العنوان مسؤولية أعلام المسلمين تجاه أبناء أمتهم
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 26-يوليو-2008
مشاهدات 71
نشر في العدد 1812
نشر في الصفحة 66
السبت 26-يوليو-2008
إن مسؤولية أعلام المسلمين تجاه أبناء أمتهم ليست خيارًا، ولكنها أمر ملزم، وأمانة تطوق أعناقهم تجاه الله سبحانه. فكلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته، كما علمنا رسول الله ﷺ، وهذه المسؤولية، بما أنها قضية إنسانية وليست نشاطًا علميًا صِرفًا، فهي بالتالي لا تقاس بالمسطرة والبرجل، لأنها تستعصي على القياس، ولا تكتب بصيغة وصفات جاهزة، كما يفعل الأطباء مع مرضاهم، لأن التعامل معها ليس سهلًا بسيطًا، ولكنه نشاط معقد ينطوي على حشود من المفردات.
ويبقى مفتاح الأمر كله، أن هذه المسؤولية تتشكل في ضوء اللحظة التاريخية ومطالبها وهي مسألة كثيرًا ما غفلنا عنها، ونتج من هذه الغفلة هدر للطاقات، وضياع للجهود، ووضع للأشياء في غير مواضعها.
ذلك أن متطلبات العقد الراهن من القرن الحادي والعشرين هي غيرها في عقد سابق أو عقد لاحق ومتطلبات النصف الثاني من القرن الماضي، هي غيرها في النصف الأول من القرن الجديد. وأحرى بالمفكر المسلم أن يصفي جيدًا لنداء اللحظة التاريخية من أجل أن يرتب الأولويات في التعامل مع مقتضياتها في ضوء الثوابت الإسلامية.
وهذا يرتبط -ولا شك- بمسألة المنهج أو غيابه في مساحات واسعة من أنشطتنا الفكرية. فلو أننا بدأنا أولًا بتحديد الأولويات، بوضع سلّم للأهم على المهم على الأقل أهمية على غير ذي الجدوى، ثم قمنا بتوزيع الجهود، والكفاءات والأنشطة الفكرية، بما يتناسب وهذه الأولويات، فإننا نكون قد أدينا الأمانة، وحملنا المسؤولية بصيغة أكثر مقاربة للمطلوب، والمطلوب هو التحقّق بأعلى وتائر الفاعلية والكفاءة، في المعطيات، والإبداع، والإضافة النوعية، والمعالجات
البِكر، التي تكتشف وتضيف وتضيء وتلاحق الظلمات وتتجاوز مظان التكرار والسرف والهدر في الطاقة.
إن مسؤولية أعلام المسلمين اليوم يمكن أن تتمركز في الوعي بالمنهج في التعاون الإيجابي المرسوم لتحديد مطالب اللحظة التاريخية، في التقدم لاحتلال المواقع القيادية في المجتمع، والأخذ بيد الجماعات صوب الأحسن والأفضل.
إن النشاط الفكري، أو الدعوي أو الثقافي بعامة، للمعلم. أو المفكر، أو الأديب المسلم، يجب ألا يكون ارتجالًا لئلا يقود إلى إضافات كمية في هذا الميدان أو ذاك، قد تزيد العبء، وتسد قنوات الحركة إلى الأمام، وتعرقل المسيرة وإنما وعيًا بالأكثر إلحاحًا من المسائل التي تتطلب المعالجة، ونهوضًا جادًا لتنفيذ مقتضياتها. إن واحدًا من أخطر أسباب تأخرنا، أو انخفاض وتائر معطياتنا على الأقل، يكمن في غياب هذا الوعي.
بعد ذلك يمكن أن يتحدد اتجاه الاهتمام، وحجم الجهد المطلوب لتغطيته، سواء في السياق المعرفي، أو الدعوي، أو الحضاري.
وعلى سبيل المثال، فإن أولويات اللحظة التاريخية قد تتطلب تكثيف الجهود باتجاه معالجات جادة في الفقه الحضاري، أو التأصيل الإسلامي للمعرفة، أو تحديد المنهج، أو ترشيد النشاط الدعوي، أو إصلاح البرامج التربوية. وفي سياق كل حلقة من هذه الحلقات تكمن الحاجة إلى إعادة ترتيب المفردات. ففي الفقه الحضاري مثلًا، يبرز السؤال التالي من بين أسئلة عدة أيهما أكثر الحاصل أن نسعى لبلورة مشروع حضاري خاص بنا كأمة مسلمة، ثم ندخل بعد ذلك معترك ما يسمى بجدل أو حوار الحضارات، أم أن علينا أن نستهدي بالجدل، والحوار، لصياغة أكثر سلامة لمشروعنا الحضاري؟
في دائرة النشاط الدعوي، يتحتّم أن ننشئ أجيالًا من الدعاة تملك إلمامًا كافيًا بالعلوم الشرعية دونما أي قدر من المتابعة في حلقات العلوم الإنسانية، أم نجعلهم يتوجهون بالكلية إلى هذه الأخيرة، بسبب النقص الملحوظ لدى الإسلاميين في التخصصات الإنسانية؟ أم أن الأولوية يجب أن تُعطى للتحقق بقدر من الوفاق بين المعرفتين الشرعية والإنسانية، رغم ضيق المساحة الزمنية لهذا التحقق؟
وفي دائرة أسلمة المعرفة، هل تحتم أولويات العمل التركيز على منهج العمل، أم المضي معه وبموازاته لتنفيذ المحاولة على هذا الحقل أو ذاك؟ ثم ما الحقول الأكثر إلحاحًا في تنفيذ المحاولة، أهي الأدب، أم الإعلام، أم التاريخ، أم الاقتصاد، أم الإدارة، أم العلوم السلوكية، أم العلوم البحتة... إلخ.
وفي ضوء هذا كله تبدو مسؤولية أعلام المسلمين تجاه أمتهم، في تجاوز التكرار والاجترار والتقليد والإضافات الكمية، والانفصال عن مطالب اللحظة التاريخية، وإقامة جدران سميكة إزاء مقتضيات العصر والتحول بدلًا من ذلك كله إلى مواقع الإبداع، والإحسان، والإضافات النوعية، والتعامل مع بؤرة الزمن لا بعيدًا عنها، والاستجابة لتحديات العصر.
ودون هذا الوعي، فلن تفعل مئات الكتب التي تؤلّف، والمقالات التي تُنشر والمحاضرات التي تُلقى، والجهود التربوية والدعوية التي تُمارس بأكثر من أن تمضي بأبناء الأمة خطوات ضيقة محدودة فحسب، في عالم لا يتفوق فيه سوى ذوي الخطوات الكبيرة التي تختزل، وهي تقطع العالم حيثيات الزمن والمكان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل