلال انتمائه الأسري، وحرصه على تمام الوئام مع والديه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل