العنوان الموساد ليس ببعيد: مسلسل تصفية علماء العراق.. إلى متى؟ ومن المسؤول؟
الكاتب د. أكرم المشهداني
تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005
مشاهدات 79
نشر في العدد 1655
نشر في الصفحة 18
السبت 11-يونيو-2005
ماذا يعني مقتل 1500 بين عالم ذرة وأستاذ جامعي وطبيب....؟
وزير عراقي: الظاهرة تتصاعد.. ويقف وراءها الإرهاب داخليًّا وخارجيًّا
د. إلياس: «الموساد» المتهم الأول.. و معظم ضحاياه خارج النظام السابق
وزارة التعليم العالي: 15500 عالم وباحث وأستاذ جامعي فصلوا من عملهم في إطار تصفية العلماء.
مسؤول عراقي: سياسة فصل العلماء وضعت في تل أبيب بهدف الاقتصاص من منفذي برامج العراق العلمية
الناطق باسم قوات التحالف: حملة واسعة من الاغتيالات بأيد مجهولة تستهدف «ذوي الياقات البيضاء» من الطبقة المتعلمة
منذ غزو العراق، بدأ مسلسل التصفيات والاغتيالات التي طالت شخصيات علمية عراقية من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعة ومفكرين وصحفيين وأدباء وباحثين في شتى الاختصاصات، وأسهمت في تفاقمه حالة الانفلات الأمني وفراغ السلطة وتخبط قوات الاحتلال وتقصيرها عن ممارسة التزاماتها الدولية في حفظ الأمن والنظام. وبسبب انفلات الحدود واستباحتها، فقد دخلت قوى مخابراتية واستخبارية منظمة من خارج العراق، وعاثت بأمن البلاد وارتكبت مجازر وتصفيات جسدية بحق علماء العراق.
وأسهمت مليشيات مسلحة في أعمال تصفيات منظمة وفق «قوائم» معدة سلفًا بقصد الانتقام، ولتنفيذ مخطط رهيب يستهدف إفراغ العراق من عقوله ومفكريه, تقف وراءه قوى مخابراتية معلومة, فالموساد الصهيوني صار له قواعد ووجود داخل العراق باعتراف أطراف دولية وإقليمية وإسرائيلية, وتجاوز عدد عناصره ٥٠٠٠ عنصر، كما أن مدن العراق باتت اليوم تضم حوالي ١٥ ألف عنصر مخابرات إيراني دخلوا العراق بهويات عراقية مزورة، وقسم كبير منهم دخلوا مع الأفواج غير المنضبطة وغير المسيطر عليها من الزوار الإيرانيين بحجة زيارة المراقد الدينية وبقوا في العراق مستغلين حالة الفوضى والانفلات الأمني، إن الاتهامات اليوم توجه بصراحة إلى عناصر الموساد ومخابرات أجنبية في مقدمتها «السي آي إيه»، وعناصر إيرانية بتصفية العلماء العراقيين, وخاصة العلماء الذين تبحث عنهم فرق التفتيش الأمريكية منذ عدة سنوات، فبعد دخول قوات الاحتلال الأمريكي للعراق قامت عصابات منظمة باستهداف العقول العراقية، الأمر الذي أدى إلى خسارة المجتمع العراقي ما يقارب ١٥0٠ ما بين طبيب وأستاذ جامعي وعالم ذرة, وذوي اختصاصات أخرى مهمة ممن لقوا حتفهم داخل العراق وبعضهم خارجه، ومن سلم من هذه العقول تعرض للاختطاف هو أو أحد ذويه أو أُجبر على ترك البلد تحت ضغط التهديدات التي أرسلتها له هذه العصابات.
إن التدهور الأمني في هذه المرحلة سمح بظهور أعداد هائلة من المجرمين, منهم من أطلق النظام السابق سراحهم من السجن قبيل الحرب, مما جعل الساحة العراقية تعج بالعناصر الإجرامية التي كانت هدفًا سهلًا لبعض القوى الخارجية التي لا تريد للعراق أن يستقر فتم تجنيدهم من قبل تلك القوى لممارسة أخطر لعبة في زمن الاحتلال, ألا وهي اغتيال العقول النيرة من أطباء ومهندسين وعلماء في جميع الاختصاصات, الذي لم ينله الاغتيال أصبح من حصته الاختطاف، وقد اعترف مؤخرًا السيد بختيار أمين وزير حقوق الإنسان في العراق في تصريح له لجريدة «المدى العراقية» 20/3/2005م بتصاعد ظاهرة اغتيال العقول العراقية, واتهم أطرافًا إرهابية داخلية وخارجية بذلك.
وعلى سبيل المثال فقد ذكرت جريدة «الزمان» العراقية بعددها ١٧٦٣ بتاريخ 22/3/2004م- نقلًا عن مصادر وزارة الداخلية العراقية- أن أكثر من ألف عراقي لقوا مصرعهم في عمليات اغتيال تستهدف الكوادر العلمية والثقافية والفنية, وأغلبهم من الأطباء وأساتذة الجامعات والمهندسين في قطاع التصنيع العسكري السابق خلال السنة التي أعقبت سقوط النظام السابق, ولم يرد في الإحصائية شيء عن اغتيالات ضباط وعناصر الشرطة العراقية وباقي الموظفين في دوائر الدولة بالمحافظات، كما أن رئيس دائرة البحوث بوزارة التعليم العالي العراقية أسامة عبد المجيد قد صرح لصحيفة «السبيل الأردنية» مؤخرًا أن ١٥٥٠٠ عالم وباحث وأستاذ جامعي عراقي فصلوا من عملهم في إطار «الحملة الإسرائيلية» لتصفية العلماء العراقيين, ومن جهة أخرى اتهم «الأمين العام للرابطة الوطنية لأكاديمي ومثقفي العراق» د. هاني إلياس «الموساد» الإسرائيلي بالوقوف وراء اغتيالات العلماء والمثقفين العراقيين، وقال: «إن معظم الضحايا لم يكونوا محسوبين على النظام العراقي السابق, مما يجعل أسباب تصفيتهم ترتبط بمخطط يهدف إلى تحطيم مؤسسات العراق الوليدة, مشيرًا إلى أن «غالبية القتلى هم من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والقضاة والمحامين، وهذا ما يعزز القناعة أن الهدف من وراء الاغتيال هو قتل الخلايا النوعية في جسد المجتمع العراقي لمنعه من النمو والتطور».
تصفية ألف من النخبة
من جهتها أجملت سلطة التحالف أن عدد الذين تمت تصفيتهم في العراق عن طريق الاغتيالات منذ مطلع مايو ٢٠٠٢ إلى مايو ٢٠٠٤ بـ ١٠٠٠ مواطن عراقي غالبيتهم من النخبة, وكشف «الناطق باسم قوات التحالف» الجنرال مارك كيميت في 2/5/2004م أن حملة واسعة من الاغتيالات استهدفت من وصفهم بـ «ذوي الياقات البيضاء» من الطبقة المتعلمة، قد نفذتها أيد مجهولة، فيما قال مسؤول عراقي آخر رفض الكشف عن هويته: «إن سياسة فصل العلماء العراقيين من وظائفهم وضعت في تل أبيب بهدف الاقتصاص من منفذي برامج العراق العلمية».
وأكدت أوساط عراقية مطلعة في بغداد أن الموساد طلب من المخابرات الأمريكية ترك ملف العلماء العراقيين برمته إلى عملاء الموساد في العراق، مشيرين إلى أن الموساد يريد تهجير هؤلاء العلماء أو اغتيالهم إذا رفضوا التعامل معه.. وأصدرت رابطة التدريسيين الجامعيين في العراق نداءً مؤخرًا حول الذين تم اغتيالهم والاعتداء عليهم واعتقالهم من أساتذة الجامعات وطلبة الدراسات العليا والكفاءات العراقية خلال الأشهر الماضية، مع أشكال الاعتداءات على المؤسسات التعليمية جاء فيه: «إلى كل أبناء شعبنا الصابر الأبي, إلى كل من جعله الله في موقع المسؤولية، فكان على وفق القوانين والشرائع كلها ضامنًا لأمن المواطنين وسلامتهم, إلى كل الأفراد والهيئات والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان والمتابعة لآلامه، تقدم رابطة التدريسيين الجامعيين هذا الكشف الذي يمثل جانبًا بسيطًا من حقيقة ما يتعرض له العراق وشعبه الجريح في ظل الاحتلال وتبعاته البالغة المرارة، عسى أن يكون إشراقة ضوء وبارقة أمل تذلل صعوبة الطريق الوعر المسالك نحو الحرية».
وتضمن الكشف أسماء العلماء والأكاديميين الذين تمت تصفيتهم خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق, ومن ذلك اغتيال عدد كبير من علماء الدين من بينهم الشيوخ أحمد الجبوري, وأحمد المدائني, والمفكر الإسلامي الشهير عمر محمود عبد الله, د. فيضي الفيضي, ود. محفوظ القزاز, ود. حسن الربيعي, ود. محمد الراوي, ود. صبري الهيتي, ود. فؤاد البياتي, ود. مظفر الدوري, الشيخ خليل سبع المشهداني, ود. سعدي زيدان, علي حسن الذهبي، أحمد خضير المشهداني, ود. عبد اللطيف المياح, ود. شاكر الخفاجي ومئات غيرهم.
وكان الصحافي البريطاني روبرت فيسك, قد كتب مقالة في «الإندبندنت» في شهر يوليو ٢٠٠٤م عن ظاهرة اختطاف واغتيال الأكاديميين العراقيين, وقال الصحافي: إن المغول حولوا ماء نهري دجلة والفرات للسواد عندما دمروا كل ثقافة العراق في ذلك الوقت, ومنذ الاجتياح الأنجلو-أمريكي، يقول الكاتب تم اغتيال عدد كبير من أكاديميي الجامعات.. إن أساتذة اللغة العربية والتاريخ والقانون صاروا ضحايا في الحرب على العلم، فقد قام معتدون مجهولون بذبح عميدة كلية القانون وزوجها في فراشهما, وهي القصة التي لم تجد من يتحدث عنها في الإعلام الغربي، كما يقول فيسك.
من وراء الجريمة؟
ويتساءل هنا عن الجهة التي تقف وراء عمليات القتل هذه، مستبعدًا أن يكونوا من الطلاب الغاضبين على أساتذتهم, ولا يستبعد أن يكون الفاعلون من الذين يتصيدون البعثيين، مع أنه غير متأكد, حيث يقول إن معظم الأساتذة في الجامعات الذين أجبروا على الانضمام للبعث لم يكونوا سوى حملة بطاقة انتساب، لا أكثر ولا أقل، بل إن رئيس جامعة بغداد محمد الراوي الذي اغتيل العام الماضي, يعتبر رجلًا إنسانيًّا وليبراليًّا, ومع ذلك فالأساتذة في الجامعات يراقبون أبواب غرف المحاضرات ومكاتبهم بحذر، تمامًا كما يفعل طلابهم، خاصة أن الذين يقومون بالعمليات لا يهتمون بوجود طلاب في الحادث، فالدكتور صبري البياتي، أستاذ الجغرافيا قُتل أمام طلابه على باب الجامعة, وأشار أحد زملائه للمكان الذي اغتيل فيه، وأن طلابًا شاهدوا القاتلين، ولم يكن بمقدورهم فعل أي شيء.
كما انتشرت ظاهرة خطف الأطباء والعلماء, وهي ظاهرة جديدة على المجتمع العراقي. وفي تصريح لصحيفة الصباح العراقية قال مدير مكتب مكافحة جرائم الخطف بوزارة الداخلية العراقية العقيد فيصل علي الدوسكي: «إن الفترة الماضية شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات حوادث الاختطاف في العراق، وأصبح هناك عصابات منظمة ومتخصصة في هذا المجال»، وأضاف أن: «الوزارة وبعد تسلم السيادة والملف الأمني قامت بحملة واسعة لمكافحة هذه الظاهرة، وذلك من خلال مطاردة العصابات المختصة بالاختطاف وتقديمها إلى العدالة», وأوضح أن «الشرطة العراقية تمكنت خلال الفترة بين يوليو ٢٠٠٣ ويونيو ٢٠٠٤ من القبض على نحو أكثر من ٣٥٠ متهمًا بجرائم خطف، وهذا العدد قد لا يشكل ١٠٪ من الجرائم التي تحدث في العراق إذ إن معظم ذوي المخطوفين لا يبلغون الشرطة بهذه الجرائم خوفًا على ذويهم».
وأخيرًا صرح مصدر مسؤول في وزارة الداخلية العراقية أن التحقيقات الأولية في بعض حوادث الاغتيال قادت إلى خيوط في غاية الأهمية في تحديد الجهات التي تقف وراء تلك الجرائم, وأكد المصدر أن أحزابًا معينة قامت بتكليف مليشياتها بتدبير حوادث الاغتيال تلك وغيرها، وأن هذه الجهات تقف وراء اغتيال المئات من أساتذة الجامعات والشخصيات العراقية، وأكد الناطق أن الإفصاح عن اسم تلك الجهات قد يؤدي إلى «أزمة سياسية كبيرة», وتذكر مصادر في الشرطة أنها عثرت أثناء مداهمة مقار حزبية على وثائق ومستندات تتضمن أسماء شخصيات تم تصفيتها وأسماء لشخصيات على قائمة التصفية، وكان مقر شرطة التحقيق بالجرائم الخطيرة المسمى «إف بي آي العراق» في منطقة العامرية ببغداد قد تعرض لقصف بقذائف الهاون، وهو ذاته القسم المعني بالتحقيق في أهم جرائم التصفيات.
وحول ظاهرة خطف الأطباء العراقيين من قبل عصابات إجرامية، صرح الطبيب الأخصائي في مستشفى ابن النفيس الدكتور علاء الدين سلمان أن «العديد من الأطباء البارزين قد تعرضوا خلال الفترة الماضية إلى حوادث اختطاف، فقد تعرض ابن رئيس قسم الجراحة في كلية الطب جامعة بغداد الدكتور شوقي يوسف إلى حادث اختطاف، وطالب المختطفون بمبلغ خيالي مقابل إطلاق سراحه، مما اضطر الدكتور إلى دفع هذا المبلغ في سبيل إطلاق سراح ولده، وكذلك تم اختطاف العالم في جراحة الجملة العصبية عبد الهادي الخليلي, وقبله اختطف الدكتور ريسان الفياض، وأيضًا تم إرسال العديد من رسائل التهديد إلى الدكتور علي فرج صالح, العالم في أمراض القلب والأوعية الدموية», وأضاف أن «الفترة الماضية شهدت تزايدًا ملحوظًا في حوادث الاختطاف الموجهة ضد شريحة الأطباء والعديد من فئات المجتمع العراقي الأخرى».
إن تخريب العراق وتصفية العقول العراقية هو الهدف الأساسي لهذه الحملات، وإن سلطات الاحتلال والمخابرات المركزية والموساد والمخابرات الإيرانية كلها متورطة في التصفيات، إضافة إلى مليشيات الأحزاب التي جاءت مع الدبابات الأمريكية.. لقد كان العراقيون وما زالوا يظنون أن نقل السيادة وانتخاب الحكومة سوف يوقف هذا الحمام الدموي، ولكن الذي حصل هو استمرار مسلسل حوادث الاغتيال والتصفيات الدموية، لأن السلطات الأمريكية لم تعطِ هذه الحوادث اهتمامًا كافيًّا، كما أن الشرطة العراقية بقيت عاجزة عن التعمق الجاد والفعلي في التحقيقات خوفًا من الانتقام وردود أفعال قوى وأحزاب تقف وراء تلك التصفيات, وأن الحكومة الجديدة اليوم هي على محك الاختبار للجدية أمام العراقيين لكشف غموض تلك الجرائم، وإعلان الحقائق أمام الناس وفضح المتورطين كائنًا من كانوا، وبذات الوقت اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة لحماية من تبقى من علماء العراق وشخصياته..