; مسيرة الصحوة الإسلامية في فرنسا ماضية رغم العراقيل | مجلة المجتمع

العنوان مسيرة الصحوة الإسلامية في فرنسا ماضية رغم العراقيل

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1992

مشاهدات 59

نشر في العدد 1021

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 20-أكتوبر-1992

* الرأي العام الفرنسي ينقسم إزاء المسلمين إلى فريقين.. فريق يرفض الانفتاح عليهم وفريق يرى عكس ذلك

 في الوقت الذي انطلق فيه قطار الوحدة الأوروبية الاقتصادية والسياسية خاصة بعد التصويت المحتشم لفائدة معاهدة ماستریخت خلال الاستفتاء الفرنسي، بات من المفيد الوقوف على ملف هام في إطار المسيرة الأوروبية متمثلًا في واقع الصحوة الإسلامية في الغرب ومستقبلها على ضوء التطورات التي ستشهدها القارة العجوز والإشكاليات التي سيطرحها تواجد جاليات وكيانات ذات خصوصيات ثقافية متميزة وذات نزعة استقرارية واندماجية في المجتمعات الغربية. 

تراكمات تاريخية 

وتعتبر التجربة الفرنسية من الأمثلة ومن التجارب الجديرة بالاهتمام لأسباب وعوامل عديدة، فهناك البعد التاريخي لعلاقة فرنسا بالإسلام التي تعود إلى زمن بعيد، وإذا كان بعض المؤرخين يؤكدون على الحروب الصليبية لإضفاء صورة سلبية على هذه العلاقة، فإن البعض الآخر مثل الكاتب جاك فريمو أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة نيس – فرنسا، صاحب كتاب «فرنسا والإسلام منذ 1789»، يركز على الدعم القوي الذي كانت تقدمه فرنسا للإمبراطورية العثمانية خلال القرن الثامن عشر.

ومهما كانت القراءات لهذه العلاقة التاريخية فإن الشيء المؤكد بقاء رواسب سلبية في العموم في الضمير الجمعي الفرنسي، إزاء الإسلام والمسلمين عمومًا نتيجة تراكمات عديدة منذ ذلك التاريخ إلى عصرنا الحاضر حيث مرت هذه العلاقة بمحطات كبرى تركت بصماتها على العقلية الفرنسية في تعاملها مع الظاهرة الإسلامية، وتعتبر حرب الجزائر من أعمق الأزمات التي عرفها الطرفان نتيجة تفاعل الأبعاد السياسية الجغرافية مع البعد الثقافي.

فمن خصوصيات التجربة الفرنسية أن التقارب الجغرافي بين ضفتي البحر المتوسط قد أسهم في دفع الاستراتيجيين الفرنسيين إلى اعتبار الضفة الجنوبية مجالًا حيويًا لمصالحهم، وبوابة نحو قلب القارة السمراء لكن لم تكن السيطرة على ربوع شمال إفريقيا ذات الهوية الإسلامية ميسرة فكانت الحملة التبشيرية التي مهدت للمهمة الحضارية التي زعمتها القوى الاستعمارية لفتح أسواق لمنتوجاتها.

وقد ترك الاحتكاك ثم الصراع والصدام السياسي في ظاهره والثقافي الحضاري في جوهره جروحً بليغة تعقدت بظهور صحوة إسلامية في البلدان الإسلامية وفي الغرب في إطار الجاليات المنتمية لهذه البلدان بل حتى في صفوف الغربيين أنفسهم. 

وكانت فرنسا من بين البلدان الرئيسية التي برزت فيها هذه الظاهرة لوجود كثافة سكانية من المهاجرين وأبنائهم ذوي الأصول الإسلامية (شمال إفريقيا- إفريقيا- تركيا) ثم لكون باريس تعد منذ تاريخ بعيد مركزًا دبلوماسيًا وثقافيًا مشعًا على العالم وتتفاعل مع الأحداث الساخنة في الشرق الأوسط لتكسب موقعًا إستراتيجيًا في المنظومة الدولية.

من هذا المنطلق عاشت فرنسا كل التحولات التي جرت في إيران ولبنان وفلسطين وأفغانستان وغيرها من الأحداث في المغرب العربي، وإزاء هذه الأحداث لم يكن أبناء الجالية الإسلامية في غفلة عما يدور في العالم فتعمق وعيهم بذاتيتهم وهويتهم وتعددت المناسبات التي حركت الضمير الجمعي والأحكام لدى الفرنسيين مثل قضية الحجاب وسلمان رشدي والمظاهرات ضد العنصرية ومشاركة العمال المسلمين والمغاربة بالخصوص في التحركات العمالية النقابية.

بين الانكماش والانفتاح

وكان رد الفعل المتوقع هو أن يتحرك الكيان الفرنسي ليدافع عن نفسه من خطر هجوم المسلمين وضرب الهوية الفرنسية المسيحية، وهو الشعار الذي تبنته أطراف سياسية (الجبهة الوطنية بقيادة لويان وغيره من الأشخاص) مع تضخيم حجم المهاجرين ووزنهم والتركيز على المراحل السوداء في العلاقة بين فرنسا والإسلام.

إلا أن المتتبع لمسيرة الصحوة في فرنسا يلاحظ أن الجالية الإسلامية بها بقيت تعاني الأمرين لمجرد مطالبتها بالحفاظ على هويتها وعلى أساسيات العقيدة والعبادة، مثل اللحم الحلال والمساجد لإقامة الشعائر التعبدية والحجاب باعتباره جزءًا من الشخصية للمرأة المسلمة وأحد أشكال التعبد والجمعيات التي تدافع عن حقوقها وتعليم أبنائها القرآن واللغة العربية.

ورغم اختصارها على الطابع العقدي والثقافي فقد ضخمت الآلة الإعلامية الفرنسية هذه المطالب وأعطتها بُعدًا سياسيًا إلى حد الحديث عن فرنسا ذات الألف مسجد، وإمكانية إمساك أحد أبناء الجالية الإسلامية بمقاليد الأمور في فرنسا والزحف الإسلامي على أوروبا وغيرها من الشعارات المخيفة من عودة الإسلام ووصول «عدوى» الصحوة الإسلامية إلى بلاد الغرب.

ومع مرور الزمن بدأ الرأي العام الفرنسي ينقسم إلى فريقين: فريق يدعو إلى الانكماش على الذات والحفاظ على الهوية الفرنسية المسيحية ويرفض الانفتاح على الآخرين من المسلمين بالخصوص خوفا من ذوبان الشخصية الفرنسية حتى في الإطار الأوروبي.

 وفريق آخر: لا يرى مانعًا من الانفتاح بل من إدماج عرقيات وثقافات أخرى في المجتمع الفرنسي من أجل سد الفراغ الديموغرافي وتطعيم فرنسا بطاقات جديدة وإدخال دم جديد على التركيبة الثقافية الاجتماعية، لكن هذا الفريق المنفتح تختلف نسبه انفتاحه على المجتمعات والجاليات الإسلامية بحسب الاتجاهات والانتماءات السياسية والأيدولوجية داخله.

معضلة التشتت

في المقابل برزت ثغرات عديدة في الصحف الإسلامية استغلها الطرف المقابل للتشهير بالصحوة ورموزها، من ذلك أن الجالية رغم اتساع حجمها (أكثر من 4 ملايين) فإنها بقيت مشتتة بين مختلف الجمعيات التي سقط مسؤولو عدد منها في الخلافات الهامشية والتي تعكس نقصًا في التجربة المؤسساتية والعقلية الشورية إذ يحاول كل طرف نقل تجربة البلاد التي ينتمي إليها أو تنزيل أوامر سلطة هذا البلد أو ذاك الشيء الذي جعل مؤسسة كبيرة كمسجد باريس مثلًا محدود التأثير لارتباطه بالقرار الجزائري منذ تأسيسه.

وإزاء هذا التشتت المشفوع بسيطرة قطاع النخبة على العمل الإسلامي وشبه غياب القواعد عن الفعل استطاعت الحكومة الفرنسية توظيف هذا الوضع، فسعت إلى سد فراغ مشكل تمثيل المسلمين في فرنسا عن طريق تعيين «مجلس تفكير حول الإسلام»، كهيئة استشارية تمهيدًا لاعتماده كهيئة ممثلة، وقد لعبت السلطات على عدم التجانس القائم في صفوف الكيان الإسلامي، فهناك تيارات عديدة ذات أطروحات وطرق عمل متنوعة ومتضاربة في كثير من الأحيان، فالحركيون «الجزائريون الذين وقفوا إلى جانب فرنسا الاستعمارية» وبعض الرموز الأخرى التي تتحدث باسم الإسلام يتبنون الطرح العلماني للإسلام في نفس التوجه الذي تصب فيه السلطة الرسمية، وهناك من يحصر الإسلام في إطار الدعوة العامة والقيم الفاضلة بعيدًا عن كل اهتمامات ذات أبعاد حضارية إلى جانب فريق آخر من الدعاة الذين يطرحون أمر الإسلام كمشروع حضاري مع مراعاة الإطار الذي يتحركون فيه.

آفاق جديدة

والملاحظ أن تجارب القواعد مع هذا المشروع ومع الجمعيات الكبرى كاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا بدأ يزداد مع ارتفاع مستوى الوعي كما يظهر من خلال المخيمات والمؤتمرات التي ينظمها هذا الاتحاد سنويًا، كما أن الجيل الثاني بدأ يقترب شيئًا فشيئًا من أصالته ويتلمس هويته بانتشار المدارس القرآنية في إطار المساجد القائمة علمًا بأن هذا النوع من التعليم لم يجد إلى حد الآن قبولا لدى السلطات في حين أن المدارس الخاصة المسيحية واليهودية منتشرة في كل ربوع فرنسا.

وهذا النقص في مجال التعليم الحر المعترف به هو من أكبر العوائق والإشكاليات التي تعاني منها الجالية الإسلامية في هذه البلاد نظرًا لارتفاع نسبة الشباب والمتعطشين لمعرفة دينهم إذ لا تكفي الدروس في المساجد مع قلة الدعاة وعدم تفرغ عدد من ذوي الاختصاص البيداغوجي لسد الفراغ التعليمي.

ومهما كان الأمر فإن مسيرة الصحوة الإسلامية في فرنسا وفي الغرب عمومًا ماضية، ومن مظاهرها تبني عدد من الغربيين لهذا الدين الحنيف وانتشار الفكرة الإسلامية والاهتمام المتزايد بقضايا المسلمين في أنحاء العالم خاصة ما يجري في المغرب العربي وفي البوسنة والهرسك وستفتح الوحدة الأوروبية كما جاءت في «معاهدة ماستريخت» آفاقا جديدة للعاملين في الحقل الإسلامي على المستوى الأوروبي ستكون لها انعكاسات إيجابية بحول الله لو يحسن استغلالها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

157

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان