العنوان الثورة الإسلامية في أفغانستان بين المنطق.. والهدف
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1979
مشاهدات 124
نشر في العدد 450
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 19-يونيو-1979
منذ فترة قريبة، قال الجنرال «بيار غالوا»، أأحد أبرز القادة العسكريين الفرنسيين في السلاح النووي، وصاحب عدة مؤلفات في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، قال في مقالة له عن الجغرافيا السياسية والقوى الدينية والأخلاقية:
«...ألا إن ثمة قوة جديدة بدأت تظهر، ألا وهي الدعوة إلى إسلام «متزمت»، والسعي عن طريق الإسلام إلى نظام حياة لا يكون نسخة عن نظام آخر، ولا تقليدًا له، بل يكون خاصًا بهويته وتقاليده ومصالحه المعنوية والمادية».
وقال:
«...وبعد إن كانت الدعوة إلى إسلام الأصل، مجهولة أو مهملة حتى الآن، باتت اليوم تقوى وتشتد».
إن كان الصواب قد جانب الجنرال «غالوا» في وصفه الانبعاث الإسلامي الحالي بأنه دعوة إلى إسلام متزمت، نتيجة بعض تصورات لديه، فقد أصاب تمامًا في جعله منطلق هذا الانبعاث وأهدافه نابعة من الإسلام، أو هي الإسلام نفسه:
«السعي عن طريق الإسلام إلى نظام حياة لا يكون نسخة عن نظام آخر، ولا تقليدًا له، بل يكون خاصًا بهويته ومصالحه المعنوية والمادية».
الإسلام إذن، هو منطلق الحركات الإسلامية اليوم في شتى أنحاء العالم، وإقامة شريعته وتطبيق نظامه الشامل هو هدف هذه الحركات أيضًا.
وما ثورة المسلمين في أفغانستان إلا واحدة من هذه الحركات التي تنطلق من الإسلام لتطبيق شريعته وإقامة نظامه في الأرض من أجل الإنسانية المعذبة جميعها.
ولقد أكد هذا أحد قادة الثورة الإسلامية في أفغانستان حين قال: إننا لا نحارب النظام الشيوعي في أفغانستان من أجل إعادة النظام السابق، ولكن من أجل إقامة نظام إسلامي مكانه.
ثورة نموذج
يمكن أن تعد الثورة الإسلامية في أفغانستان نموذجًا للثورة الشعبية الإسلامية في هذا الزمان، وهذا ما تؤكده الأمور التالية:
•رجال هذه الثورة هم من أبناء الشعب وأفراد القبائل الذين لا يلبسون اللباس العسكري ولا يضعون الرتب العسكرية، وصحيح أن كثيرًا من رجال الجيش المؤمنين قد انضموا إلى الثورة فيما بعد، إلا أن هذا لا يغير من انطلاقتها الشعبية، ويؤكد هذا ما قرأناه من أن الثوار اشترطوا على الضباط والجنود الذين انضموا إليهم أن يخلعوا ألبستهم العسكرية ليقاتلوا معهم في صفوفهم.
•التأييد الخارجي للثورة، من تقديم معونات مادية، ودعاوى إعلامية، لم تقم به حكومات، بل قامت به شعوب مسلمة.
•دخلت الثورة الإسلامية الآن عامها الثاني، وهذه طبيعة الثورات الشعبية، وتختلف عن الانقلابات العسكرية التي تتم بين ليلة وضحاها، أو تستمر عدة أيام لا أكثر.
محاولة ضرب الثورة
وهذه الثورة الإسلامية الشعبية لا ترضي القوى العالمية التي تحاول حصارها وضربها من جهات عدة:
أولًا: المعسكر الشيوعي يقف بقواه كلها مع نظام تراقي ضد الثورة الإسلامية، فلم يكتف بإرسال ترسانات الأسلحة الحديثة إلى رجال النظام، بل دعمها بإرسال الخبراء العسكريين والطيارين الروس، كما اتضح هذا وتأكد من مئات الأسرى الذين وقعوا في أيدي الثوار المسلمين.
ثانيًا: محاولة ربط الثورة بالمعسكر الغربي: وإيهام الناس بأنها تقاتل الشيوعيين بتأييد من الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة.
ثالثًا: الحصار الإعلامي المضروب حول الثورة وأخبارها، وإن كان هذا الحصار نسبيًا، فالصحف الغربية تكتب عن الثورة التي لا يمكن أن يعتم عليها إعلاميًا بصورة تامة، ولكن هذه الكتابات تنطلق في دراساتها وتحليلاتها للثورة من منطلقات غربية.
رابعًا: محاولة قطع الطريق على المساعدات الشعبية الإسلامية التي تصل للثورة من الشعوب المسلمة بالزعم أن هذا تدخل في شؤون أفغانستان الداخلية.
دروس
ولو أردنا أخيرًا، في هذه العجالة، أن نستخلص بعض الدروس من هذه الثورة فماذا نجد؟
أولًا: أن كيد القوى الكبرى مهما عظم وخطط له فإنه يبقى كيدًا بشريًا لا يحقق غاياته إذا أخلص المؤمنون في جهادهم في سبيل الله ونصرة شريعته، فعلى الرغم من الأسلحة الحديثة التي تمد روسيا بها حكم نور تراقي، فإن الثورة الإسلامية باتت تهدد الآن هذا الحكم بالانهيار أمام ضرباتها المتلاحقة لإخلاصها الجهاد.
ثانيًا: أن الوحدة الإسلامية التي تجلت في تعاطف المسلمين في شتى أنحاء العالم مع الثورة الأفغانية المسلمة بتقديم كل دعم ممكن، وعون مستطاع، يجب أن تجدد دائمًا، ومع كل فئة مسلمة مستضعفة تحتاج إلى التأييد والعون محققين قوله عليه الصلاة والسلام عن المسلمين بأنهم جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
ثالثًا: أن وقوف المسلمين مع إخوانهم في أفغانستان يجب أن يفرض مفهومًا إسلاميًا محل المفهوم الدولي السائد الآن.
المفهوم الإسلامي هو ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) ولذا فإن كل مسلم يمد يده بالعون إلى أخيه المسلم في أي مكان كان، لا يعد تدخلًا في الدولة التي ينتمي إليها هذا المسلم.
نقول هذا في الوقت الذي نسمع فيه الاتحاد السوفييتي يكرر متشدقًا بأن معونات دولة إسلامية للمسلمين في أفغانستان هو تدخل في شؤونها الداخلية، أما أسلحته وخبراؤه العسكريون الذين يبيدون المسلمين هناك.. فليس تدخلًا!
وبعد فإن الثورة الإسلامية في أفغانستان تحتاج إلى وقفات أطول، ودراسة أعمق، حتى توفى حقها من الاهتمام.
ولنا عودة أخرى إلى الموضوع إن شاء الله.