العنوان مشروع الوعي الحضاري.. مفتاح النهضة
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 21-أكتوبر-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1724
نشر في الصفحة 66
السبت 21-أكتوبر-2006
يقرر علماء النفس أن الطفل في بداية حياته يقوم بتصرفات عديدة جدًّا من أجل التعبير عن ظمئه مثلًا، ويطلق عشرات الأنواع من الأصوات ويحاول عشرات المحاولات اليائسة، وفي كل مرة يقلل من عدد حركاته وأصواته، ويفهم بالتدريج عبثها ولا يكررها ثانية حتى يصل إلى مرحلة يختار فيها حركة واحدة أو صوتًا واحدًا لبلوغ هدفه كالبكاء أو الضرب بقدمه على الأرض، ثم تقل الأصوات تدريجيًّا حتى ينطق بكلمة »ماء«. فهذه في الحقيقة أقرب إلى مسيرة عقل الإنسان نحو النضج الذهني والوعي الفكري، فكم من المحاولات الخاطئة لفهم الواقع والمجتمع يعيشها الإنسان في بدايات نضجه.
وكم من التشنجات الانفعالية التي تصحب تلك الفهوم والآراء، وقد تحمل هذه البدايات المتعثرة حتميات قطعية لا تقبل النقاش أو الجدال، ثم تثبت الوقائع والتجارب- فضلاً عن الاستزادة من العلوم والمعارف- خطأ هذا النظر أو شناعته أحيانًا.. وبالتالي تقل تلك القطعيات وتزداد النسبية في عالم متغير شديد التعقيد يحتاج إلى تلك الخطوة الأولى نحو النضج في البصيرة والعمق في النظر. إن فرض الحلول السريعة الجزئية لمشكلاتنا الراهنة بكل تعقيداتها سيدفع بنا نحو مزيد من الوهن والتأخر، ويكرس في أعماقنا مشاعر اليأس والإحباط من كل محاولات الإصلاح ودعواتها الراهنة. وكأن قدرنا أن نبقى نرواح في مهد الطفولة الفكرية حتى لو شابت رؤوسنا ودقت عظامنا. لذلك ينبغي أن نقدر أن مجتمعنا فيه ما يكفي ويشفي من أهل العقل الواعي والفكر الناضج ما يؤهلهم أن يعيدوا النظر في كل مشكلاتنا المزمنة والقادمة بشروط عدة يجب التزام المجتمع بكل قياداته بها وأهمها في نظري أن يمنحوا الثقة لأبنائهم المفكرين، فهم أحرص من الخبير الأجنبي على بلادهم، وأقدر على فهم مشكلاتها وأعرف بثقافة المجتمع ودينه وأعرافه من القادم من وراء البحار، لهذا قال الله عز وجل في معيار من معايير نجاح دعوات الأنبياء: إنهم كانو منهم ومن جلدتهم، ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ﴾ (إبراهيم: 4) وقوله: ﴿ وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ﴾ (هود : 25)، ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ﴾ (هود : 50). ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ﴾ (هود: 61)، ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ﴾ (هود : 84) ... كما أن أصحاب الاختصاص وأولي الذكر والعلم الدقيق أولى من غيرهم فيما يتعلق بفنهم، وكم هو مؤسف أن ترى صاحب قرار يجازف برأيه في أمور دقيقة أو عظيمة لا حظ له فيها بعلم أو تجربة، ويهمش من لو أدلى برأيه فيها لأصاب كبد الحقيقة وهو متكئ على أريكته كما لا يكفي اجتماع المختصين ما لم يعطوا ما يكفي من الوقت والمال والدعم المعنوي لإنجاز دراساتهم وإعداد بحوثهم مهما كانت النتائج مريرة والتوصيات قاسية كالطبيب المداوي عندما يؤلم مرضاه من أجل علاجهم لا يستوجب كرهه بل مزيد ثقة وإقبال عليه وفي قول الحق سبحانه: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (البقرة179:) دروس وعبر.
إن مراكز البحث والدراسة في مجتمعنا لا ينبغي أن تؤطر في مجلس واحد كالشورى مثلاً، بل ينبغي أن يكون هذا ممتدًا لكل مجال يحتاج أهله لمن يستمع إلى شكواهم وينظر في مشكلاتهم، والقطاعات التعليمية والتربوية والأجهزة الحكومية والمؤسسات التجارية هي أحوج لتلك المطابخ الواعية المفكرة بدلًا من الحلول المعلبة المكررة، بل لا أكون مبالغًا إذا قلت إن القضايا الفقهية والفتاوى المستجدة لا ينبغي أن تخرج عن هذا المسار من النظر والتدقيق والتمحيص في أهليتها وسلامة نهجهًا. فكم هو مؤلم حقًّا تلك الهوة السحيقة بين مسؤول يعاني تراكم مشكلاته وأزماته ومفكر أو عالم قد غطته دراساته وحلوله العلمية لا يجد من يسمعه أو يستفيد من تجاربه وخبراته؟!
وأذكر من الواقع أني حضرت اجتماع خبراء حول إشكالية تعليمية لم يكن فينا أهل اختصاص إلا القليل، بينما هناك رسائل جامعية قد بحثت ذات الموضوع وأرهقت أصحابها جهدًا ومالًا لم يلتفت إليها أو يدرى عنها! فهل بلغ مجتمعنا مرحلة يمسك بها خيط التقدم والإبداع عندما يعتمد على مفكريه ويستنبط الحل من أرضه ويرعاه بيديه؟ أعتقد حينها أن الثروة التي سننتجها ليست في قيمة الثمرة بقدر ما هي في وعي الزارع وفكر المستفيد .