; مسلمو جنوب إفريقيا والانتخابات القادمة | مجلة المجتمع

العنوان مسلمو جنوب إفريقيا والانتخابات القادمة

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1994

مشاهدات 265

نشر في العدد 1090

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 01-مارس-1994

بينما تستعد جنوب إفريقيا لإجراء انتخاباتها التشريعية الأولى بعد إلغاء التمييز العنصري وتوصل الأفارقة والبيض إلى صيغة لبناء مجتمع ديمقراطي يحضر المسلمون، الذين يشكلون 2,5 بالمئة من سكانها حوالي المليون من أصل أربعين مليونا، لاحتفالات كبيرة لإحياء الذكرى المئوية الثالثة لنزول أول مسلم إلى أراضيها، وعلى الرغم من مرور ثلاثمائة عام على تلك الحادثة التي وصل بسببها الإسلام إلى هذه البلاد النائية، إلا أنها المرة الأولى التي يتمكن المسلمون فيها من الاحتفال على نطاق واسع بمثل هذه المناسبة، وما ذلك إلا بفضل إقبال البلاد على مرحلة جديدة، يرجى أن يتمتع المسلمون في ظلها بحرية دينية أكبر بعد قرون من القهر والحرمان.

لم يزل المسلمون في جنوب إفريقيا منذ ثلاثة قرون يعلمون أولادهم جيلا بعد جيل أن الشيخ يوسف، العالم المكي المجاهد، وأهله ومجموعة من صحبه ومريديه الذين تنحدر منهم العائلات المسلمة المالاوية في إقليم الكيب أبعدوا من بلادهم في الملايو إلى رأس الرجاء الصالح، بعد أن أعيا الهولنديين كفاحهم وبلغت مقاومتهم لسيطرتهم الاستعمارية على بلادهم حد الثورة الشعبية.

وكان نزول الشيخ وصحبه بساحل إفريقيا الجنوبي في الثاني من إبريل (نيسان) 1694م، بعد رحلة شاقة تضمنت اعتقالهم في مدينة كولومبو السيلانية (سيريلانكا) لمدة عامين تقريبا، وتعتبر قصة الشيخ يوسف وصحبه من أهم معالم التراث الإسلامي في هذه البلاد لأنها تروي قصة المعاناة والاستعباد والاستغلال التي تعرض لها شعب جنوب إفريقيا على أيدي الهولنديين ثم البريطانيين ثم على أيدي نظام الأقلية البيضاء الذي استحدث التفرقة العنصرية المعروفة باسم أبارتايد والتي قسمت السكان على أساس اللون إلى بيض وهنود وملونين وسود.

مسلمو جنوب إفريقيا اليوم موزعون في ثلاثة أقاليم رئيسة في إقليم ترانسفال وعاصمته جوهانسبرج، وإقليم ناتال وعاصمته مدينة ديربان، وإقليم الكيب (عند ملتقى المحيطين الأطلسي والهندي) وعاصمته مدينة كيب تاون، ومعظم مسلمي المنطقتين الأوليين هم من أصل هندي، ولذلك كانوا في عهد التمييز العنصري يصنفون هنودا ويشتغل كثير منهم في التجارة والأعمال الحرة ويتمتعون بمستوى لا بأس به من المعيشة، وكان مجيء أجداد هؤلاء في عهد الاستعمار البريطاني لكل من الهند وجنوب إفريقيا، وقد أحضر بعضهم الإنجليز لا لأسباب سياسية بل لأغراض اقتصادية بحتة حيث استعملوا أجراء في مزارع قصب السكر، وحضر البعض الآخر بمحض إرادته للاشتغال بالتجارة.

أما سكان المنطقة الثالثة (إقليم الكيب) فترجع أصول معظمهم إلى الملايو وإندونيسيا، وكان العنصريون يصنفونهم مع الملونين، وهؤلاء المسلمون هم الأقدم وصولا إلى البلاد. إذ نفي أجدادهم قسرا أثناء فترة الاستعمار الهولندي الذي كان مسيطرا على جنوب شرق آسيا وجنوب إفريقيا في نفس الوقت، ويعمل جلهم في مجال التعليم وفي الوظائف الحكومية بشكل عام.

ونظرا لارتفاع مستوى الثقافة بين أبناء الجالية المسلمة، واشتراكها المشهود في الكفاح الطويل ضد الاستعمار وضد التفرقة العنصرية، ونظرا لتركزها في ثلاث مناطق بعينها، فإن لها في البلاد ثقلا أكبر بكثير من حجمها الفعلي، مما جعل الأحزاب السياسية المتنافسة على السلطة تتسابق لكسب ودها وإقناعها بالتصويت لصالحها في الانتخابات التي ستجرى في السابع والعشرين من إبريل (نيسان) 1994م.

ويأتي على رأس هذه الأحزاب المؤتمر الوطني الإفريقي بزعامة نيلسون مانديلا، ثم الحزب القومي بزعامة ديكليرك (حزب البيض الحاكم حاليا)، ثم حزب إنكاثا بزعامة بوتوليزي الممثل لقبائل الزولو على الرغم من أن كثيرا من أبناء الزولو يؤيدون المؤتمر الوطني.

ثم الحزب الديمقراطي بزعامة زاغ ديبيا (حزب تابع لمجموعة من السكان البيض الذين كانوا في السابق معارضين لحكم العنصريين)، ثم حزب مؤتمر الأفارقة بزعامة ماكويتو (وهو حزب تشكل بعد انشقاق مؤسسيه عن الحزب الوطني، وكان حتى وقت قريب يعتقد بحق الأفارقة دون سواهم في البلاد). هذا بالإضافة إلى ما يقرب من أربعة عشر من الأحزاب الأخرى التي تمثل عددا من الانتماءات القبلية والتجمعات السياسية الصغيرة.

وعلى الرغم من أن الهيئات الشرعية الرئيسية الممثلة للمسلمين في جنوب إفريقيا -مجلس القضاء الإسلامي وجمعية العلماء... وغيرها- أفتت بجواز المشاركة في الانتخابات، يحتدم النقاش في أوساط الجالية المسلمة حول مدى جواز ذلك، أو حول جدواه أو حول أيهما أفضل أن يؤسس المسلمون لأنفسهم واجهة سياسية خاصة بهم أم أن يدلوا بأصواتهم لأحد الأحزاب القوية التي شكلت حتى الآن، ثم حول أي الأحزاب أحق بأصوات المسلمين.

وبينما يرى البعض وجوب أن يشارك المسلمون في العملية السياسية حفاظا على مصالحهم وضمانا لحقوقهم، وخاصة أنهم شاركوا في كافة مراحل الكفاح من أجل الحرية والعدالة، وعلى اعتبار أن الانعزال إنما هو انتحار سياسي يمكن أن يؤدي في المستقبل إلى عواقب وخيمة، إلا أن قلة ممن شكلوا واجهات ذات توجهات فكرية معينة يصرون على حرمة المشاركة في العملية الديمقراطية، إما ادعاء منهم لحرمة الديمقراطية ذاتها، وإما تحججا بأن النظام الذي تجرى من خلاله هذه العملية نظام كافر.

يرى أحمد كاثرادا، رئيس دائرة العلاقات العامة في المؤتمر الوطني الإفريقي أن الفئات التي تريد للمسلمين أن ينعزلوا ويقاطعوا العملية السياسية إنما يريدون الضرر للمسلمين، من حيث علموا أو لم يعلموا، ويستهجن موقف هؤلاء لأن المسلمين في كثير من الأماكن التي يشكلون فيها أغلبيات أو أقليات شاركوا فعلا في الانتخابات رغم أن النظم السياسية القائمة في الأقطار التي يقيمون فيها لا تعتبر إسلامية، ويرى ضرورة تثقيف المسلمين في جنوب إفريقيا إلى أهمية المشاركة التي سيتمكنون من خلالها من تحسين أوضاعهم في كافة المجالات، ويؤكد أن الحزب الوطني الإفريقي، الذي يمثل حركة النضال ضد التمييز العنصري، والذي يتوقع أن يصوت له ما لا يقل عن 60 بالمئة من السكان في البلاد، هو الذي يستحق أصوات المسلمين دون غيره من الأحزاب، وخاصة أنه أبدى استعدادا تاما لتبني مشروع الأحوال الشخصية الخاص بالمسلمين..

أما سالم إبراهيم، المدير الإقليمي لمنطقة جوهانسبرج في منظمة المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان، والذي يشرف على سلسلة من الدورات المكثفة أعدتها منظمته لتثقيف المواطنين حول الديمقراطية والانتخابات، فيقول إن المسلمين في جنوب إفريقيا ما زالوا حتى الآن غير معترف بهم بشكل رسمي، ونتيجة لعدم اعتراف نظام التمييز العنصري بالدين الإسلامي، فإن زواج المسلمين منذ أن حطوا بالبلاد وحتى الآن لا يعتبر رسميا، وبمعنى آخر، يعتبر النظام العنصري كل أبناء المسلمين أولاد حرام، ويرى أن الفرصة سانحة أمام المسلمين الآن للمشاركة في العملية السلمية وانتزاع اعتراف بحقهم في قانون أحوال شخصية خاص بهم تستمد أحكامه من الشريعة الإسلامية.

ويضيف أن المرحلة الجديدة ستعني مزيدا من الحريات الشخصية وضمانات لحق التعبير والاعتقاد، ولذلك فإن المسلمين لو أرادوا استغلال تلك الظروف سيتمكنون من نشر تعاليم الإسلام بين الأغلبية الإفريقية، التي كان يحظر عليها في الماضي الاتصال بالمسلمين، وكان المبشرون النصارى حتى سنوات قليلة مضت هم الوحيدون الذين يتمكنون من دخول مناطق السود. إلا أنه يستدرك قائلا :إن القلة القليلة من المسلمين من ذوي الأصوات الصاخبة المدعومة من بعض الجهات هي التي تتبنى فكرة المقاطعة، ولذلك يتوجب على علماء المسلمين أن ينشطوا في مجال توعية الناس ودحض ادعاءات الذين يفتون بغير علم.

كان يمكن أن تكون مهمة العلماء سهلة لو كان المسلمون على قلب رجل واحد، ولكن كما هو الحال في كثير من الأقطار التي يشكل فيها المسلمون أقلية، تنقلب كل فئة منكفئة على نفسها قاطعة حبال المودة والتواصل مع الفئات الأخرى، ومن الملاحظ أن معظم أسباب الشقاق والنزاع هي أمور ثانوية يفقد المسلمون بسبب الاختلاف عليها قوة ضغط سياسية كبيرة يمكن أن تكون كفيلة بترجيح الكفة السياسية في هذا الاتجاه أو ذاك لو أحسنوا استخدامها.

ولا شك أن مصلحة المسلمين التي يضرها الانعزال، لا يخدمها أن يسعى المسلمون إلى تكوين حزب سياسي خاص بهم، لأن نسبتهم الصغيرة لن تمكنهم من إيصال أحد إلى البرلمان بأصواتهم وحدهم، حتى على افتراض إجماعهم عليه، بل إن الخيار الوحيد أمامهم هو إعطاء أصواتهم للحزب الأقوى والأكبر القادر على تشكيل حكومة المستقبل منفردا أو متحالفا مع غيره. ويكاد يكون ثمة إجماع بين المثقفين المسلمين على أن هذا الحزب هو المؤتمر الوطني بزعامة نيلسون مانديلا، الذي يشغل عدد من المسلمين مناصب رفيعة فيه.

ويطالب هؤلاء المثقفون إخوانهم في الأقطار العربية والإسلامية باستمرار التواصل معهم وتعزيز الرابطة التي تجمعهم، وخاصة أنهم تضرروا كثيرا بسبب مقاطعة البلاد المسلمة لنظام بريتوريا في المرحلة السابقة لعدم الانفتاح.

ويؤكدون على ضرورة تبادل الزيارات حتى يتمكنوا من الاستفادة من تجارب المسلمين في المناطق الأخرى في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية، وحتى يساهموا معهم في إزالة المفاهيم المغلوطة حول دور المسلمين في هذه المجالات، وفي تدعيم هذا الدور في جنوب إفريقيا المستقبل.

ويرون أهمية تكثيف هذه الجهود في الفترة التي تسبق الانتخابات القادمة بشكل خاص حتى يؤتي الحوار والتواصل أكله، ويساعد على توحيد أكبر نسبة ممكنة من المسلمين في جبهة واحدة يكون لها وزنها في المعادلة السياسية.

معلومات أساسية عن جنوب إفريقيا

  • عدد السكان 39 مليون نسمة.
  • المساحة 1221 مليون كيلومتر مربع.
  • العملة: الروند (الدولار 3,60 روند) - متوسط دخل العامل 800 دولار شهريا.
  • بلغ الناتج المحلي في نهاية العام الماضي 114 مليار دولار.
  • تمتلك جنوب إفريقيا 44% من احتياطات الماس في العالم، و82٪ من المنجنيز و64% من البلوتونيوم.
الرابط المختصر :