; صفحات من دفتر الذكريات: طريق الجزائر (١٠٤)الطريق إلى سجن بيروت | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات: طريق الجزائر (١٠٤)الطريق إلى سجن بيروت

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996

مشاهدات 107

نشر في العدد 1207

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 09-يوليو-1996

•التعاون المخابراتي والحملة على التضامن الإسلامي مكَّن إسرائيل من تحقيق نصر عسكري في عام ١٩٦٧م ما زلنا نعاني آثاره.

بعد أن دخلنا السجن ببضعة أيام فوجئنا بأن عددًا آخر من «الإخوان المسلمون» من اللبنانيين والأردنيين المقيمين في لبنان قد اعتقلوا، وجاءوا بهم واحدًا بعد الآخر خلال أسبوع أو عشرة أيام، والظاهر أن الأوراق التي وجدوها عند الأستاذ عمر، وعند الأستاذ عصام العطار لم يكن فيها ما يكفي لمواصلة القضية فأرادوا أن يعتقلوا عددًا أكبر ممن ينتسبون إلى جماعة الإخوان المسلمون أو يعملون في دور النشر الإسلامية، وكانوا من الأردنيين واللبنانيين، ولذلك هاجموا دار النشر التي يملكها الشيخ زهير الشاويش، وسماها «المكتب الإسلامي»، لكنه كان في الخارج ولم يعتقل وبقي في الأردن، واستطاع أن يحصل على حكم بالبراءة، ولكن بعد أن بقي مكتبه مغلقًا مدة طويلة، وكان كثير من العاملين به معتقلين معنا. 

جاء هؤلاء جميعًا إلى السجن دون أن يعرفوا ما الموضوع وما القضية، وأنا واثق أن الذين اعتقلوهم أيضًا لم يكونوا يعرفون ماذا يريدون؟

 كان كل شيء مرتجلًا إلا في مجال الإعلام فإن كل شيء قد وجه لموضوع الساعة وهو الحملة على التضامن الإسلامي، لا لحساب الناصريين فقط بل قبل ذلك لحساب جهات أجنبية في مقدمتها الشيوعيون والاشتراكيون والاتحاد السوفيتي، ولكن التخطيط الأكبر كان من عمل عملاء الصهيونية التي كانت تعد المسرح لحرب شاملة تقضي على جيش مصر وتحتل بها سيناء والجولان، وجنوب لبنان والقدس والضفة الغربية وغزة، وتم لها ذلك في العام التالي عام ١٩٦٧م .

وهكذا من أجل تدبير كمين لاعتقال شخص واختطافه بمعرفة المخابرات متعددة الجنسيات وصل الأمر ارتجالًا إلى حملة صحفية وإعلامية تشق الصف العربي، وتضعف العرب جميعًا بما يفتح الطريق لتمكين إسرائيل من أكبر انتصار ما زلنا نقاسي من نتائجه. 

في نظري أن هذا التضامن بين المخابرات قد مكن عملاء إسرائيل من اختراقها جميعًا واستغلالها في تنفيذ خططها ومؤامراتها لإشعال الفتن بين العرب وتمزيق وحدتهم لتمكينها من تحقيق نصر عسكري ما زلنا نقاسي من آثاره.

 هذه هي القضية الكبرى في نظري.. بعد أسبوع دعينا إلى التحقيق أمام قاضي تحقيق، فذهبنا، وأذكر أنني عندما التقيت بهذا القاضي الشاب، وكان متخرجًا حديثًا في الكلية، وعرف طبعًا أنني أستاذ في الجامعة في كلية الحقوق فتبسط معي وأخذ ما يريده من أقوال.

 سألته وقلت له: أريد أن أعرف ما التهم التي ستوجهها إلى أو التي اعتقلت من أجلها؟ وهل أنتم عندكم قرار بحل الإخوان المسلمون؟

قال: لا.. ليس عندنا «إخوان مسلمون» ولا يوجد نص قانوني بشأنهم، ولا قرار بحل «الإخوان المسلمون» .

 قلت له في مصر عندما يعتقلون الإخوان يتهمونهم بأنهم أعادوا تنظيم الإخوان، وهنا ما التهم؟ قال: في الحقيقة نحن نبحث في هذا الموضوع؟

 قلت: أنتم تعتقلون الناس أولًا ثم تبحثون؟ قال: هذا هو ما حدث وأشار إلى نص من نصوص قانون العقوبات اللبناني قائلًا: هذا هو الذي يوجد لدي الآن، وقرأته فوجدته نصًا يعاقب من يعمل على إفساد العلاقات بين لبنان وإحدى الدول الصديقة «وهي هنا أكثر من صديقة لأنها إحدى الشقيقات العربيات».

 السجن والمجتمع:

سجن بيروت كان مجتمعًا غريبًا، ولكن الشيء الذي لا يمكن أن أنساه أنني تيقنت من أن هذا السجن ككل السجون، كأنه «خراج» في جسم المجتمع، تتجمع فيه الأوساخ والصديد والجراثيم من الدم الذي يجري في شرايين المجتمع، ثم إذا لم يعالج الدمل عادت الجراثيم تسمم جسم المجتمع وتنهكه بالحمى.

 والجرثومة الخطيرة التي لاحظت أنها تفسد مجتمع السجن هي أن كثيرين في هذا السجن لا يعرفون إلا شيئًا واحدًا هو المال كل شيء بالمال.. الأخلاق الضمير، بل الأسرة والأولاد والوطن والمستقبل... عند الاقتضاء كل شيء يباع ويشترى، لأن البعض لا يهمه إلا كيف يحصل على شيء من المال، يتاجرون في السجن ويستغل بعضهم البعض، ويخدع بعضهم بعضا.

 وهناك أرستقراطية داخل السجن مكونة من قدماء المساجين، وعتاة المحكوم عليهم بمدد طويلة الذين استقروا فيه وهيأوا أنفسهم لذلك، وهؤلاء هم ملوك يحكمون ويسودون ويسيطرون أولًا على السجانين، وبعد ذلك يسيطرون على باقي المساجين، يفرضون عليهم الإتاوات والضرائب ويفعلون ما يشاءون لاستغلالهم. 

هذه البيئة المملوءة فسادًا في السجن، كنت أتساءل عن أثرها على المجتمع، هل ستنتقل ميكروبات هذا المرض يومًا إلى المجتمع أم لا؟ وقد أكدت لي الحوادث بأن هذا المرض لم ينشأ في السجن، إنما جاء من بعض عناصر الفساد في المجتمع التي دبرت هذه المؤامرة، وهم في نظري أشخاص لا يعرفون لهم أخًا ولا أبًا، ولا دولة، ولا حكومة ولا سياسة، ولا دينًا، غير أنهم يعملون عملًا يكسبون منه المال، ولو كان معي مال لفعلوا ما أريده، لقد أصبح المال معبودًا، وعبادة المال هي التي أفسدت بعض عناصر المجتمع التي تبيع ضميرها لكل من يدفع لها المال. 

وهناك نماذج كثيرة لأمثال من دبروا هذه المؤامرة ونفذوها.. 

إن أجهزة الاستخبارات التي تستبيح لنفسها استخدام هذا الصنف من الأفراد الذين لا ضمير لهم، ولا يلتزمون بمبادئ الخلق الإنساني والديني الذي يحرم إيذاء الغير أو العمل لصالح جهات يعرف أنها تدبر كمائن لاغتيال الأفراد، أو إيذائهم أو اعتقالهم «ويفعلون ذلك مقابل دراهم معدودة»، هي في الأصل أجهزة أجنبية لا يهمها صالح المجتمع العربي، أو عدم سريان داء الطمع في الرشوة والمال، وبيع الضمائر فهي أجهزة صادقة مع الدول أو القوى المعادية لنا، والتي تعمل لحسابها.

 لكنني أدعو الجميع لكي يعترضوا على سير أجهزة المخابرات «وطنية أو عربية» بهذا الأسلوب، لأنها بذلك تفسد مجتمعنا، وتروج فيه الرشوة والفساد، وتهدد كيان شعوبنا بعناصر الفساد، وتشجع الطوائف الفاسدة التي تفعل أي شيء مقابل المال دون التزام بمبادئ الدين والخلق.

 إن هذه المخابرات أو المباحث، أو ما إليها من الأجهزة الدبلوماسية أو الأمنية التابعة لحكوماتنا الوطنية أو العربية التي تنساق في هذا الطريق، إنما تمهد الطريق للأجهزة المعادية التي تستغلها القوى الأجنبية، وتفتح لها سبيل استغلال هذه العناصر الفاسدة ذاتها لصالح سياسة القوى الأجنبية المعادية لنا، وخاصة أجهزة «الموساد والصهيونية». 

إن الذين أخذوا رشوة من الاستخبارات «الناصرية أو العربية»، لكي يوقعوا بي في كمين يمكنهم من اختطافي أو اغتيالي هم الذين يستغلهم الموساد بعد ذلك لاغتيال قادة الثورة والمقاومة الفلسطينية الذين يقيمون في لبنان أو في تونس وآخرهم الشهيد البطل أبو جهادن بل وفي فلسطين ذاتها مثل الشهيد يحيي عياش

جلد المصحف:

كان معنا في السيارة مسجون يظهر أنه قبض عليه حديثًا، وكان أرمينيًا مسيحيًا، وكان يصرخ ويقول: كيف يعتقلونني؟ كل ما عندي هو أن الشيخ زهير الشاويش طبع عندي بعض الجلود للمصحف، لكنه اعترض عليها ورفض تسلمها لعيب فيها، وأصر على أن يقوم بنفسه بحرقها حتى لا تستخدم في تجليد المصحف وقبل أن يقوم بذلك جاءوا وضبطوا الجلود في المخزن، ولا أدري ما سبب اعتقالي، ولا أعرف ماذا يريدون مني؟.

 بعد ذلك ونحن في السيارة في الطريق جاء أحد الأشخاص، وقدم لنا جريدة يومية ظهر فيها صورة لمخزن كبير، وبه كميات ضخمة من الأوراق وكتب تحتها منشورات الإخوان المضبوطة في أحد المخازن، وذكر في هذه الجريدة اسم هذا الشخص المسيحي، وعلمنا فيما بعد أنهم في محاولتهم لتدعيم القضية وتلفيق التهم، وإيجاد شهود وأدلة مزورة ضدنا أو ضد الإخوان، وضد التضامن الإسلامي ذهبوا لمخزن هذا الرجل وضبطوا جلود المصحف الموجودة لديه، وقدمتها الصحافة الناصرية للجمهور على أنها «منشورات إخوانية» في مخزن أرمني مسيحي، وأعتقد مع ذلك أن الحياء منع قاضي التحقيق من إدخالها في القضية، رغم استغلالها في الدعايات الصحفية والإعلامية..

 ولم تكن هذه هي الحالة الوحيدة من هذا النوع، ومن باب التوسع في التحقيق اعتقلوا جميع العاملين لدى صاحب المكتب الإسلامي على ذمة هذه القضية ذاتها التي يطبخونها لمحاكمتنا، وكان عددهم عشرين شخصًا وأغلقوا مكتبه عامين كاملين دون أي مبرر، أما هو فقد كان خارج البلاد وقتذاك كما أشرنا من قبل، وبمجرد أن عاد لبيروت وعارض في الحكم الغيابي ألغي هذا الحكم وحكمت المحكمة ببراءته، بعد أن أصابه هذا الضرر الكبير من جراء أسلوب التزوير والتزييف الذي استخدمته بعض الأجهزة التي تسمي نفسها أمنية.. ووطنية بكل أسف…

(*)أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية