; مسرحية «غزوة بدر» الملائكة في مواجهة الشياطين | مجلة المجتمع

العنوان مسرحية «غزوة بدر» الملائكة في مواجهة الشياطين

الكاتب علي محمد الغريب

تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003

مشاهدات 80

نشر في العدد 1539

نشر في الصفحة 52

السبت 22-فبراير-2003

 

تؤكد هذه المسرحية - التي كتبها الأستاذ عبد الرحمن أحمد البنا عام 1946م - حقيقة مهمة مفادها أن الفن والإبداع إذا أريد بهما الإصلاح والدعوة، كانا من أنجع الوسائل المؤدية إلى هذا الغرض.

كما تؤكد حقيقة أخرى هي أن غياب المرأة عن العمل الفني أو الدرامي ليس بالمعضلة، وليس بالمشكلة التي تودي بالعمل وتجعله مبتورًا، فالمسرحية التي بين أيدينا نموذج حي ومثال على ذلك، ففيها ذكر للنساء دون ظهورهن على خشبة المسرح من غير اعتساف ولا إخلال بمتطلبات العمل الدرامي.

 وتأتي هذه المسرحية ضمن عدد من المسرحيات كتبها الأديب عبد الرحمن أحمد البنا في النصف الأول من القرن الماضي، بعضها تم أداؤه على مسرح حديقة الأزبكية في الأربعينيات من القرن الماضي، وبعضها صدر مطبوعًا.

والمسرحية التي بين أيدينا «غزوة بدر»، هي إحدى مسرحياته التي مثلتها فرقة من جماعة الإخوان المسلمين على مسرح حديقة الأزبكية يوم 19 رمضان سنة 1365هـ الموافق 16 أغسطس سنة 1946م.

وقد دأب الإخوان المسلمون في هذه الفترة على إخراج هذه النوعية من المسرحيات التي تذكر الأمة بماضيها، وتشدها إليه وترغبها فيه ليأخذ أبناؤها العبرة والعظة من دروس التاريخ، فقدمت الفرقة نفسها مسرحية «صلاح الدين الأيوبي» على المسرح نفسه عام 1948م، لتذكر المسلمين بخطر العدوان الصهيوني على المقدسات الإسلامية في فلسطين، وتدعوهم للتصدي للاجتياح الصليبي الصهيوني المشترك.

(2)

تتناول المسرحية أولى الملاحم الإسلامية الخالدة التي تلتقي فيها العصبة المؤمنة بفلول المشركين، وتبدأ الأحداث بالتفاف وجوه الشرك حول الكعبة، وهم يدعون هبل بهذا النشيد:

هبل العظيم الشأن

يا مبدع الأكوان

بارك تجارتنا

واحفظ أبا سفيان

عزى تقوينا

واللات تحمينا

ندعو فتعطينا

وهنا يظهر الشيطان فيكمل الشطرة الأخرى قائلًا: وأبوهما الشيطان.

منذ اللحظة الأولى في المسرحية نجد الشيطان حاضرًا يلتف حول جماعة الشرك وينفث فيهم نار الكفر والتصدي للدين الجديد. 

ويظهر الشيطان مرة أخرى في صورة سراقة بن مالك، مغبر الجبين، أجش الصوت، جاحظ العينين، وعندما يسأله أبو جهل: ما بال هيئته على هذه الحال؟ فيقول له: اهتمامًا بكم وبموقفكم، إنكم بجمعكم هذا ستقضون على دعوة محمد، وتفلون حده، وما زال الشيطان بهم يزكي في قلوبهم نار الكفر والجحود، حتى وأد في نفوسهم التردد والتلجلج، لولا رؤيا عاتكة.

أصوات: اسمعوا رؤيا عاتكة. 

أبو جهل: ماذا رأت عاتكة يا أبا الفضل؟

العباس: رأت أن راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث، فاجتمع الناس إليه حتى دخل المسجد، فانتصب قائمًا على ظهر الكعبة، وهو يصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلتها منها فلقة.

ثم يتقدم الشيطان الذي يختتم الفصل الأول مهرولًا ومجددًا العزم على الإثم، والجموع من خلفه تهلل وتتوعد محمدًا وجيشه بالويل والثبورا

في الفصل الثاني يعسكر جيش المشركين بالعدوة القصوى خلف «العقنقل»، وهي كثبان من الرمل اجتمعت قريش خلفها واختارتها موقعًا لها، وفي ذروة استعدادهم للقتال يأتيهم رسول من أبي سفيان يخبرهم بأن تجارتهم نجت ولا حاجة لهم في قتال القوم، وعليهم أن يعودوا ويحفظوا دماءهم وأموالهم، لكن غطرسة أبي جهل وكبره يمنعانه من الانصياع لما أمر به أبو سفيان.

يوافق أمية بن خلف أبا جهل في رأيه، ويصر على منازلة محمد وأصحابه، لكن فريقًا آخر بقيادة الأخنس بن شريق يرى غير ذلك. 

الأخنس: يا بني زهرة «يتجمع حوله نفر».

أصوات: لبيك يا بن شريق.

 الأخنس: لا أرى ما يرى أبو الحكم، إنكم قد خرجتم لتمنعوا صاحبكم مخرمة بن نوفل، وقد نجا بتجارته مع أبي سفيان، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، دعوا ما يقول هذا «يقصد أبا جهل».

أبو جهل: ماذا تريد يا بن شريق بعد أن فرقت الكلمة، ورجعت بقومك؟

الأخنس: أترى محمدًا يكذب.. اصدقني.. ليس بيني وبينك أحد. 

أبو جهل: ما كذب محمد قط، كنا نسميه الأمين، ولكن إذا كان في بني عبد المطلب السقاية والرفادة والمشورة، ثم تكون فيهم النبوة، فأي شيء يكون لنا، ونحن معهم كفرسي رهان؟ 

الأخنس: قاتلوا محمدًا أنتم، لا حاجة لنا بقتال محمد «ويمضي». 

وبعد انفراط عقد جيش الشرك وتخلي بعضه عن بعض، تسمع أصواتًا مدوية في الأفق، تهلل وتكبر، وفي إيقاع هادئ مطمئن واثق من نصر الله. 

يرتعد السائب بن يزيد ويهتز لواء قريش في يده.

 السائب: ما للواء يهتز بيميني، ولهذا التكبير ترتج له أعصابي؟! ما هذه النغمة المتسقة التي ترتفع بها حناجر أصحاب محمد، فتصل إلى الآذان ساحرة كحديثه، آسرة كطلعته، مشرقة كمحياه؟ أتكون رؤياهم صادقة؟ أيقتل محمد صنايد قريش ويقرن بالجبال فريقًا؟

«ينادي»: يا قوم.. أسمعتم ما يقول جهيم بن الصلت؟

أصوات: ما يقول جهيم؟

أصوات أخرى: لعلها رؤيا أيضًا.

أبو جهل: تقدم يا جهيم قص علينا ما تقول.

جهيم: رأيت فيما يرى النائم - وأني لبين النائم واليقظان - إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي من خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه. 

عتبة: خسئت يا جهيم وضل وجهك.

أمية: نعيت إلينا أنفسنا.

 أبو جهل: لا تصدقوه، إلا أن يكون نبيًا آخر من بني عبد المطلب.

جهيم: إنما أذكر ما رأيت.

 أبو جهل: ستعلم غدًا من المقتول إن نحن التقينا. 

ويلاحظ هنا أن المؤلف ركز على الجانب النفسي عند المشركين وهزيمتهم المعنوية أمام أنفسهم، فها هم يرتجفون من رؤيا عاتكة في الفصل الأول، ثم يرتاعون من رؤيا جهيم في الفصل الثاني، أما الفئة المؤمنة فبرغم عدم ظهورها على المسرح إلا أن أصواتهم المطمئنة بذكر الله الواثقة من نصره، كل هذا أرعب معسكر المشركين، وهذه أولى لحظات التأزم واحتدام العقدة، فالمشركون يخرجون من خوف إلى خوف ومن هلع إلى هلع أعظم منه، وفي هذا الخضم من مشاعر الضعف والتوتر، يظهر الشيطان من جديد محرضًا ومحذرًا من مغبة الفشل أمام هذه الحفنة من العبيد. 

الشيطان: سأمضي أمام اللواء، لن يغلبكم اليوم أحد، لكم العزى ولا عزى لهم. يتشجع المشركون فيهرولون خلف إمامهم  - الشيطان.

يسمع شعار المسلمين ونداؤهم: أحد أحد.. فيتقدمهم الشيطان فارًا من الموقعة. 

الشيطان: - الهرب الهرب - النجاة النجاة.

أبو جهل: ما لك جبنت يا سراقة، وقد زعمت أنك جار لنا؟

الشيطان: إني بريء منكم.. إني أرى ما لا ترون.. إن أصحاب محمد لا يبرز لهم فارس إلا قتلوه، لقد قتلوا عتبة، وذبحوا شيبة، وأجهزوا على الوليد. 

أما قول الشيطان: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون، فهي نفس المعاني الواردة في قوله تعالى في الآية رقم 48 من سورة الأنفال ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأنفال: 48).

وبهذه الآية التي نزلت في غزوة بدر أراد المؤلف ربط الحديث بالقديم، وهي رسالة يمررها بنعومة للقراء والمشاهدين، ليعقلوا الأحداث، ويدركوا أنها ليست للاستئناس والتسلية فقط، إنما هي للتدبر والتعايش معها، وإسقاطها على الواقع الذي وإن تغيرت صور المواجهة فيه، إلا أن جوهر المعركة واحد وصلبها لم يتغير.

في الفصل الثالث نرى جماعة من قريش يلتقون في صحن الكعبة، يتعجبون مما لحق بأهلهم في بدر، وكيف استطاع محمد وأصحابه الإيقاع بهم وقتل صناديدهم، وأسر الكثير منهم وقرنهم في الحبال.

أبو لهب: يا أبا سفيان، هلم إلى فعندك - لعمري – الخبر، اصدقني يا بن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟

أبو سفيان: والله يا أبا لهب، ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا.

 

أبو لهب: وهل شلت أيديكم وقطعت أسيافكم؟ 

أبو سفيان: وإيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالًا بيضًا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تبقي شيئًا ولا يقوم لها شيء. 

أبو رافع «يصيح»: أحد أحد، لقد أيد الله رسوله، تلك والله الملائكة.

أبو لهب: «يرفع يده ويلطمه على وجهه»: إخسأ يا مسود الجبين.

أبو رافع: لقد أشرق جبيني بالإيمان، إنما يخسأ المشركون.

أبو لهب: واللات لأضربن بك الأرض «يحمله فيضرب به الأرض ثم يبرك عليه»، ثم ينهض متثاقلًا صائحًا: آه.. ماذا دهاني؟

صفوان: ماذا  أصابك؟

أبو لهب: كان بظهري قرحة أحس لها ألمًا بالغًا «ينصرف ذليلًا يجر ساقيه».

وهنا يتضح مدى الهزة النفسية العنيفة التي لحقت بالمشركين وقلبت موازين حياتهم، فأبو لهب في حقيقة أمره لا يشكو قرحة في ظهره، إنما يشكو غياب الرفقة والصحبة والسند، فقد غاب عنه من كانوا يشدون ظهره ويحملونه على التباهي والتصايح مفاخرًا، أما الآن فهو وحيد في مقابلة مولى ضعيف لم يأبه به وهو السيد، بل وتجرأ عليه وعلى كل أسياد قريش وجهر بدين محمد في صحن الكعبة، إنها قاصمة الظهر الحقيقية.

 يتوالى الحوار متدفقًا سلسًا.. إلى أن يقر المشركون بأنفسهم أن ما أصابهم لم يكن بغيًا من المسلمين، وإنما كان دفاعًا عن أنفسهم، فهم لا يهاجمون إلا من هاجمهم.

 

(3)

إن أبرز ما نلاحظه في هذه المسرحية تركيز مؤلفها على التشكيلات النفسية والمعنوية لكلا الفريقين، فبرغم أننا لم نر من المؤمنين سوى أبي رافع مولى العباس رضي الله عنه، إلا أننا ندرك من عباراته القليلة في الحوار مدى تعبئته المعنوية، واستشعاره عزة المؤمن وإن كان هو المولى الضعيف في مواجهة أحد وجهاء قريش «أبو لهب».

كما أن تدرج المؤلف بالموقف النفسي للمشركين واستعدادهم للخيبة والهزيمة منذ رؤيا عاتكة مرورًا برؤية جهيم وانتهاءً بقاصمة الظهر التي أصابت أبا لهب عندما ضرب برافع الأرض، وإحساسه بالمذلة والمهانة، كل هذه عوامل كانت تبعث على الفشل وبث مشاعر الفرقة والتمزق في نفوس الفئة المشركة.

لقد أبدع المؤلف في تصوير بث هذه الروح في نفس المشركين دون ضجيج أو صخب، وما يزيد من قوة الوهن النفسي الذي أصاب المشركين عدم ملاقاتهم للمؤمنين وجهًا لوجه، بل كانوا يسمعون أذكارهم المنغمة المطمئنة فتزداد في قلوبهم الوحشة، لجهل ما تحمله هذه النفوس من يقين، وما تعنيه هذه الكلمات الجديدة.

وبعد:

فقد كانت مسرحية «غزوة بدر» من التجارب المبكرة التي التزمت بالضوابط الشرعية والفنية للعمل الإبداعي، وهي بذلك من النماذج المشجعة على السير في الطريق نفسه، فهي لم تقدم أي تنازل شرعي في سبيل تحقيق فائدة فنية بل كانت غاية في التوازن غير المفتعل، وكانت تجربة رائدة للعمل المسرحي الخالي من العنصر النسائي، وجعله الحاضر الغائب عن طريق ذكر النساء دون ظهورهن، وما أوسع الحيل الفنية التي يستطيع من خلالها المبدع أن يتجنب ظهور المرأة في العمل الفني، برغم حضورها وتأثيرها في تنمية الحدث ودفعه. 

لكن المدهش حقًا، أننا برغم العمق الزمني لتجربة العمل الفني الإسلامي نجد أن هذه النوعية من الأعمال الدعوية الموجهة، قد انحسرت ولم تتجاوز مرحلتها، برغم مواتاة الفرصة لنماء التجربة وازدهارها والاستفادة من أساليب التقنية الموجودة في الوقت الحالي.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

125

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 36

125

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

ساعة مع وزير العدل..

نشر في العدد 282

97

الثلاثاء 13-يناير-1976

جلسة مع ابن قيم الجوزية