; البوسنة والهرسك: مستقبل التيار الإسلاميِّ في البوسنة | مجلة المجتمع

العنوان البوسنة والهرسك: مستقبل التيار الإسلاميِّ في البوسنة

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994

مشاهدات 92

نشر في العدد 1095

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 12-أبريل-1994

هل سيبقى للتيار الإسلامي الذي أشعلته الحرب زخمه أم ستوقفه خفافيش الشيوعية التي نشطت في ظل الفيدرالية؟

قبل أن تبدأ الحرب في البوسنة والهرسك أي قبل حوالي عامين كان هناك تيار صربي يعارض وبشدة توسيع جبهات القتال التي كانت قائمة حينئذ في كرواتيا إلى البوسنة ليس لشيء سوى أن أنصار هذا التيار كانوا يرون أن عشر سنوات تعيشها البوسنة والهرسك في سلام وهي التي أعلنت استقلالها كفيلة بتغيير هوية المسلمين ومسخها تمامًا، وكانوا يعتقدون أن الظروف كلها مهيأة لذلك. فالشعب المسلم شأنه شأن كل شعوب المنطقة فرح بخلاصه من الشيوعية وأنظمتها وأفكارها العقائدية الممسوخة، وأن الجميع كان يولي وجهه شطر أوروبا وحضارتها، وأن العالم الإسلامي لا يمثل لمسلمي البوسنة أي رمز حضاري يمكن أن يغريهم بالتوجه إليه.

ونشبت الحرب فكان ما كان إلا أن المراقب للتغيرات الاجتماعية والثقافية التي أحدثتها لم يكن يستطيع أن يتجاهل أن الدماء الغزيرة التي سالت على أرض البوسنة لم تضع هباء، وأن نبتاً إسلامياً طاهراً يمد جذوره في الأرض البوسنوية الطاهرة خطوة خطوة.

وساد شعور عام بأن هذه الكلفة الغالية من الضحايا والخسائر، إنما هي ثمن إعادة الإسلام إلى هذه الديار التي دفع أجدادنا دماءهم وأرواحهم من أجل توطينه فيها، وإن كل شيء يهون غير تغييب الإسلام عنها مرة أخرى.

الآن يسود شعور آخر فحجم الضحايا بات أمام الناظرين كبيرًا جدًا والدماء التي سالت تبدو أكثر غزارة والخسائر المادية صارت أكثر من حجمها الطبيعي، وذلك لم يحدث إلا بعد توقيع إقامة الفيدرالية بين المسلمين والكروات؟

لماذا؟ لأن عزاءنا قبل ذلك أننا خسرنا أعدادًا من أهالينا، وكسبنا عودة الإسلام إلى هذه الديار وإن الأمور تبدو الآن وكأننا خسرنا كل شيء، النفس والأرض، والهوية، فهل هذا الرأي مبالغ فيه؟

إن الجميع يتفقون على أن هذه الحرب كما ذكرنا سابقًا أثمرت صحوة إسلامية بين الشعب البوسنوي لكنهم اختلفوا في تأثير الاتفاقية التي وقعت مؤخرًا مع الكروات إلى فريقين:

1- فريق يرى أن هذه الصحوة عبارة عن وليد أتى إلى الحياة في ظروف صعبة للغاية ووضع في حاضنة خاصة -وهي الحرب- كانت تغذيه وتحميه من الظروف الطبيعية وتساعده على إكمال نموه، وأن هذا الاتفاق وما سوف يفرضه من حالة استرخاء وتبدل في المفاهيم هو عبارة عن عملية انتزاع هذا الوليد من تلك الحاضنة والقذف به في عرض الشارع لنراقبه وهو يحتضر لحظة بلحظة.

2- والفريق الثاني يرى أن الحرب ولدت لدى الناس شعورًا عامًا بالإسلام والانتماء إليه -أي عاطفة- والمطلوب الآن تحويل هذه العاطفة إلى سلوك يومي وعقيدة وفكرة أي عملية تربية وصياغة مفاهيم الناس من جديد، وهذا الأمر لا يتأتى حسب رأي هذا الفريق في ظل ظروف الحرب، وإن الموكل إليهم هذه المهمة من أصحاب الطاقات الفكرية مغيبون على جبهات القتال، بمعنى أن الحرب استنزفت تمامًا هذه الطاقات وأن «السلام» كفيل بتوفير الأجواء اللازمة لعملية التربية.

نظريًا قد تبدو وجهة نظر الفريق الثاني صحيحة إلا أن المعطيات القائمة على أرض الواقع تشير إلى غير ذلك وربما بالتحديد إلى أن المسلمين سيخسرون بالسلام ما لم يخسروه بالحرب.

ما هو الدليل على ذلك؟ في الفترة الأخيرة كانت قيادات الدولة والأجهزة المسؤولة عن إدارتها تسير بخطى سريعة نحو «أسلمة الدولة» ولا أقصد بذلك المفهوم العقائدي لهذا المعنى، وإنما نحو إقامة دولة خاصة بالمسلمين تحفظهم من الذوبان وتضمن بقاءهم على أراضيهم، ربما كانت ستسمى بالدولة البوشناقية أو البوسنية لكن المهم أنها في النهاية خاصة بالمسلمين حتى وإن كانت بعض القيادات السياسية تصرح بغير ذلك بهدف الاستهلاك العام، وأعلن بالفعل أن هذه الدولة ستقوم على أسس خمسة: حزب العمل الديمقراطي سياسيًا، والمشيخة الإسلامية دينيًا، والجيش عسكريًا، وهيئة مرحمة للأعمال الإغاثية، وهيئة إحياء التراث ثقافيًا، واتفق على أن كل أعمال الدولة ستسير وفق هذه الأجهزة الخمسة.

وعلى مدى شهور الحرب الطويلة انتعشت اللغة البوسنية الخاصة بالمسلمين ودبت الحياة في ثقافتها الخاصة، حتى في أناشيدهم الوطنية وأغانيهم القومية وفي عاداتهم وعلى مستوى كل المحاور الثقافية والاجتماعية التي كانوا محرومين من التعبير خلالها عن هويتهم الخاصة.

وسمعنا لأول مرة الأذان يتردد في الإذاعة البوسنوية وآيات من القرآن الكريم وتصريحات رئيس العلماء تتكرر في نشرات الأخبار.

والآن وبعد هذا الاتفاق سينكفئ هذا التيار ويعود مرة أخرى إلى ما وراء الستار فالفيدرالية تعني دولة موحدة للمسلمين والكروات وثقافة هذه الدولة ولا شك يجب أن تكون مختلطة ووسائل إعلامها يجب أن تعاود الحديث عن الحياة المشتركة والثقافة المشتركة والدولة المشتركة والمصير المشترك رغم أن الرئيس البوسنوي علي عزت بيجوفيتش قال بالحرف الواحد في اجتماع عام لحزبه عقد في الخامس والعشرين والسادس والعشرين من شهر مارس الماضي: «إن أبناءنا لم يقتلوا على جبهات القتال من أجل الحياة المشتركة، وإنما من أجل الحفاظ على شعبنا ومستقبله» وهو كلام واضح ولا شك إلا أن الواقع -مرة أخرى- يكاد يجهضه.

من الأمور الأخرى المزعجة أن الخفافيش الشيوعية -أي المسلمين الذين ما زالوا على ولائهم للفكر الشيوعي- انتفضوا من جديد ونشطوا في الفترة الأخيرة وخاصة على مستوى الجيش، ووجدوا في هذا المناخ فرصة عظيمة لهم للحيلولة دون تسلل الإسلام إلى صفوف الجيش خلال كتائب القوات الإسلامية فجيش الدولة المشتركة يجب ألا يحمل مفاهيم عقائدية خاصة.

هل يتخلى الزعيم عن مقعده؟ «عزت بيجوفيتش» عليه انتقادات عديدة في طريقة أدائه السياسي، لكن الجميع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إلى عامة الناس البسطاء يتفقون على نزاهة هذا الرجل وإيمانه ووطنيته، ولو لم يكن -بفضل الله- على رأس القيادة المسلمة عندما اندلعت الحرب لكانت الأمور قد حسمت سريعًا بالطبع لغير صالح المسلمين.

«علي عزت بيجوفيتش» مفكر إسلامي ومجاهد دفع ثمن انتماءاته الفكرية والعقائدية سنوات طويلة قضاها في السجن، وهو رجل متواضع إلى حد كبير زاهد في المقعد الرئاسي والحكم، خطاباته تتسم باللون الإسلامي ويستشهد فيها بآيات الله وأحاديث رسوله بالطبع ليس خلال محادثاته مع اللورد أوين ولكن مع شعبه وبالأخص مع أعضاء حزبه.

«علي عزت بيجوفيتش» كان بفضل الله دعامة قوية لتثبيت الوجود الإسلامي في البلقان والحفاظ عليه من الهلاك في هذه الحرب، وإذا كان هناك من صفوفنا من يشك في ذلك فالقيادات الغربية كلها تعتقد في ذلك وعملت وما زالت تعمل على إقصائه من مكانه، فهل يتغيب الرئيس البوسني عن مقعده وعن مسؤوليته؟

إشاعات كثيرة ترددت في هذا الأمر -كنتيجة أولية لهذا الاتفاق- واحدة تتحدث عن احتمال تولي حارس سيلاجيتش رئيس وزرائه لمقعده، والأخرى عن احتمال أن يتولى كرواتي الفترة الرئاسية الأولى في هذه الدولة الفيدرالية.

نائب الرئيس البوسني في الحزب نفى ذلك تمامًا حسب ما نشرته جريدة أوسلوبوجينيا الصادرة في سراييفو يوم 27/3/1994م إلا أن الشائعات ما زالت تتردد بقوة مستشهدة على ذلك بأن عزت بيجوفيتش عاد إلى مقعد رئيس الحزب الذي كان قد استقال منه صوريًا بحكم أن العرف السياسي يمنع رئيس الجمهورية من تقلد منصب حزبي.

والذي نريد أن نصل إليه إن غاب بيجوفيتش عن سدة الحكم في سراييفو -وهو ما تصبو إليه أوروبا- سيدفع ثمنه المسلمون غاليًا.

ما البديل؟ من السهل أن نجلس في بيوتنا ونقول إن مواصلة الحرب هي الطريق الوحيد، لكن بلا شك إن مواصلة الحرب هو الصحيح، نعم تعرض المسلمون إلى ضغوط قوية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومن قبل أوروبا وهددوا بإيقاف كافة المساعدات الإغاثية ورغم ذلك فلا يعتقد أنه كان يمكن أن يمر بالمسلمين أصعب وأقسى مما مروا به لقد تجاوزوا أصعب مرحلة ولم يكن من المتوقع أن يمروا بما هو أصعب منها.

الحرب ليست هدفًا في حد ذاته لكن السلام المطروح لا يحقق أهدافنا، إنه سلام زائف مصطنع لا يراد به خير للمسلمين، بل يكاد باسمه لشرهم.

سلام يمنح المسلمين استرخاء وهم المقاتلون الأشداء الذين لولا هويتهم لكان العالم احتفى ببطولاتهم التي أبدوها في جبهات القتال أيما احتفال، صفحات يتشرف بها تاريخ الإنسانية كلها مطوية بسبب الهوية.

يحصر التيار الإسلامي ويخنقه ويكبله، ويدفع بالعلمانيين والشيوعيين إلى مناصب القيادة وهم الذين قضوا شهور الحرب في مخابئهم في مأمن من أطنان الحديد والنار التي كان المسلمون البسطاء والإسلاميون البوسنويون يواجهونها بشجاعة نادرة.

سلام يمنع الإسلام من أن يتأصل في وجدان الناس البسطاء، ويعيد تشكيل عقليتهم حسب المفهوم الغربي والحياة المشتركة التي يدفع المسلمون وحدهم ضريبتها.

إن الناس في بلادنا تحركت بحماس شديد لنصرة مسلمي البوسنة والهرسك حين رأت الدم الأحمر القاني ينزف غزيرًا على أرضهم فهل يتحركون اليوم -وبنفس الحماس- رغم أناشيد السلام والرخاء لنفس الغرض الذي من أجله سالت الدماء ألا وهو الوجود الإسلامي في المنطقة أم أن حركتنا ستظل أسيرة الانفعالات العاطفية فقط؟

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 38

147

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

مع القراء (38)

نشر في العدد 500

97

الثلاثاء 07-أكتوبر-1980

من الأزهر إلى الكريملين

نشر في العدد 441

79

الثلاثاء 17-أبريل-1979

الجريمة في حياة بوتو السياسية