العنوان مشاهد من حرب غير مقدسة
الكاتب روبرت فيسك
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995
مشاهدات 66
نشر في العدد 1151
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 30-مايو-1995
بقلم: روبرت فيسك (الايندبندنت البريطانية)
ترجمة الدكتور محمد عثمان محجوب
قدم لي جميل بوزنات بوزارة الداخلية الجزائرية «ألبومًا» يحوي صورًا مكتوبًا عليه «بربرية الإرهاب»، وظل يرقب انفعالي وتقززي من الصور ليعرف ما أن كنت أعي الرسالة التي من المفروض أن ترسلها لي تلك الصور، وهي صور لضحايا القتل والتعذيب، فالصور كان يفترض أن تغمرني بالرعب ولكن بعد عدد من الصفحات خيم علي نوع من الانبهار المروع.
فحقيقة الأمر أن ألبوم السيد جميل عبارة عن حفلة رعب قصة كلاسيكية من أدب إباحي فاحش، فعندما تتمعن في الصور وانت تقلب الصفحات تخشى أن يكون هناك من يراقبك وأنت تتفحص مجلات الأدب الإباحي، وطبعًا وأنا داخل مبنى وزارة الداخلية كانت هناك عيون كثيرة تراقبني.
وكما يحدث في تصفح تلك المجلات الإباحية يخيم عليك بعد قليل نوع من الملل والضجر حتى عندما تصير الصور أكثر وحشية صفحة بعد صفحة ونوعًا من الابتذال والتفاهة.
ويتساءل المرء أية قدرة بدائية تورث هذه السادية؟
«شيزوفرينيا» سياسية
هي قطعًا ليست نار مقاومة الاستعمار، فقد ربح الجزائريون حربهم ضد الفرنسيين رغم الثمن الغالي، كذلك لا يمكن أن يكون السبب هو اليأس الذي يسيطر على الشعوب التي ترزح تحت أثقال الفقر، فالجزائر – وهي دولة ذات مساحة واسعة – لديها ما يوازي بلايين الدولارات من النفط والغاز المخزون، وقطعاً ليس السبب غضبًا دينيًا، فالجزائريون كلهم مسلمون وسنة، ودين الدولة الرسمي الإسلام، والعلم الجزائري الذي حمله المجاهدون في حرب التحرير – يحتوي على الهلال رمز الإسلام.
وعند عودتي للفندق وجدت شريط فيديو في الشنطة التي أهديت لي مع الألبوم سابق الذكر وكان عنوان الشريط النساء ضحايا الإرهاب، يعرض الشريط جثثًا لنساء في ملابسهن الداخلية وبعضهن نزعت أظافرهن مرات ومرات، ثم يتغير المنظر في قطارات محترقة ومحلات تجارية محترفة، وكذلك الرجال ينزفون دماء وقبور منبوشة، هذا شريط أنتجه علي بو كرباش ، – وهو صاحب شركة إنتاج سينمائي – وهو بذلك شريط يدل على نوع من الاحتراف الفني في إنتاجه وكان ارتياحي عظيمًا عندما أوقفت الشريط وطلبت عشاءً خفيفًا، وكان يتكون من نبيذ مصنوع في الجزائر، وكان ذلك أثناء شهر رمضان.
لا أحد يصدق أنه ستكون هناك انتخابات هذه السنة، قطعًا لا يمكن أن تجري انتخابات تحت سيطرة الثورة الإسلامية على الريف والعاصمة ليست في قبضة الحكومة، والأحياء الفقيرة في يوكاليبتوس وباب العويد، والقلعة الحمراء، وكليمات فرنسا، والقبة، وأجزاء أخرى مناطق محرمة إلا على الجنود المدججين بالسلاح، ورغم ذلك فإن الطعمة الحاكمة ما زالت تؤمن بفلسفة البرافدا في أن ما تريده أن يكون حقيقة فهو حقيقة لأنهم يصدقون ما يكتبون.
وهنا ظاهرة غريبة من «الشيزوفرينيا» السياسية تتملك تلك الصفوة المتعلمة المتفرنسة.
- عقدة المشكلة أن الشعب يريد استعادة هويته الإسلامية والسلطة العسكرية وحزب فرنسا في الجزائر يرفضون ذلك بإصرار
فعندما أكتب للجريدة التي أراسلها «الإيندبندنت اللندنية» عن الحرب الأهلية يصفني موظفو وزارة الإعلام أو الخارجية أو الداخلية دومًا بالمبالغة، ويتساءلون: ألا ترى الهدوء والسلام والطمأنينة التي تسود المواطنين، وهم في انتظار مواصلة المسيرة الديمقراطية عندما تنتهي السلطات من المشكلة البسيطة: الإرهاب؟
وتصلني ربطة أخرى وهذه المرة تحتوي مجموعة كتب توضح بصور جميلة مدى النمو والتطور الاقتصادي بالجزائر، وأضع هذه بجانب اليوم وزارة الداخلية.
وفي الصباح أتوجه لمبنى البنك المركزي حيث أجد الرواق بني على هيئة سفينة فضائية ويشير إلى أحد الموظفين:
إن الفنان الجزائري الذي صمم هذا المبنى هو أحد المرشحين للقتل من قبل الإرهابيين إنهم يريدون أن يغتالوا كل ما هو جميل وفني وحر في بلادي!، البنات بلا مستقبل، كن يرتدين تنورات قصيرة مما تحتاج معه لهزة رأس لمحاولة تذكر أين أنت؟!
عبد الوهاب كيرامين – مدير البنك المركزي – يجلس مبتسمًا في كرسيه الفاخر ليخبرني عن مستقبل سعر الدينار الجزائري، وبدا لي كرجل يحاول أن يحل الكلمات المتقاطعة داخل طائرة تهوي متحطمة من السماء.
وفجأة سألته: من هي الجزائر الحقيقية: هل هي جزائر مكتبه الفاخر المكيف بالبنك المركزي، حيث المدير وهو في حلته الفاخرة يشرح لي سعر صرف الدينار، وشروط الـ IMF، أم هي الجزائر خارج مكتبه حيث يلعلع الرصاص؟، ويبتسم السيد كيرامين في هذه اللحظة يغتال شخص في مكان ما بالجزائر، أو هم يحرقون مبنى حكوميًا، ولكن هذا لا يعني أن نتوقف عن العمل!
وذكرني ذلك بآخر أيام الرايخ الثالث؛ فعندما كانت الدبابات تدخل برلين، كان هناك موظفون ألمان يؤدون أعمالهم بكل هدوء كأن شيئًا لا يحدث هل يفترض أن ذلك هو الحل لمأساة الجزائر؟! في نفس اللحظة التي يحسب فيها الموظفون ديون البلاد ينهار البناء السياسي حولهم كيف تلعب القيثارة وروما تحترق حولنا (كما كان يفعل نيرون)
الإعلام يزيف الواقع
ويعجب كيرامين باندهاش وضيق إنه يلوم الإرهابيين، والعصابات الإسلامية، و«الرجال الذين جلبوا معهم حضارة غريبة أفغانية إلى الجزائر»، وهي المرة الوحيدة التي ينفعل فيها الرجل وهو يهاجم أعداء الحكومة.
و سألت السيد كيرامين، وهو يتحدث عن الثقافة الغريبة، «ماذا عنك أنت يا سيد كيرامين أنت تتحدث اللغة الفرنسية بدل العربية، وتلبس البدلة الفرنسية بدل البرنس الجزائري وشهادتك حصلت عليها من جامعة إيكول يوليتكنيك الفرنسية في باريس، فبأي حق تتكلم عن الثقافة والحضارة الغربية؟ فأجابني بهدوء: إن ملابسه صناعة إنجليزية، وأحسست كأني أعيش في عالمين مختلفين، وفي طريقي خارج مكتب كيرامين ناولني أحد موظفي البنك أوراقًا تخص الاستثمار والتجارة الجزائرية تشير إلى نمو اقتصادي يبلغ ٣٪ ونقصان في الدين العام.
فهذه النغمة المتفائلة تشبه العناوين في الصفحة الأولى من جريدة «المجاهد» الحكومية وتعليق مذيعة التليفزيون التي تبشر بأن الأمور في أحسن حال وأنها في طريقها للعودة للحياة الطبيعية، وبعد قليل سيتضح لي أن كل ذلك وهم وخيال لا صلة له بالواقع، فبعد ١٤ يومًا أطلق بعضهم النار على رشيدة حمادي مذيعة التليفزيون فأصابها إصابة بالغة وقتل أختها حورية وهي في طريقها للعمل، وفي اليوم التالي كان القتل من نصيب علي بو كرباش المخرج الذي صور شريط الفيديو آنف الذكر، أما محمد عبد الرحمن – رئيس تحرير جريدة المجاهد الحكومية – والذي أخبرنا عن التأييد العارم لانتخابات رئاسة الجمهورية فقد بقي له وقتها واحد وعشرون يومًا قبل أن يلقى حتفه حيث اقتنصه قاتله في زحمة المرور وهو يسير دون الحراسة التي طالما طالب بها الحكومة!!
جذور المشكلة
يتساءل الكاتب هل يتحتم على الحكومة إزالة تلك المجموعة – التي تطلق عليها الصحافة الخمير الخضر قياسًا على الخمير الحمر في كمبوديا – والتي تسعى لكشط طبقة القومية المتفرنسة هذه المجموعة التي يفترض أنها عدوة للآداب والفنون والعلم، إزالتها بنفس الطريقة التي يستعملها أفرادها ضد أعدائهم، هذا ما تود الحكومة أن يصدقه الناس، وهذا ما يقوله أفراد الشرطة الوطنية وهم يلبسون أقنعتهم ويطلقون على أنفسهم اسم «الننجا» وهم يحومون في الشوارع حيث تتناقص سطوة الحكومة، «إنهم عصابات من الإرهابيين والمجرمين، قالها لي أحدهم بعد أن وقعنا في كمين بالقرب من بلدة بليدة، فقد كنت مسافرًا.
- الحكومة تطلق على جبهة الإنقاذ الإسلامية نفس الأوصاف التي أطلقتها فرنسا على جبهة التحرير الوطنية عند مقاومتها للاستعمار الفرنسي
معهم عندما تفجرت أربع قنابل حولنا، وقد لاحظت أن الجنود بدءوا يرددون عبارات من القرآن الله أكبر، وأشهد أن محمدا رسول الله وقد استرعى انتباهي هذا الدعاء بطريقة لم أعهدها من قبل ونحن نحتمي بحفرة ويتساقط على رؤوسنا التراب وقطع الحديد من القنابل واستمر الدعاء لساعات: الله أكبر الله أكبر والحمد لله، واستمر إلى أن عثرنا على الأسلاك التي استعملت في تفجير القنابل، وبدئنا سيرنا عبر الحقول للمكان الذي كمن فيه الإسلاميون، عندها فهمت، ففي الوقت الذي شكر البوليس الله على نجاتهم خطر ببالي أنه قبل ثوان فقط استعمل الإسلاميون نفس الكلمات ودعوا الله بنفس الكلمات ليعينهم على القضاء علينا.
والأغرب من ذلك هو التشابه التاريخي فقبل أربعة عقود كانت نفس هذه الطرقات مسرحا لكمائن كهذا الكمين الذي وقعنا فيه فبلدة بليدة كانت معقلا لجبهة التحرير الجزائرية جيش العصابات الذي انتزع استقلال الجزائر من فرنسا، وقتها كانت جبهة التحرير هي التي تزرع القنابل والفرنسيون هم الذين يقعون في الكمائن أما اليوم فإن رجال البوليس الجزائري هم الذين يمثلون الفرنسيين ويهاجمون بشراسة كما كان أجدادهم يهاجمون القوى الاستعمارية، ويبدو أن هناك ثقافة جديدة حتمت على أطفال الثورة الجزائرية أن يعيدوا تمثيل مأساة آبائهم.
وتذكرت أنه بالأمس القريب عندما حاول رئيس الوزراء الجزائري مقداد سيفي أن يشرح لي معنى «الإرهاب»، بأن سألني إن كنت قد سمعت باسم مصطفى بريالي.
-بالطبع- أعرفه جيدا فهو أحد أعضاء جبهة التحرير الجزائرية عندما كانت تحارب الفرنسيين، ثم انقلب على رفاقه، وكون ما يسمى اليوم المجموعة الإسلامية المسلحة التي تهدد النظام من أساسه، ومعرفتي به شخصية وتمتد إلى الأيام التي قضيتها بين أهله في محاولة للتعرف على حياته، تلك الحياة التي احتوت على بذور المأساة الجزائرية.
ولد في ٢٧ يناير ١٩٤٠ م، عندما كانت فرنسا قد حكمت الجزائر لمدة ١١٠ سنوات، ولم يبلغ سنة ال ٤٧ سنة عندما توفي.
وقرية بريالي وتسمى عاشور كغيرها من صغار المدن الجزائرية تشبه المدن الفرنسية أكثر من المدن العربية بفيلاتها ذوات الطابقين وطرقاتها التي تحفها الأشجار، ولكن كانت الانتخابات وقتها مزورة بطريقة لا تسمح للجزائريين بأن يحصلوا على ما يستحقونه من أصوات، وحتى الإصلاحات التي تسمح بها فرنسا أدخلت بعد فوات الأوان، ففي عام ١٩٤٥ م، قتل المستوطنين الفرنسيين وقوات الأمن الفرنسية ٦٠٠٠ مسلم انتقاما ل ١٠٣ أوروبيين قتلهم المسلمون في مدينة ستيف في نفس الوقت انهارت قوات هتلر، ولذلك لم يكتب عن هذه المذبحة مثل كثير من المذابح التي تجري في الجزائر اليوم ولا يكتب عنها شيء يذكر في الصحافة الأوروبية.
عندما أعلنت جبهة التحرير الوطنية الحرب على فرنسا في عام ١٩٥٤ م، كانت نظرة فرنسا أنها حركة إرهابية صغيرة تستمد قوتها من حركات التحرر العربية الأخرى، وتشجعها هزيمة فرنسا في الهند الصينية.
وكانت فرنسا تطلق على الجبهة، نفس الوصف الذي تطلقه الحكومة الجزائرية الحالية على جبهة الإنقاذ عصابات إرهابية!!
وعلى الرغم الرغم من أن الرأي العالمي العام كان يشجع على أن يرى في تلك الجبهة ميولها الناصرية، وروحها الاشتراكية، ولكن مما لا شك فيه أنها كانت تحتوي على عناصر إسلامية فهناك صور في متحف المقاومة الوطنية الجزائرية لمجاهدين يؤدون الصلاة في مناطق الريف أو جبال الأخضرية، حيث كان الجيش الفرنسي يباغت فرقا كاملة من جيش التحرير و-كما هو واضح- فيإحدىد فقرات دستور الجبهة (١٩٥٤ م) فإن أحد أهداف حركة التحرر هو «إنشاء الدولة الجزائرية لتكون دولة ذات سيادة تحت ظل الديمقراطية والاشتراكية في ظل المبادئ الإسلامية»، وقد انضم مصطفى بريالي للجبهة بعد سنتين من إعلانها الحرب على فرنسا، وكان عمره آنذاك ستة عشر عاما، وكان يجمع الاشتراكات للجبهة في مدينة عاشور وألقي عليه القبض وحكم عليه بالسجن لمدة سنتين تمكن خلالها من الهرب من السجن في بليدة، وصار من قادة الجبهة في مدينة الجزائر، وكان من زملائه وقتها أحدهم ويدعى عباس مدني الذي حاول نسف مقر الحكومة الفرنسية.
لقد كانت حرب الثماني سنوات نقطة مهمة في التاريخ الجزائري والفرنسي كمحاولة قاسية في البحث عن هوية قومية وعن الاستقلال بالنسبة للجزائريين ومعركة بائسة بالنسبة للفرنسيين للحفاظ على هيبتهم وتماسك مستعمراتهم، تمخض كل هذا في ظل حملات التعذيب بواسطة البوليس، وتفجير القنابل بين المدنيين بواسطة المجاهدين، وحملات واسعة للجيش ومجازر ضد الأهالي، واغتيالات للمستوطنين والمتعاونين من الأهالي والجنود المأسورين.
في باريس اشتريت مجلات صدرت في تلك الحقبة ورأيت فيها نفس الصور البشعة التي رأيتها في ألبوم الصور الذي أعطاني إياه وزير الداخلية الجزائري الآن.
إن أعضاء جبهة التحرير الجزائرية الذين كونوا حكومة اليوم الدكتاتورية الفاسدة التي حكمت الجزائر بعد التحرير إلى الآن، استعملوا نفس الطرق لقتل ضحاياهم التي يستعملها الإسلاميون اليوم.
وقد كتب الأستاذ هوم في كتابه:
وعندما عاد الجنرال ديجول للرئاسة بواسطة الجيش عام ١٩٦٠ م، سافر للجزائر لطمأنة المستوطنين الفرنسيين وليشعرهم بأنه يفهم قضيتهم، ثم فورا تخلى عنهم بأن بدأ محادثاته شخصيا مع جبهة التحرير، وقد فر من الجزائر حوالي المليون مستوطن فرنسي عام ١٩٦٢ م، تاركين كل أموالهم فيما تعرض حوالي ١٥٠، من الجزائريين الذين كانوا يتعاونون ويتعاطفون مع الفرنسيين أو يعملون في القوات المسلحة للقتل، ويروي هورن ليفر كان المجندون الجزائريون الذين عملوا في القوات المسلحة تحت إمرة الفرنسيين يجبرون على حفر قبورهم، وبلغ النياشين التي أعطاها لهم الفرنسيون قبل قطع رقابهم وعصيانهم أو ضربهم بالرصاص.
المتفرنسون يقطفون ثمار النصر
ولكن الاستقلال لم يأت بالسلام للجزائريين المنتصرين، ذلك لأن بقية القيادة التي اشتركت فعليًا في الحرب لم يكن لها وزن في الوقت الذي كان القادة الذين قضوا سنوات الحرب في تونس، وطرابلس رجعوا للمناصب العليا أمثال السيد بن بيللا الذي رجع للجزائر كرئيس للجمهورية، أما مصطفى بويالي الذي انضم إلى شركة الالكترونات الجزائرية سونالك التي كونت حديثًا رجع إلى الكفاح المسلح ضد ديكتاتورية بن بيللا بعد سنة من التحرير محتجًا على حق القيادة «الخارجية» في تقرير مصير الجزائر، ولم يناد بوقف القتال إلا عندما وافق بن بيللا على تمثيلهم في الحكومة، ولكن أتى السلطة هواري بومدين - أحد القادة الخارجيين - بواسطة
- السلطة العسكرية ترتكب المذابح ضد الشعب ولا يكتب عنها شيء في الصحافة الأوروبية
انقلاب عسكري مما نال احتقار بويالي أكثر فأكثر.
التمرد على الديكتاتورية
وبدأ بويالي ورفاق سلاحه يجتمعون سرًا خارج الجزائر لمناقشة فشل الاشتراكية واحتمال قيام دولة إسلامية تعطي أملاً جديدًا ومستقبلاً مشرقًا للجزائر كبديل.
ويقول عبد الهادي صباح أحد زملاء بويالي: «إن ما يحدث الآن هو امتداد للمعارضة التي بدأها بويالي عام ١٩٦٥م، إن معارضتنا كانت تهدف لمستقبل ديمقراطي بدون إهراق دماء، لقد كان الإسلام أساس أفكارنا حتى ونحن نحارب الفرنسيين في حالتنا فإن مشاعرنا الوطنية كانت أضعف من مشاعرنا الإسلامية، لقد كانت اجتماعاتنا دينية، ومحادثتنا السرية كانت دائمًا تبدأ بقراءة من القرآن وكنا نردد الله أكبر مثلما كنا نفعل عندما نبدأ معاركنا مع الفرنسيين وقد كان الشعور الإسلامي قويًا فينا».
وتحتفظ عائلة بويالي بصورة له وهو يجلس للصلاة في أحد الكهوف رافعًا يديه بالدعاء وأمامه مصحف ويستند رشاش إلى الجدار بجانبه، أخذت تلك الصورة قبل شهور من موته شهيدًا.
ليس من الصعب تفهم ثورة بويالي الخاصة، ففي عام ١٩٦٢م بدأ بن بيللا التعذيب، وفي خلال عام عطلت ثلاث نقابات وتحت حكم بومدين نزعت ملكية أراض كثيرة ليس تحت شعار الإسلام، بل تحت شعار الاشتراكية، وفي عام ١٩٦٥م، وتحت ستار محاربة مؤامرات الصهيونية بعد حرب الأيام الستة أجبر الجزائريون بواسطة الحكومة على الحصول على إذن خاص للسفر خارج الجزائر، والحصول على تلك الأذونات صار يتحتم على الواحد دفع رشاوى باهظة، وصارت الجزائر تعيش حالة من السخرة والاستعباد وتعقبت شرطة بومدين السرية أصدقاء بويالي واغتالت أحدهم في المنفى، والتف حول بويالي أصدقاء آخرون أحدهم الشيخ نحناح – زعيم حزب حماس المعتدل – وآخر هو الشيخ أحمد سحنون، وبدأ بويالي يتكلم من منبر مسجد بلدة عاشور بمساعدة أحد الشيوخ، والذي صار مؤخرًا إمامًا للمسجد في فرنسا، واعتقلته السلطات الفرنسية بتهمة انتمائه لجبهة الإنقاذ المحظورة، ويتذكر شقيق بويالي أن الأخير كان يتحدث عن الإسلام كنظام للحكم، وعن التربية السياسية في الإسلام، وكان يهاجم الفساد، وكانت الحياة تتوقف تمامًا في أيام الجمع لأن الكل كانوا يجيئون لسماع مصطفى، وقد ظل البوليس يراقب نشاطات بريالي حتى بعد وفاة بومدين، واشتدت المراقبة في عهد الشاذلي بن جديد الأكثر فسادًا.
جذور الجماعة الإسلامية المسلحة
ففي عام ۱۹۸۲م، قررت مخابرات الجيش اعتقال بويالي، وأحاطت منزله في عاشور بالجنود في ٢٨ إبريل، وأراني أخوه محمد الشرفة التي تطل على بعض أشجار الفواكه وكيف أن مصطفى بويالي تسلق من الشرفة إلى الأشجار، حيث تمكن من الهرب من الجند الذين كانوا ينتظرون عند الباب الرئيسي لسكنه، وهذه الشرفة لها وضع تاريخي خاص فلو لم تكن موجودة لألقي القبض على بويالي ولو حدث هذا لما أمكن تكوين المقاومة الإسلامية الحالية للحكومة الجزائرية بلكونة وشجرة غيرنا تاريخ الجزائر.
وفي أثناء فترات كافية واصل بويالي اجتماعاته مع العلماء المسلمين، أمثال: عباس مدني، وعلي بلحاج، اللذين قادا جبهة الإنقاذ سنوات بعد ذلك للفوز في الانتخابات البرلمانية، الانتخابات التي ألغاها النظام العسكري.
مدني وبلحاج الآن رهن الاعتقال وقد زارهم الأمين زروال على أمل إقناعهم بالمفاوضات السلمية، ومن زملاء بويالي منصوري ميلياني الذي كون المجموعة المسلحة الإسلامية بعد 9 سنوات والذي اعتقل عام ۱۹۹۲م، ولكن مجموعته نمت لتكون جيشًا كاملاً.
فجبهة الإنقاذ والمجموعة الإسلامية المسلحة هما الدعامتان اللتان ترتكز عليهما المقاومة المسلحة وهما إرث بويالي.
أما بويالي فقد بدأ يهتم بصناعة المتفجرات وهرب إلى الجبال بعد أن قتلت الشرطة أخاه أمام أطفاله.
وقد اكتشفته الصحافة الأجنبية – بعد أن غضت الطرف عنه الصحافة الجزائرية – وهو يشن هجماته على الجيش والشرطة، في ساحات القتال القديمة لحرب التحرير في ميديا والخضيرية، ولكن في عام ۱۹۸۷م، وإثر خيانة سابقه نصب له الجيش كمينا ومات مقتولاً بالرصاص، ولكن مجموعته استمرت في القتال أميرهم عبد القادر شبوطي التي عليه القبض وحكم عليه بالإعدام ثم أعفي عنه ليعاود القتال في صفوف المجموعة الإسلامية، ثم القي القبض عليه وعلى ملياني بعد سنتين، ولكن عند ذلك كان قد جند آخرين يؤمنون بإسلامية الجزائر، رجال حاربوا السوفييت في أفغانستان.
خيانة الثورة هي سر العنف الآن
وهكذا أدت خيانة الثورة ضد فرنسا لإعادة التاريخ، فعندما أفسد دكتاتوريو جبهة التحرير بلدهم بدا انتصارهم ضد فرنسا كنوع من الخيانة، ومجموعتهم الفرنكفونية الغربية والتي هي في الأصل سوفييتية تمثل نسخة باهتة للنظام الاستعماري الفرنسي وثقافتهم الفرنسية، ويسميه الجزائريون «الإرث الملعون» يشي بأنه لم يحدث تغيير في الأوضاع منذ التحرير
فالشباب المتعطل فقدوا الأمل في الوعود الكاذبة منذ الاستقلال وكرهوا أي حديث عن الثورة، وفقدوا الثقة في الأبطال الشهداء الذين لم ينبهم من موتهم إلا الفقر وفقدان الأمل.
أكثر من ٧٥٪ من الجزائريين ولدوا بعد حرب التحرير، هل يستغرب أن الإسلاميين يوجهون ضرباتهم لأولئك الذين تبقون من تلك الحرب كقدامى المحاربين في نفس تلك القرى التي كانوا يوقرون فيها لأكثر من ثلاثين سنة كأبطال حتى قبور «شهداء» جبهة التحرير لم تسلم من غضبة هؤلاء الشباب العاطلين، فقد نبشت قبور هؤلاء «الشهداء» وكسرت بالحجارة انتقاما، وحتى أبناء المتعاونين مع الفرنسيين والذين قتلهم أعضاء جبهة التحرير سابقا انضموا للإسلاميين.
لا عجب الآن في أن القيادة الجزائرية الحالية بدأت تعترف بالخطر المحدق بها، عندما سألني رئيس الوزراء مقداد سيفي إن كنت أعرف من هو بريالي، كان ذلك اعترافا بدور بريالي التاريخي الذي يربط الماضي بالحاضر أن صراع ١٩٥٢ – ١٩٦٢ كان حربا أهلية كما كان حربا للاستقلال، وقد أحاطت بالجزائر سترة حديدية من دكتاتورية ما بعد الحرب نفس الطوق الحديدي الذي طوق به تيتو يوغسلافيا بعد الحرب العالمية الثانية، وعندما يصدأ الحديد يستمر التاريخ من حيث انتهى وتبقى الوحشية كما هي بل تزداد قوة عندما تضعف روح الأمة، ويشعر كثير من الجزائريين أن حرب الاستقلال قتلت أكثر رجالهم عاطفة وخيالا مخلفة وراءها أزمة في القيادة والهوية.
ولذلك فإن الحكومة وأعداءها ينظرون للماضي دون المستقبل، المسئولون يعنون الجماهير بوعود كتلك التي كان يطلقها بومدين عن المستقبل الزاهر بالحياة الرغيدة والديمقراطية، بينما الإسلاميون يعتدون على الثقافة والفنون، ويتكلمون عن الخلافة، وحتى حسن الترابي - الشيخ السوداني – والذي تتهمه الحكومة بالتأثير على الإسلاميين الجزائريين اعترف لي عام ۱۹۹۲م، بعجزه عن فهم قيادة الإسلاميين هناك، وقال بأسف «إنهم يرفضون الحديث عن المستقبل».
وقد حاولت حكومة الجزائر المحاصرة أن
- الجيش الجزائري هاجم أحد معاقل الإسلاميين في عين دفلا بالدبابات والمدافع الثقيلة وأباد ثلاثة آلاف من الجماعة الإسلامية
تجد عونًا في دول الشرق الأوسط في حربها ضد «الإرهاب الأصولي»، بدأت الآن حربًا دعائية وعسكرية ضد أعدائها، وتحاول عبر نشراتها وكتبها أن تقنع الصحافة الأجنبية بأن أصل «الإرهاب» الجزائري هو «الإخوان المسلمون» في مصر وباكستان، أما ما هو أشد دهشة هو ذلك الوفد من كبار رجالات الأمن بالجيش الذي يزور بعض العواصم العربية مثل القاهرة ودمشق للاطلاع على آخر الوسائل المكافحة عصابات الإرهاب، فهل وجدوا ضالتهم في تاريخ سوريا الحديث عندما دمر الجيش السوري مدينة حماة بالمدفعية الثقيلة والدبابات حيث أبادت آلافًا من الأصوليين المسلحين عن آخرهم؟
فالجيش الجزائري هاجم أحد معاقل الإسلاميين في مدينة عين دفلا – وهي في حجم حماة - بالمدافع الثقيلة والدبابات وذبحوا ۲۰۰۰ من أفراد الجماعة الإسلامية المسلحة وأبادوهم عن آخرهم.
وتبدأ نظرية المؤامرة، التي تعيش في أعماق كل الجزائريين تأخذ أشكالاً مزعجة، فقد أقنعت الجماعة الإسلامية المسلحة نفسها أن المساعدة العسكرية والاقتصادية الفرنسية للحكومة الجزائرية تشكل نوعًا من إعلان الحرب عليهم بواسطة الغزاة الأوروبيين، وينفس الطريقة أقنعت الحكومة نفسها بأن الولايات المتحدة تساعد الجماعة الإسلامية المسلحة وتتساءل الحكومة: «إذن لأي سبب تنادي أمريكا بالحوار مع الجماعة؟»، وفي هذه الأثناء تتأهب أوروبا للوقت الذي تطولها المأساة الجزائرية، هل تستطيع فرنسا قبول الملايين الذين سوف يأتون عبر المتوسط في حالة انتصار الإسلاميين؟
الجزائر تظل ذات تاريخ مجهول الهوية وبحثها عن الهوية بعد استعمار واستغلال وفساد من قبل أنظمة تافهة يرقد في عمق هذه المأساة.
فالإسلام الذي كان في صلب مبادئ جبهة التحرير خانه زعماء الجبهة والديمقراطية عندما جربت أخيرًا فشلت لأن الانتخابات ألغيت لأنها جاءت بنتائج خطأ غير مرغوب فيها، فلذلك فإن أبناء الخيانتين – ضد الإسلام وضد الديمقراطية – انقلبوا على أبنائهم بشراسة لا توجد إلا داخل العوائل: الابن يكره الأب والأب يكره الابن يجب أن نمحي هؤلاء ونقطع دابرهم، هذا ما قاله أحد قدامي «المجاهدين» وهو يحتسي الويسكي في فندق سانت جورج «ماذا تعمل القطاع الرقاب القتلة الإرهابيين؟» فقلت له: لكن هؤلاء أهلك، إنهم جزائريون، وقد يكون هناك حوالي خمسة ملايين من أتباع جبهة الإنقاذ والجماعة الإسلامية المسلحة، نظر العجوز في كأس الويسكي وقال بلا تردد: «إذا فسوف نبيد خمسة ملايين».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل