العنوان مستقبل المسلمين في فرنسا بعد عودة الديجوليين للسلطة
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1995
مشاهدات 74
نشر في العدد 1150
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 16-مايو-1995
ماذا سيتغير في وضع الإسلام والمسلمين في فرنسا بعد نجاح جاك شيراك رئيس بلدية باريس سابقا بمقعد الرئاسة خلفا للرئيس الاشتراكي ميتران؟
هذا هو السؤال الكبير الذي يدور في الأوساط المعنية بالملف الإسلامي في فرنسا، والأفضل. من باب تحري الدقة. طرح التساؤل حول مواطن أو نقاط الاستمرار من جهة والاختلاف من جهة أخرى ما بين سياسة التعامل مع الحضور الإسلامي في هذا البلد في عهد الاشتراكيين طيلة ١٤ سنة والسياسة المتوقعة في عهد شيراك الديجولي
فالتحول على مستوى طبيعة الحكم في فرنسا من اشتراكية ليبرالية يمينية جد مهم من الجانب الأيديولوجي باعتبار أن النظام الاشتراكي يعرفعادة بأنه أكثر ترجيحا لسد الفوارق الاجتماعية وتمسكا بالفلسفة العلمانية التي ترتكز عليها مؤسسات الدولة في حين تميل الليبرالية إلى الدفاع عن أصحاب رؤوس الأموال وفتح باب الاستثمار وعدم إيلاء المسائل الاجتماعية دورا رئيسيا في عملية البناء السياسي لكن تبقى هذه التوجهات مجرد شعارات نظرية عند الاحتكاك بالواقع، حيث أثبتت التجربة الاشتراكية في فرنسا، فشل النظرية الاشتراكية في مجالها الطبيعي . أي الاجتماعي، فتعمقت الفوارق الاجتماعية وارتفع معدل البطالة ونقشت ظاهرة الإقصاء، وكانت هذه الحصيلة السلبية أحد العوامل الأساسية في خيبة الأمل التي أصابت الرأي العام من رجال السياسة ونظرياتهم ومن هنا يفهم مدى استغلال الرئيس المنتخب الجديد شيراك لنقطة الضعف هذه في حملته الانتخابية، حيث ركز على المسألة الاجتماعية واعتبر أن أي عملية تغيير في المستقبل لا يمكنها أن تنجح إذا لم تأخذ بعين الاعتبار مسألتي البطالة والإقصاء، وبذلك يكون شيراك قد استخدم نفس أدوات خصمه الرئيسي جوسبان لتحذير الفرنسيين من مغبة إعادة انتخاب رئيس اشتراكي لكن فيما يتعلق بالملف الإسلامي، فإن الدخول في عهد جديد يسوده اليمين الفرنسي وبالتحديد الحزب الديجولي التجمع من أجل الجمهورية، مليء بالمفاجآت لكن لا يعني بالضرورة تحولا نوعيا في سياسة التعامل مع الحضور الإسلامي في فرنسا. فالمسألة مرهونة بمواقف الجبهتين المعنيتين أي سلطة القرار من جهة والمسلمين أنفسهم من جهة أخرى.
فبالنسبة للجهة الأولى، فإنها تملك أن تكرس الوضع القائم أو تغيره، والوضع القائم حاليا يشمل كل السلبيات التي صاحبت الحقبة الاشتراكية من استهداف لمظاهر الصحوة الإسلامية وعلى رأسها الحجاب، وطرد عدد من الأئمة بحجة دعوتهم إلى إعلاء رأي الله على قوانين الجمهورية الفرنسية وتصديهم للعلمانية المنحرفة، وطرد عدد من الإسلاميين المنتمين أو المتعاطفين مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ وعرقلة محاولات تنظيم المسلمين أنفسهم لحل موضوع التمثيل ومنع كتب ومنشورات إسلامية ذات صبغة دينية آخرها كتاب الحلال والحرام في الإسلام للدكتور القرضاوي
وتكريس مثل هذا الوضع هو الاحتمال الأكبر في ظل التطورات السياسية التي شهدتها فرنسا في السنوات الأخيرة التي أمسكت فيها حكومة بالادور اليمينية بمقاليد الأمور، فمعظم السلبيات المذكورة عانت منها الجالية الإسلامية على يد وزراء ينتمون إلى نفس الحزب الديجولي رئيس الحكومة السابق بالادور، ووزيره للداخلية شارل باسكوا، وبالنسبة لمنع الحجاب، فلئن كانت الشرارة الأولى لهذه السياسة انطلقت في عهد جوسبان عندما كان وزيراً للتربية، فإن هذا الأخير عدل من مواقفه في المرحلة قبل الانتخابات، بل إنه سجل عدة مواقف عادلة لصالح الحضور الإسلامي مثل الاعتراف بحق التمتع بالجنسية الفرنسية للمولودين على التراب الفرنسي، وحق المسلمين في أماكن صلاة لائقة بهم، انظر الرسالة التي بعثها جوسبان إلى رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، ولم تكن هذه المواقف نابعة عن ظرف انتخابي بقدر ما تأكد بأنها قناعات ذاتية لدى جوسبان وبالنظر إلى أن التركيبة الحكومية للرئيس الجديد شيراك تضم عددا من الوجوه السياسية المعروفة في حكومة بالادور السابقة، (الآن جوبيه وزير الخارجية في حكومة بالادور هو الذي سيترأس أول حكومة لشيراك)، فإن إمكانية التحول النوعي في معاملة ملف الحضور الإسلامي في فرنسا جد ضعيفة، خاصة وأن مواقف شيراك من الصحوة الإسلامية سلبية رفضه للحجاب واعتباره عنصر خضوع من طرف المرأة المسلمة، واستقباله لتسليمة نسرين في مقر بلدية باريس استقبال رؤساء الدول)
تأثير المرجعية الديجولية
بيد أن قابلية التغيير لدى شيراك ليست معدومة في حال اعتبار مواقفه السابقة من باب الاستهلاك الانتخابي حتى يضمن فوزه بمقعد الرئاسة، واليوم وهو يملك سلطة القرار، فإنه قادر على أن يحول الوعود التي قطعها على نفسه إلى واقع، وأهمها أن يدخل فرنسا في عهد جديد من التغيير الحقيقي حتى تسترجع إشعاعها كوطن لحقوق الإنسان وإقامة دولة غير حزبية ومحايدة تخدم مصالح شعبها والقضاء على ظاهرة الإقصاء، والدعوة إلى التسامح والأخوة وغيرها من المعاني المستلهمة من الفكر الديجولي وهو المرجعية الأيديولوجية الأساسية لشيراك. وباعتبار أن المسلمين المقيمين في فرنسا أصبحوا جزءا من الواقع الفرنسي وعنصرا من النسيج الاجتماعي لهذا البلد، فإن الرئيس الجديد من المفروض أن لا يستثني في سياسته الحضور الإسلامي وأهميته كعنصر توازن واستقرار في المجتمع، وأن يعمل على ترحيبه ذلك في إجراءات عملية لإنصاف الدين الإسلامي، وأن يرفع المظلمة والتمييز السائرين اليوم في التعامل مع العدد المهم حوالي عشرة ملايين مسلم من أبناء الجالية الإسلامية خاصة فيما يتعلق بمسألة اختيار ممثلين عنهم ودفع كل أصناف انتهاك حقوقهم على مستوى التعليم على وجه الخصوص.
ويتطلب هذا الأمر جهدا كبيرا من طرف المسلمين أنفسهم وهم الجهة الثانية المعنية بالملف الإسلامي.
الوعي بالثقل الإسلامي
وإنصاف الدين الإسلامي والمسلمين في فرنسا يتوقف أيضا على مدى وعي الجالية المسلمة بثقلها السياسي والاقتصادي وتوظيف ذلك لخدمة توطين الدعوة والاندماج الإيجابي وهذا يعني الخروج من حالة تقزيم الذات واستصغار دور الحضور الإسلامي في هذا البلد الأوروبي المفتاح في الدائرة الغربية، وأول خطوة لذلك تتمثل في توحيد الصفوف من أجل التعجيل بحل العقدة الرئيسية، وهي مسألة اختيار ممثلين عن الجالية اختيارا حرا، وبدون لحمة داخلية فإن الباب يبقى مفتوحا لتدخل الإدارة لاستغلال الفراغ من أجل توجيه شئون المسلمين حسبما تقتضيه المصالح السياسية. ولأهمية هذا الموضوع فإن المصلحة تقتضي تجاوز الأطراف التي تقف عائقا أمام توحيد الصفوف ودفع مسألة تمثيل المسلمين. وبدون شك فإن مؤشرات عديدة تؤكد أن الأجيال الشابة جد واعية، وقد كان المؤتمر الثاني للشباب المسلم بفرنسا في منتصف إبريل مناسبة هامة لتعزيز هذا التوجه، كما أن الاستعداد للانتخابات البلدية في شهر يونيو القادم والتعبئة في صفوف الناخبين المسلمين سيساهم في إثبات واقع الثقل الانتخابي الإسلامي، بل إنه من غير المستبعد أن يترشح بعض العناصر الفرنسية في هذا الموعد الانتخابي
التفاعل مع المحيط الخارجي
بيد أن هذه الجهود غير كافية إذا اصطدمت بإرادة سياسية قوية لمنع تناسي الوعي الإسلامي عبر قرارات جائرة، ثم إن أسلوب التعامل مع ظاهرة الصحوة الإسلامية ومع شعوب العالم الإسلامي وأنظمته يحددان تطور العلاقة بين الجالية المسلمة والنظام السياسي الجديد، وذلك أن الجالية تمثل الجسر الرابط بين الواقع والمحيط اللذين تتحرك فيهما وبين الفضاء الإسلامي الأرحب الذي تتفاعل معه بحكم الانتماء الديني، فكل موقف سلبي أو إيجابي من قضية إسلامية تتخذه الإدارة الفرنسية الجديدة ينعكس لا محالة على الرأي العام الإسلامي داخل فرنسا، ومن أهم القضايا المثيرة للاهتمام بالقضية الفلسطينية ومسار السلام المزعوم إلى جانب قضيتي البوسنة والجزائر فالجالية المسلمة في فرنسا تضم عددا كبيرا من ذوي الأصل المغربي ومن الجزائر على وجه الخصوص، كما أنها تزداد اتساعا بدخول عدد من الفرنسيين إلى الإسلام بعد الاقتناع به كحل شامل للبشرية، وهؤلاء أكثر حساسية لما يدور على أرض أوروبا، وقضية المسلمين في البوسنة والهرسك خصوصا، وهم يتابعون المواقف الرسمية بالنظر إلى وجود نسبة كبيرة من القوات الفرنسية ضمن قوات الأمم المتحدة في يوغسلافيا سابقا مثلما يتابع ذوو الأصل المغربي الأحداث الجارية في الجزائر وموقف الإدارة الفرنسية منها . والجميع ينتظرون تغييرا أو على الأقل تعديلا في المواقف الرسمية تجاه مثل هذه القضايا انطلاقا من الفكرة السائدة بأن ديجول الأب الروحي للرئيس الجديد جاك شيراك اتخذ مواقف مشرفة وعادلة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وعقدة الجزائر، حيث دفع نحو مسار استقلال الجزائر بالرغم من الضغوط الداخلية والخارجية عليه إلى حد قيام منظمة الجيش السري المكونة من عسكريين فرنسيين بمحاولة اغتيال لديجول كرد فعل على سياسته وكتعبير عن رفض قطعي للتنازل عن أي شعر من الجزائر بعد احتلال استعماري دام ١٣٠ سنة. لكل هذه العوامل، فإن طبيعة سياسة شيراك مع الحضور الإسلامي في المستقبل القريب مرتبطة أشد الارتباط بإعادة النظر في عدة تصورات وأفكار مسبقة سلبية عن الصحوة الإسلامية وإعادة التوازن في سياسة التعامل مع المكونات الثقافية والدينية للمجتمع الفرنسي دون تمييز أو استثناء للمكون الإسلامي كجزء من هذا الواقع.
ترجمة نص رسالة جوسبان إلى رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في ١٩٩٥/٤/٢٧م التزم فيها بمسائل مبدئية لفائدة الحضور الإسلامي، فكيف ستكون سياسة شيراك؟
سيدي الرئيس....
ستعقدون اليوم اجتماعًا عامًّا يحضره عدد كبير من ممثلي الجمعيات للمسلمين في كل فرنسا.
أرجو أن تبلغهم سلامي الحار وتمنياتي بالنجاح في عملهم الجمعياتي.
وبهذه المناسبة اسمحوا لي أيضًا التعبير لكم عن حرصي الشديد إذا انتخبت رئيسًا للجمهورية ٧/٥ على أن يتمكن المواطنون من أتباع الدين الإسلامي من تطبيق دينهم في إطار قوانين الجمهورية الفرنسية وأضيف بأن هذا التطبيق يجب أن يكون في أماكن محترمة ولائقة، والأمر يعود إلى المسلمين في اختيار شكل التنظيم الذي يناسبهم من أجل إحياء الإسلام في فرنسا دون أن ينفرد أي طرف بمسألة التنظيم هذه.
واحترام الجميع هو الذي يجب أن يقود سلوك حكام بلد مثل فرنسا حيث تضمن العلمانية لكل شخص حرية المعتقد الذي يختاره.
وأخيرا... أذكركم بالتزامي بالعودة في حال انتخابي إلى مبدأ حق الأرض (في الانتساب إلى فرنسا) بالنسبة للشباب المولودين في فرنسا.
ثقوا في قوة قناعاتي وبلغوا المسلمين المجتمعين حولكم مسبقا تمنياتي لهم بعيد سعيد في العيد الكبير (الأضحى). وتقبلوا سيدي الرئيس مشاعري الخالصة.
ليونال جوسبان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل