; الجريمة في حياة بوتو السياسية | مجلة المجتمع

العنوان الجريمة في حياة بوتو السياسية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1979

مشاهدات 79

نشر في العدد 441

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 17-أبريل-1979

  • ما هي الجذور التي ترتكز عليها شخصية بوتو الطاغية؟

الجريمة كخاصة سيكولوجية لا يمكن أن تقوم في شخصية الإنسان بحيث تصل إلى درجة التوجيه السلوكي عنده إلا إذا توافرت في إيجادها أسباب عدة، ولعل أشد هذه الأسباب تأثيرًا، أن يكون الإنسان سليل آباء وأجداد تمكنت الفاعلية الإجرامية منهم، واستحوذت على سلوكهم، وإذا بحثنا عن الأصول العائلية للسيد ذو الفقار علي بوتو، فإننا سنتعرف على والده الذي كان وزيرًا في ولاية (جوناكاد) الهندية، وهي ولاية تعيش فيها أغلبية مسلمة، ولا يهمنا في هذا المقام إلا والد السيد بوتو.

فاسمه: سرشاه نواز المبدوء باللقب البريطاني (سر) والذي لا تُنعم به الإمبراطورية الاستعمارية العظمى إلا على خواصها المقربين.

جريمته: متشعبة الفروع، إلا أن عمودها الفقري يكمن في سعيه واستماتته في بقاء ولاية (جوناكاد) تابعة للحكومة الهندية، فعندما أعلن المسلمون الهنود تأسيس دولة باكستان المستقلة عام 1947 أعلن أمير هذه الولاية انضمامه إلى دولة باكستان الإسلامية وطالب بالاتحاد معها، إلا أن وزيره سرشاه نواز والد السيد بوتو استنفد كل طاقاته وجهوده المدعومة من الإمبراطورية البريطانية والحكومة الهندية الهندوسية من أجل أن تبقى ولاية جوناكاد خارج إطار دولة باكستان الإسلامية رغمًا عن أنف الشعب المسلم الذي استمات من أجل الاتحاد مع إخوانه المسلمين في باكستان، ترى... أليس ما فعله والد بوتو جريمة دولية كبيرة لا يغفرها الله ولا تصفح عنها الإنسانية؟؟

زوجته: وهي الوالدة التي رضع السيد بوتو لبانها وترعرع في أحضانها، يعرفها الشعب الباكستاني تمامًا... إنها امرأة هندوسية، كان لها أكبر الأثر في تنشئة ولدها ذو الفقار مما جعله يشب على اللادينية بل على حرب التدين والمتدينين، وكثيرًا ما يسخر الشعب الباكستاني الطيب من بوتو فيشيرون إلى أنه ولد غير شرعي لوالده من أم هندوسية مشركة لا ينعقد عليها زواج المسلم، وهذه الصفة التي يعرفها الشعب الباكستاني عن أصل بوتو أخذت شكلًا فكاهيًّا على أفواه الناس حتى بعد تنفيذ إعدامه بقرار قضائي معروف.

  • أين إذًا هي الطبيعة الإجرامية؟

إن ابن الوزير الذي كان يعيش في قصر العمالة الإنكليزية أيام الحرب العالمية الثانية وما بعدها تعلم الكثير الكثير من والده المعروف بنزعاته اللادينية من ناحية، واتجاهاته السياسية المتوائمة مع سياسة حكام الهند الهندوس من ناحية أخرى، ولعل أبرز درس تلقنه بوتو في الإجرام على يد والده عندما حرض هذا الوالد حكومة الهند ضد أمير ولاية (جوناكاد) بحيث أدى تحريضه إلى هجوم عسكري هندي زحف ليمنع هذه الولاية من الاتحاد بباكستان، ولكي يضمها نهائيًّا إلى سيطرة الهندوسيين الهنود كان ذلك عام 1947م ولا شك في أن هذا درس بليغ في الإجرام عريق في مخاتلة الشعوب وخنق أمانيها واستقلاليتها عاشه بوتو في بيئة والده المطبوعة بطباع حياتية إجرامية وعملية!

وهنا قد يتساءل الإنسان: كيف كان يعيش مع والده الذي يحمل على ضم ولاية (جوناكاد) إلى الهند؟ ...

نعم ... وهنا يبرز دور الأصابع الخفية! ...

لقد أكدت كل المصادر الموثوقة أن بوتو كان حتى عام 1958 ميلادية هندي الجنسية وليست له أية علاقة مدنية أو صلة بجنسية الدولة الباكستانية... وهنا يتساءل الإنسان ويثير ألف سؤال حول شخصية هذا الرجل، وحول وصوله إلى رئاسة أحد الأحزاب في دولة باكستان.

  • بوتو وجذور العمالة:

العمالة والتبعية لدولة غير الدولة التي يعيش فيها الإنسان جريمة محضة في عرف جميع القوانين الدولية... وبوتو هذا، حظي بالبعثة الدراسية الملكية في الجامعات البريطانية، وذلك بحسب تقاليد الرابطة بين حكومة بريطانيا ووالده الذي أشرنا إليه آنفًا، وما يترتب بناء على ذلك من إعداد سيكولوجي للسيد بوتو بحيث يؤهله هذا الإعداد ليكون على قدم أبيه، في التعاون مع الهيئات التابعة للحكومة الإنكليزية في قلب آسيا.

وهكذا أمضى السيد ذو الفقار علي بوتو شبابه قرب الهيئات الماسونية التي تسيطر على البعثات التعليمية في جامعات بريطانيا ولما ظهر استعداده في الانفعال بالتيار الغربي رأت أجهزة البعثات البريطانية أن تشكل من هذا الرجل كيانًا ثقافيًّا هو إلى الوهم أقرب منه إلى الحقيقة، فكان أن عُيّن مدرسًا في الجامعات البريطانية التي تخرج منها؛ الأمر الذي رسم صلاته في بيئته الغربية من ناحية، ومع الرجالات الآسيوية في كل من الهند وباكستان، أولئك الذين كانوا يدينون بولاءاتهم السياسية لبريطانيا، وهنا يمكن للإنسان أن يعرف الطبيعة الديبلوماسية التي ربطت بوتو صاحب الجنسية المعذبة، برئيس دولة باكستان آنذاك «إسكندر ميرزا» الذي ألغى الدستور الباكستاني عام 1958 وطلب من أيوب خان أن يهيئ الأوضاع لإقامة حكم عسكري في البلاد، بحيث يصير أمر تأليف الوزارة على أساس من التعيينات التي تصدر وفق الأوامر العسكرية، في هذه الفترة بالذات، لعبت الأصابع الخفية، وبقدرة قادر كما يقال، أعلنت أول وزارة في حكومة أيوب خان العسكرية، وكان ذو الفقار علي بوتو أحد وزرائها البارزين. وذلك بفضل الصداقة بينه وبين إسكندر ميرزا رئيس الدولة الأسبق، الذي طرده فيما بعد أيوب خان من رئاسته واستحوذ على الحكم؛ الأمر الذي شجع بوتو على انتهاز الخلافات بين الساسة الباكستانيين، وبدأ بركوب موجة النقمة الشعبية التي بدأ يثيرها المثقفون القاديانيون، الذين وجدوا في بوتو الشخصية التي يمكن التعامل معها لما تحمله من صفات لا دينية بارزة.

  • بوتو شخصية إجرامية عريقة:

عندما تسنم بوتو المناصب الوزارية في باكستان، بدأ يعمق صلاته مع التيارات اللادينية كالشيوعية والقاديانية وبقايا الإسماعيلية والفرق الضالة، ويبدو أنه تدرب على الاصطياد، مما أهله لجمع هؤلاء الشتات في أصوات انتخابية أوصلته في بداية السبعينيات إلى رئاسة أحد الأحزاب، وهو حزب الشعب ذي النزعة اليسارية والاتجاه المعادي للإسلام وتشريعاته، وقد تعددت أطراف الجريمة وأشكالها في شخصية هذا الرجل، حتى يمكننا أن نعيد أسباب مشاكل دولة باكستان في العصر الحديث إلى سلوكه السياسي المجرم. ولعل أبرز جرائمه تتجسد في الصور التالية:

  • أولًا: اللعبة الإجرامية في الحرب الهندية الباكستانية:

إن جميع المصادر الباكستانية- الهندية الموثوقة كانت تنظر إلى تحركات بوتو بحذر منذ ظهوره على المسرح السياسي في وسط آسيا وشرقها، بيد أن أحدًا لم يكن ليتوقع أن يلعب ابن المرأة الهندوسية دورًا إجراميًّا كبيرًا في فصل شطري باكستان بدافع إرضاء النزوة الاستعمارية.

• لقد دخل بوتو الانتخابات كزعيم لحزب الشعب وفاز بأصوات لم تؤهله لتحقيق مطامحه، فقد فاز بـ85 مقعدًا من أصل 300 مقعد بينما فاز مجيب الرحمن بـ167 مقعدًا؛ الأمر الذي أدخل الرجلين في دوامة التنافس على السلطة. 

• لم يجد الرجلان حلاًّ جديرًا للخروج من دوامة النزاع على السلطة إلا الحل الذي اقترحه بوتو علنًا على الأمة، وهو أن يكون لباكستان وزارتان، يرأس الأولى مجيب الرحمن ومركزها في (دكا) باكستان الشرقية، ويرأس الثانية ذو الفقار علي بوتو في باكستان الغربية.

• إن هذا التفكير السلطوي اجتمع مع الطبيعة الإجرامية في شخصية بوتو؛ الأمر الذي جعله يستغل النقمة الشعبية التي ظهرت عند فقراء باكستان الشرقية (وهم ملايين) فلعب دوره المرسوم كما يلي:

1- تحريض الناقمين على الثورة.

2- إقناع الحكومة الباكستانية بإرسال قواتها العسكرية من باكستان الغربية لإخماد الثورة التي حرض عليها بوتو نفسه، وهنا أدى الصدام بين الشعب والقوات العسكرية في باكستان الشرقية إلى هجرة خمسة ملايين مواطن من باكستان الشرقية إلى الهند.

3- لعب بوتو بالورقة الهندية هذه المرة -وهو ابن المرأة الهندوسية والأب الهندي- حيث كانت له صلات وثيقة بحكومة الهند؛ الأمر الذي جعل حكومة الهند تفيد من التناقضات التي لعب بها بوتو، وأن تدرب المهاجرين من باكستان الشرقية على الأعمال العسكرية تمهيدًا لأكبر جريمة سياسية إنسانية عرفتها آسيا في العصر الحديث ألا وهي فصل شطري باكستان.

4- إزاء هذا التوتر الذي اصطنعته الحكومات العميلة لغاية في نفسها، عاد بوتو للعب بالورقة الوطنية، فتمكن من إقناع حكومة باكستان بشن حرب على الهند، وقد استفاد بوتو هنا من غباء أعضاء الحكومة حيث اتخذت باكستان الضعيفة قرارها بشن الحرب على الهند التي كانت تحاول الدخول في حلبة الدول الذرية، وقد تمكن بوتو من إقناع يحيى خان بشن الحرب على الهند من باكستان الغربية، وهنا حصلت الطامة التي خطط لها بوتو ونفذها العملاء والأغبياء معًا.

5- انقشع غبار الحرب الهندية الباكستانية عن:

أ- مقتل عشرات الألوف من مسلمي باكستان.

ب- وصول بوتو إلى رئاسة الحكومة في باكستان.

جـ- ظهور دولة بنغلادش بانفصال باكستان الشرقية، حيث تسنم فيها دفة الحكم مجيب الرحمن الذي كان جيش أيوب خان قد اعتقله، إلا أن العفو الذي أصدره بحقه ذو الفقار علي بوتو أكمل الخطة فكان أن شكل هذا الرجل أول حكومة انفصالية في باكستان الشرقية (بنغلادش)، وهكذا حقق بوتو خطته بتشكيل حكومتين في شطري باكستان مع تحقيق عملية الانفصال في هذه المرة.

نعم: إن الفعل الذي قام به بوتو لعبة إجرامية لا يتقنها إلا من طبع على خصال عريقة في الإجرام واللاإنسانية!

ثانيًا: بوتو والأحلاف الاستعمارية

على الرغم من الأيديولوجية اليسارية التي أعلن عنها بوتو كخلفية سياسية لمنهجه في الحكم، إلا أنه لم يخط قيد شعره خارج الأحلاف الغربية.

• فعلى الرغم من اكتظاظ مناشيره الانتخابية بمهاجمة الأحلاف الاستعمارية، وعلى الرغم من كثرة الوعود للشعب بإخراج باكستان من التبعية الغربية، لم يجد بوتو مبررًا يقوله للشعب عندما ترأس الحكومة في باكستان سوى كلمات الشكوى من الفقر والدعوة التي زعم فيها أن خروج باكستان من أحلاف الغرب سيحرم الباكستانيين من المعونات الاقتصادية التي تمنحها أمريكا والدول الأوروبية للشعب الباكستاني.

• اعتمد بوتو سياسة الإيهام فجمع فلول اليسار الذي يدعي محاربة الإمبريالية الغربية واتخذ منهم ومن القاديانيين أعمدة بارزة في حكمه، وحصل منهم جميعًا على قناعة بوجوب استمرارية تواجد باكستان داخل حلف السنتو الذي يدار أمريكيًّا كما هو معلوم، والذي لم يخرج باكستان منه إلا الجنرال ضياء الحق الحاكم الحالي لباكستان.

وهنا فقط يستطيع الإنسان أن يفسر الذعر الكبير الذي أصاب الصحافة الصليبية واليهودية بعد إعدام بوتو وذلك كما يلي:

1- دور القاديانية في كل من إسرائيل وأوربا وأمريكا في تصوير بوتو بطلًا قوميًّا وتحريك الصحافة الصهيونية والصليبية في خدمة هذه الدعوى.

2- التيارات الاشتراكية واليسارية التي كانت تعتبر بوتو واحدًا من وجهائها العالميين حركت كافة أوراقها لقلب الحق الذي وقع على بوتو إلى مأساة عالمية.

3- عمالة بوتو المطلقة للغرب جعلت مقتله يحزن كافة الأجهزة التي تنطق باسم الاستعمار بأشكاله الحديثة والتقليدية.

وهنا لا بد من طرح السؤال التالي:

كيف يفسر المدافعون عن بوتو تواجده في معظم الأحلاف الاستعمارية؟

- فهو كحاكم لباكستان عضو في حلف السنتو، وهو حلف أمريكي ورثت الولايات المتحدة إدارته بعد انحسار المد الإنكليزي عن العالم.

- وهو زعيم اشتراكي يعتمد عليه الاتحاد السوفييتي في نشر الفكر الشيوعي داخل المناطق الإسلامية.

- وهو صديق حميم لأنديرا غاندي وحكومتها التي وجهت جيش الهند الهندوسي لفصل شطري باكستان من أجل خدمة بوتو، ولعل كلًا من بوتو وأنديرا غاندي يشكلان حلفًا أيديولوجيًّا مهمته حرب الفكر الإسلامي في أواسط آسيا وجنوبها.

بعد هذا... كيف يحاول بعض العملاء أن يصوروا لشعوب العالم الإسلامي هذا العميل بصورة البطل؟ أليس هذا مثيرًا لألف سؤال؟

  • بوتو وأحزاب المعارضة في باكستان:

ويمكن أن نختصر موقفه بالإشارة إلى أنه لم يكن يسمح بتشكيل الأحزاب المعارضة والإعلان عن نفسها اللهم إلا ما يخدم مصالحه من تكتلات عملية مشبوهة، ولقد اتبع بوتو في محاربة رجالات المعارضة شتى الوسائل والطرق، وكثيرًا ما كان يفتك غدرًا بقيادات الأحزاب والتجمعات المناوئة لسياسته مع فتح باب السجون على مصاريعها للقواعد الشعبية التي ترفض وجوده أصلًا في باكستان الإسلامية، ويكفي أن نشير إلى أن عدد الذين أعدمهم من زعامات الحركة الإسلامية، قد تجاوز الألف شهيد في فترة حكمه، كما أن العدد الذي قام بوتو بسجنه قد ضرب رقمًا قياسيًّا عالميًّا، فقد تجاوز عدد الذين سجنهم المائة ألف سجين غصت بهم أقبية السجون في جميع أنحاء باكستان، وإذا كانت عمليات قتل الزعامات السياسية والدينية هي الطريقة التي كانت تلبي داعي الإجرام في شخصية بوتو، فلا بأس أن نذكر هنا بعض أسماء تلك القيادات التي تناولتها يد الإجرام في عصر الطاغية بوتو:

1- الشهيد الدكتور نظير أحمد من الجماعة الإسلامية.

2- مولانا شمس الدين من جمعية العلماء.

3- الأخ الشهيد عبد المالك من جمعية الطلبة المسلمين.

وغير هؤلاء كثير ممن اغتالتهم اليد السوداء.

وماذا بعد؟

ترى لماذا يحقد الشرق والغرب على الرئيس ضياء الحق؟

إن لهذا الإجماع الحاقد أسبابًا أهمها ما يلي:

أولًا: إقصاء بوتو ومحاكمته

أقصى (ضياء) بوتو عن الحكم بعد أن قامت ضده ثورة شعبية حاولت وسائل الإعلام الآن طمسها ونسيانها تمامًّا وسبب هذه الثورة المباشرة تزوير (بوتو) للانتخابات والفساد، وأما أسبابها الأخرى فهي:

1- المساعدة على انفصال بنجلاديش عن الباكستان الأم.

2- المساعدة على انهزام باكستان أمام الهند.

3- التقرب إلى الهند على حساب المصالح الباكستانية.

4- الابتعاد عن الإسلام ومحاربة الإسلاميين قتلًا وتشريدًا وسجنًا واتباع سياسة القمع.

5-  القتل السياسي واستعمال التخويف والإرهاب في إسكات المعارضة.

6- الفساد وسوء استعمال أموال الدولة بشكل هائل.

7- عدم الوقوف موقفًا جديًا جيدًا في خدمة القضايا الإسلامية.

8- وأخيرًا الخيانة العظمى.

وبعد هذا كله فإن ضياء الحق لم يقتل (بوتو) مباشرة ولم يحاكمه محاكمة صورية أو عسكرية مثلما فعل غيره دون أن يستنكر عليه أحد ذلك... وإنما حاكمه محاكمة عادلة أمام محكمة مدنية نزيهة استطاع بوتو أن يدافع عن نفسه بوساطة محامين اختارهم بنفسه ثم دافع عن نفسه شخصيًّا ودامت هذه المحاكمة أكثر من سنتين بدءًا من سبتمبر عام 1977.

وهكذا كانت المحاكمة عادلة ونزيهة وطبقًا لمبادئ العدالة المعترف بها دوليًّا وهذه الحقيقة صادق عليها المراقبون الدوليون الذين شهدوا المحاكمة بما فيهم من قضاة ورجال قانون من جامعات معروفة مثل البروفسور (وليم بوير) من جامعة (دلوار) الذي قال: (إنني كنت دائمًا أحترم استقلالية وعدالة القضاء الباكستاني، ومرة أخرى في قضية بوتو فقد أثبت القضاء الباكستاني سلطة القانون) كما اعترف بذلك بوتو نفسه أيضًا.

  • ثانيًا: العودة إلى الإسلام

والسبب الثاني الذي دعا الشرق والغرب لعداوة (ضياء الحق) هو: عودته بالبلاد إلى الإسلام؛ فقد وجد أن باكستان على حافة حرب أهلية ستؤدي بها إلى انقسام رهيب إلى ثلاثة أقسام (الهند وبلوشستان ومنطقة قبائل الباتان)، ولقد شرحنا ذلك في مقال سابق لنا في المجتمع بعنوان: لماذا عادت باكستان إلى الإسلام بعد ثلاثين عامًا.

وسبب هذا الانقسام هو البعد عن الإسلام الذي قامت الباكستان من أجل تطبيقه والاستعاضة عنه برابطة قومية واهية. لذلك كان أمام ضياء الحق طريق واحد حتى يمنع الانقسام، هو العودة إلى الإسلام. أعلن ذلك وبدأ تنفيذه فشكل وزارة اشتركت فيها الجماعات الإسلامية واتخذت الخطوات اللازمة لتنفيذ مبادئ الإسلام على جميع المستويات والمجالات في 12 ربيع الأول السابق. ولقد أعلن وزير الإعلام الباكستاني (محمود أعظم الفاروقي) ذلك فقال:

إن الغاية الرئيسية التي تستهدف الحكومة الحالية تحقيقها هي توطيد دعائم مجتمع إسلامي في باكستاني وهذا لا يتم إلا بتعديل القوانين الوضعية بالقوانين الإسلامية.

  • ثالثًا: موقف ضياء الحق من المسلمين حركات وشعوبًا ودولًا

ومن الأسباب الهامة التي جرّت على ضياء الحق موقفه من الحركات الإسلامية ومحاولته إعادة فتح الجسور بين باكستان والشعوب والدول الإسلامية بعد أن بدأ بتحطيم الأحلاف والروابط التي تربطها مع الغرب والشرق.

إذن هذا هو السبب!

مما تقدم نعلم سبب هذه الطلبات المتعددة لإنقاذ (بوتو) وسبب هذا الاستنكار المركز لتنفيذ عقوبة الإعدام به، وهذا التضخيم المزعوم للضجة المفتعلة التي أثيرت بسبب إعدامه في داخل الباكستان وخارجها.

والحقيقة إن هذا كله -إذا ما رفعنا المنظار المكبر الذي يظهره على غير حقيقته- لا يعدو أن يكون سوى زوبعة في فنجان فقط. واستنكار من جهات معروفة بعدائها للإسلام والمسلمين ومن فلول حزب الشعب الذي كان يتزعمه بوتو بعد أن عصفت به رياح التفرق والتمزق هذا هو الأمر على حقيقته.

وهكذا نجح ضياء الحق في الامتحان!

لقد كانت هذه القضية بالذات امتحانًا رهيبًا للرئيس ضياء الحق، فلقد كانت الضغوط رهيبة ومتعددة والتهديدات كبيرة ولقد نفذ الأول منها إذا حظرت أمريكا السلاح على الباكستان بسبب ما ادعته من حرص الباكستان على الوصول إلى القنبلة الذرية، وإننا نتساءل هنا: لماذا لم تقف أمريكا هذا الموقف نفسه مع إسرائيل؟ ولماذا كان توقيت هذا الحظر الآن؟

لقد كان نجاح ضياء الحق صعبًا إلا أنه نجح في الامتحان وثبت على العدالة وكلمة الحق ولم يتزعزع عنها قيد شعرة؛ الأمر الذي توقعته مجلة المجتمع منه ودعته إليه بثبات ورسوخ مرات عدة.

ولماذا يعفو ضياء الحق عن بوتو فقط استجابة لرغبات معينة بينما ينفذ حكم الإعدام برفاق (بوتو) الأربعة؟ ألأنه رئيس وزراء؟ وأي فرق أمام ميزان العدالة بين إنسان وإنسان؟ بل إن العفو عن بوتو أمر لا يملكه ضياء الحق فكيف يطلب منه أني يتصرف بما لا يملك؟!

إن هذا الموقف المبدئي الذي وقفه ضياء الحق زاد أملنا فيه وثقتنا به وبإخلاصه وصدقه في إعادة الباكستان إلى الإسلام من جديد لتكون قلعة صامدة تحميه من حقد الهندوكية والصهيونية والصليبية والشيوعية والماسونية.

الرابط المختصر :