; مذكرة حماس المثيرة هل تقلب موازين المنظمة؟! | مجلة المجتمع

العنوان مذكرة حماس المثيرة هل تقلب موازين المنظمة؟!

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1990

مشاهدات 70

نشر في العدد 964

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 24-أبريل-1990

  • تقديرات التيار الإسلامي لمصلحة القضية والشعب كانت تدفع باستمرار في إنشاء العمل المتميز والمستقل عن المنظمة..
  • الإسلاميون أكدوا استعدادهم لدخول المنظمة إذا التزمت بالنهج الإسلامي وبعقيدة الشعب.
  • الانتفاضة دحرت كل الشبهات حول التيار الإسلامي ودوره وحجمه في الشعب الفلسطيني.
  • حماس أرادت أن تجمع الفضائل الفلسطينية على برنامج جديد «لتنتشلها» من المنزلقات الخطيرة التي صارت إليها.
  • النسبة التي اشترطتها حماس هي نسبة حقيقية.. ليست تعجيزية ولا تفاوضية.

دعوة حماس للمشاركة في اللجنة التنفيذية لإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني حدث استحوذ على اهتمام مختلف الأوساط الفلسطينية، وكان له ردود فعل عديدة من مختلف الأطراف.

وسأتناول في هذا المقال هذه القضية، قضية حماس والمجلس الوطني الفلسطيني، وسنحاول الاجتهاد في إعطاء أجوبة لأهم الأسئلة التي طرحت نفسها بهذا الخصوص، مستندًا إلى ما بين يدي من معلومات حول هذا الموضوع، من خلال المتابعة الدقيقة لمجريات الأحداث وتطورها، ومن خلال ربط المقدمات بالنتائج، ومن خلال ما صرح به رموز حماس الذين اتصلنا بهم بهذا الخصوص.

إشراك حماس؟!

اهتمت المنظمة وقيادتها كثيرًا بموضوع إشراك حماس في المجلس الوطني الفلسطيني والمنظمة ومؤسساتها.. وألحت باستمرار على حركة حماس من أجل «تليين» موقفها من هذه القضية، والدخول في المجلس الوطني الفلسطيني، وكنا في مقال سابق قد أشرنا إلى خلفيات وملابسات دقيقة حول الادعاءات بأن حماس لها ممثلون في المجلس الوطني الفلسطيني، وأوضحنا أن هذا الكلام لا أساس له من الصحة، ورغم ذلك تواصلت تصريحات القيادات الفلسطينية مدعية أن حماس جزء من منظمة التحرير، وأن حماس ستكون على رأس الوفد المفاوض، وأن لحماس ممثلين بالمجلس الوطني إلى آخر هذه الحكاية التي لم يوقفها تأكيدات حماس لحقيقة الأمر، وزيف تلك الادعاءات من خلال عدة بيانات تناولت هذا الموضوع تحديدًا، فلماذا هذا الاهتمام ولماذا ذلك الإصرار؟

أثناء لقاء السيد ياسر عرفات بكل من ريتشارد مورفي في تونس والرئيس الأمريكي الأسبق كارتر في فرنسا.. تم طرح موضوع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، وكيفية إعطاء ديناميكية لإجراء حوار فلسطيني «إسرائيلي» في القاهرة..

ومن بين أهم النقاط التي طرحها كل من مورفي وكارتر هي حقيقة تمثيل المنظمة لكل الشعب الفلسطيني.. وقدرة المنظمة على فرض أية تسوية أو اتفاقات يتم التوصل لها على الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته، وحاول كل منهم أخذ تطمينات بأن حماس ستلتزم بما تريده الأنظمة، وأنها لن تحاول نسف ما يتم التوصل إليه.. وهنا أجابهم السيد ياسر عرفات: اطمئنوا فإن حماس تحت السيطرة! كما كان هذا الموضوع نقطة ساخنة في جولات الحوار الفلسطيني الأمريكي في تونس.. وهذا يعطي خلفية وتوضيح لاهتمام المنظمة بدعوة حماس لدخول «م ت ف»، ومحاولة الإيحاء بأنها ممثلة في مؤسساتها.

حماس واللجنة التحضيرية

كان المجلس الوطني قد شكل لجنة تحضيرية لإعادة النظر في تشكيل المجلس الذي انتهت المدة القانونية له.. وفي ختام اجتماعاتها في تونس يوم 13/3 قررت دعوة حماس للمشاركة في اللجنة التحضيرية وحضور اجتماعاتها القادمة، والتي كان مقررًا أن تبدأ في 7 أبريل 1990 في العاصمة الأردنية.

وبالفعل اتصل رئيس المجلس الوطني الفلسطيني بقيادة حماس، وطلب منهم المشاركة في اللجنة المذكورة، وتحديد من يمثلهم.

وبالفعل تم تحديد ممثل حماس.. واتصل السائح به.. وتم بينهما لقاء قبل أن تبدأ اللجنة التحضيرية أعمالها.. وكان هذا اللقاء بالنسبة لحماس لقاء استطلاع لطبيعة الدعوة وحيثياتها، وأكد ممثل حماس للسائح أن قيادة الحركة ستقوم بدراسة هذه الدعوة، وستعلمه بموقفها قبل بدء الاجتماعات، وهذا ما تم.. حيث سلم ممثل حماس مذكرة للشيخ السائح، فيها اعتذار عن المشاركة في اللجنة التحضيرية لمجموعة من الظروف والاعتبارات لم تسمها المذكرة.

ورغم ذلك فقد عرضت حماس في مذكرتها تصوراتها لأسس تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني القادم، كما أوضحت المبادئ والثوابت الأصيلة التي على أساس استجابة المنظمة لها والتزامها بها يمكن لحركة حماس دخول المجلس الوطني ومؤسسات المنظمة.

هل هو موقف جديد؟

وقبل أن نتناول ما جاء في مذكرة حماس بالتعليق والتحليل؛ نجد من المناسب التوقف قليلًا على المذكرة بشكل عام.

بعض المراقبين رأى في مذكرة حماس موقفًا جديدًا وتطورًا في أسلوب تعامل حماس وتعاطيها مع م. ت ف، وذهب هؤلاء إلى القول بصرف النظر عن شروط حماس وتشددها، فإن المذكرة في مجملها تؤكد أنه من حيث المبدأ فإن حماس لا تعترض على المشاركة في المجلس الوطني الفلسطيني ومنظمة التحرير.

وأعتقد أن هذا الكلام صحيح بقدر كبير، وإن كنا تعتبر أن هذا الموقف ليس موقفًا جديدًا.. صحيح أننا كإسلاميين رفضنا وما زلنا دخول «م. ت. ف» إلا أنه لابد من توضيح نقطتين هنا:

الأولى: إن دخول أو عدم دخول منظمة التحرير الفلسطينية كانت دومًا بالنسبة للإسلاميين قضية اجتهادات وترجيح مصالح، ولم تكن قضية حلال أم حرام.. بمعنى أن التيار الإسلامي لو قدر يومًا أن من مصلحة القضية ومصلحة الشعب الفلسطيني دخول التيار الإسلامي في المنظمة لفعل.

ولكن تقديراته وترجيحاته كانت تدفع باستمرار باتجاه التميز وضرورة العمل المستقل في ضوء ارتباطات المنظمة وفصائلها، وفي ضوء اختلاف الرؤية والتحليل واختلاف الوسائل، وفي ضوء التحفظات الكثيرة والعديدة على مواقف المنظمة وأدوارها وتحركات قياداتها وما آلت إليه.

والتيار الإسلامي من هذه الزاوية يتشابه وينسجم في موقفه مع الحركة الإسلامية واجتهاداتها في أكثر من قطر؛ حيث دخلت الحركة الإسلامية «البرلمان» في كل من مصر والسودان والأردن، ومنظمة التحرير الآن لا تختلف عن هذه الأنظمة.

الثانية: إن الإسلاميين لم يغلقوا الباب يومًا أمام احتمال دخول «م ت ف» أو التفاهم معها.. فهم باستمرار كانوا يؤكدون استعدادهم للعمل مع أو من خلال م. ت. ف إذا توفرت مجموعة الظروف والمتطلبات.. أهمها الالتزام بالمنهج الإسلامي، والالتزام بعقيدة الشعب المسلم، والمحافظة على الحقوق والثوابت الفلسطينية وعدم تجاوزها أو تمييعها

مرحلة الانتفاضة والممارسة السياسية

ومع هذا فإن طرح مذكرة حماس الأخيرة مسألة دخول. م. ت. ف بغض النظر عن شروط ذلك ولوازمه؛ يعتبر تحولًا ليس في الموقف وإنما في طبيعة الممارسة الميدانية التي تميزت هذه المرة بالوضوح والصراحة والجرأة، الأمر الذي قوبل بارتياح شديد لدى جماهير الشعب الفلسطيني.

ونستطيع القول إن هذا التحول في طبيعة الممارسة الميدانية يرجع إلى ضرورة الانسجام مع مرحلة الانتفاضة والحقائق الموضوعية التي أفرزتها وأكدتها باعتبار التيار الإسلامي بقيادة حماس هو تيار أصيل وعميق في جذور الشعب الفلسطيني، وله دوره الرائد في مقاومة الاحتلال والتصدي لوجوده البغيض.

هذه الحقيقة تستدعي أن تكون حماس على مستوى الممارسة السياسية تمامًا، كما كانت على مستوى الفعل الجهادي والانتفاضي.

فالانتفاضة دحرت كل الشبهات حول التيار الإسلامي ودوره وحجمه في الشعب الفلسطيني، في حين حاولت الفصائل في سنوات ما قبل الانتفاضة الاستفراد بالساحة الفلسطينية وتقزيم التيار الإسلامي ودوره، ولم تقبل الفصائل الاعتراف به والتعامل معه كتيار وطني الأصيل، بل على العكس تميزت السنوات السابقة بحرب شعواء من الفصائل العلمانية على الإسلام ودعاته في فلسطين المحتلة، محاولين إلصاق كل تهم الدنيا به.

أما الآن- وقد أظهر الله الحق- فإن التيار الإسلامي وبقيادة حماس يستطيع أن يقول «وبالفم الملآن»: إننا موجودون، وإن دورنا في مواجهة الاحتلال والتصدي له لا ينكره أحد، وإن التفاف شعبنا حوله وثقته به أصبح ليس محل جدال أو نقاش.

وبالتالي فإن التيار الإسلامي في هذه المرحلة إذا أراد أن يتعامل مع المؤسسات الفلسطينية القائمة؛ فإنه يتعامل بثقل يوازي حجمه وحقيقته التي أكدها الميدان، وهو واثق بأنه لو تم تمثيله تمثيلًا حقيقيًا؛ لتمكن من الحصول على أغلبية في مختلف الهيئات تؤهله لتصحيح المسار والممارسة.

كما أن حرص حماس على الوحدة الوطنية وأهميتها وضرورتها هو السبب الثاني للتحول في الممارسة الميدانية في هذه المرحلة الحرجة من مراحل جهاد الشعب الفلسطيني، وهذا ما أكدته حماس في مذكرتها التي ورد فيها: «تؤكد حركة المقاومة الإسلامية حماس أنها مع وحدة أبناء شعبنا بكل اتجاهاته وقواه على أسس وثوابت واضحة بيّنة دون تفريط أو تنازل».

كما جاء في خاتمة مذكرتها: «لنؤكد استعدادنا للعمل المخلص مع كافة القوى الفلسطينية الفاعلة، مهما كان فكرها أو انتماؤها».

ثوابت ومبادئ واعتبارات

أوردت حماس في مذكرتها عشر نقاط، وذكرت بأنها تمثل الثوابت والمبادئ والاعتبارات الأصيلة التي على أساس الاستجابة لها والموافقة عليها؛ يمكن لحماس التعامل بإيجابية مع موضوع المشاركة في المجلس الوطني الفلسطيني ومؤسسات المنظمة.

وقد قوبلت مذكرة حماس وشروطها بارتياح شديد ليس لدى جماهير ومؤيدي حماس فقط؛ بل لدى القيادات والفصائل الفلسطينية الأخرى، وكذلك لدى شريحة ما يمكن تسميتهم بالمستقلين..

ففي نفس يوم السبت 7/4/1990 الذي تم فيه تسليم مذكرة حماس اتصلت جريدة الدستور بالشيخ السائح تسأله عن المذكرة وانطباعاته حولها، فأكد السائح أن المذكرة في مجموعها إيجابية وليست سلبية، وأبدى ارتياحه وتقديره للروح الوحدوية التي اتسمت بها المذكرة، وحرصه على استمرار الحوار مع حماس.

وكتب جورج حداد في الدستور الأردنية يوم 10/4/1990 يقول: مذكرة حماس يمكن اعتبارها النموذج الأرقى لصيغة التنوع في الاجتهاد، المفارق في الوسيلة، ولكنه الملتحم التحامًا مصيريًا بالهدف الأرقى والأنقى.. لم تعتمد المذكرة إلى أسلوب المزايدات أو تسقُّط الأخطاء أو احتكار البطولات ومصادرة مواقف الآخرين وإنكار حقوقهم في الاختلاف!

ممثل الحزب الشيوعي عبدالرحمن أبو عوض اعتبر أن مطالب حماس صعبة التطبيق، بالرغم من الروح الوحدوية التي تطرحها الحركة في تعاونها مع فصائل منظمة التحرير الأخرى.

والآن.. يبرز سؤال بصورة تلقائية: هل كانت شروط حماس منطقية أو معقولة؟ أم أنها شروط تعجيزية وفيها مغالاة.. كما يظن البعض؟!

الحقيقة أن التمعن في «الثوابت والمبادئ والاعتبارات» التي وضعتها حماس، يوضح بأن حماس حاولت أولًا أن تكون منسجمة مع نفسها وفكرها وعقيدتها وجماهيرها التي التفت حولها، لإيمانها بأطروحات حماس وفكرها ومواقفها السياسية.

كما أن القراءة الموضوعية والمتجردة وغير المنفعلة، تؤكد أن حماس حاولت كذلك أن تكون اعتباراتها منطقية ومعقولة.

موقف مبدئي

فالنقطة الأولي والثانية.. تتناول قضية الحق الإسلامي الكامل في فلسطين كاملة غير منقوصة.. ورفض التفريط بأي جزء منها تحت أي ظرف من الظروف.. ورفض كل القرارات الدولية التي تتناقض مع ذلك.. وهذه النقطة يجمع عليها كل أبناء الشعب الفلسطيني وكذا الشعوب العربية والإسلامية.. ولا يجادل فيها إلا من انقلبت عنده الموازين وغابت عنه المبادئ والثوابت.. ومن المهم التذكير بأن موقف حماس من هذه القضية هو موقف مبدئي ثابت لم يتغير ولم يتبدل.. وأن الأطراف الفلسطينية الأخرى هي التي غيرت وبدلت وتنكرت وتناقضت مع مبادئها ومواقفها السابقة وحتى مع ميثاقها.

وبكلمة نقول: إن مطالبة حماس بهاتين النقطتين هي من قبيل المطالبة الطبيعية والمنطقية. وفي النقطة الثالثة تؤكد حماس على تصوراتها لسبل حل القضية الفلسطينية.. فالخيار العسكري والجهادي هو «الطريق الصحيح» الذي يؤثر ويؤدي إلى التحرير واستعادة الحقوق والمقدسات، وليس الحلول السلمية وما يسمى بهجوم السلام وأوهامه.

تصحيح العلاقة!

وتحاول حماس في النقطة الرابعة أن تعيد للقضية الفلسطينية موقعها المفروض كقضية أولى للأمة العربية والإسلامية.. بعد أن حاول أصحاب القضية تقزيمها لتصبح قضية العرب.. ثم تقزيمها ثانية لتصبح قضية الفلسطينيين.. حماس تصر على أن تأخذ القضية بعدها وحجمها باعتبارها قضية كل مسلمي العالم، وأن الفلسطينيين هم رأس الحربة الجهادية فيها.

ولعل اختلال هذه العلاقة في الوقت الحاضر هو سبب فقدان التفاعل الشعبي العربي والإسلامي بالقدر والمستوى الذي تتطلبه المعركة وحقيقة الصراع.. ومطالبة حماس هذه ليس فيها من التعجيز شيء.. فهي عين الموضوعية والعقلانية والتصرف الحكيم.

تطمينات

كذلك فإن مطالبة حماس باستمرار الانتفاضة وتطويرها وتصعيدها ودعم صمود شعبنا في مواجهة الاحتلال.. قضية لا أخال أنه يختلف عليها اثنان من أبناء شعبنا.. فتفعيل الصراع مع العدو المحتل.. وتحضير مستلزماته في جو الانتفاضة وفي ظلالها   يكون أسرع وأقوى لوجود الدافع اليومي الضاغط والمحفز.. ونقصد به عملية المواجهة والصدام.

وقد تكون حماس تريد في هذه النقطة أخذ تطمينات من الجهات والفصائل والقيادات الفلسطينية التي تحاول أن تجعل الانتفاضة وسيلة من وسائل تسريع الحل السلمي وخدمة توجهاتهم التراجعية.. فهي تريد هذه التأكيدات حتى لا يقطع هؤلاء الانتفاضة في منتصف الطريق.. وحتى لا يحاولوا إيقافها ووأدها في مرحلة من مراحل الحل السلمي.. استجابة لشروط وضغوط الأطراف الأمريكية والإسرائيلية.

نسبة تمثيل حماس

أما موضوع تمثيل حماس بنسبة 40-50% من مجموع أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني فيحتاج منا إلى وقفة.. فهل هذه النسبة نسبة تعجيزية أم تفاوضية أم أنها نسبة حقيقية واقعية؟ الحقيقة أن المراجعة السريعة والشاملة لأوزان القوى والاتجاهات الفلسطينية المختلفة تؤكد أن مطالبة حماس به 40 -50% من مجموع أعضاء المجلس الوطني.. هي مطالبة موضوعية ومعقولة.. فلو أخذنا أية عينة أو شريحة من شرائح المجتمع الفلسطيني وقطاعاته؛ فإنها ستؤكد هذه النتيجة قطعًا، وحتى نقرب الصورة أكثر، فإننا نقول: إن نتائج أية عملية انتخابية تمت في فلسطين المحتلة خلال الأعوام التي سبقت الانتفاضة المباركة.. وحتى خلال الانتفاضة، سواء كانت انتخابات نقابات واتحادات مهنية أو عمالية أو طلابية.. هذه النتائج تعطي مؤشرًا صحيحًا وحقيقيًا لأوزان القوى والفصائل والاتجاهات الفلسطينية المختلفة.. ولذا فإننا لا نجد أنفسنا بحاجة إلى كبير عناء لإثبات أن الحركة الإسلامية بقيادة حماس كانت باستمرار تحصل على نسبة الـ40% على الأقل في أية انتخابات.. ومن المهم ملاحظة  أنه في معظم الانتخابات التي تمت في فلسطين المحتلة كانت جميع فصائل المنظمة تتفق وتجتمع في قائمة واحدة باسم «الموحدة الوطنية» لمواجهة وإسقاط قائمة الحركة الإسلامية.

ومع ذلك كانت الحركة الإسلامية تفوز في العديد من الهيئات والنقابات والاتحادات، وإذا خسرت فإنها كانت تحصل على نسبة الـ40% بكل يسر وسهولة..

وإذا ما فرضنا أن انتخابات مجالس الطلبة في الجامعات الفلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة تعتبر واحدة من أهم مقاييس قوى التيارات السياسية، فإن المسألة سرعان ما توضح مدى حجم وقوة التيار الإسلامي.. فالكتلة الإسلامية تسيطر على مجلس الطلبة في الجامعة الإسلامية بغزة منذ تأسيسها في مطلع الثمانينيات، وهي تضم أربعة آلاف وستمائة طالب، وفي جامعة النجاح تشكل الكتلة الإسلامية قوة موازية للاتجاهات الأخرى مجتمعة «تسيطر على مجلس الطلبة فيها عامًا وتخسره عامًا».. وكانت نسبة الكتلة الإسلامية في آخر انتخابات تمت في جامعة النجاح هي 42% أما في جامعتي بير زيت وبيت لحم فهي تمثل المرتبة الثانية.. وفي جامعة الخليل حصلت الكتلة الإسلامية في آخر انتخابات على ثمانية مقاعد من تسعة في مجلس الطلبة.

وحتى في آخر انتخابات جرت لنقابة الأطباء في قطاع غزة، والتي اعتبرتها المنظمة نصرًا.. فإن التيار الإسلامي حصل وحده على نسبة 47% بينما حصلت كل الفصائل مجتمعة على نسبة 53%.

الثقل الانتخابي.. والثقل الانتفاضي

ومن المهم التنبيه إلى أن هذه النسبة التي تطالب بها حماس تعبر عن التقدير «الموضوعي» و«المتواضع» لثقل حماس «الانتخابي»، ولا تعبر عن ثقلها «الانتفاضي» في قيادة جموع الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والصدام معه؛ حيث تقفز نسبة الثقل «الانتفاضي» لحماس في قطاع غزة إلى أكثر من 9٠% وفي الضفة الغربية تتراوح بين 50-60% حسب المنطقة، مع ملاحظة أن حماس بدأت تكسب ساحات ومواقع جديدة في المدن والقرى على حساب حركة فتح التي خسرت وتراجعت كثيرًا بسبب أطروحاتها السياسية وقيادتها للخط السلمي التراجعي في الساحة الفلسطينية.

ولذا فإننا نقول وبكل ثقة أن النسبة التي اشترطتها حماس هي نسبة حقيقية ليست تعجيزية ولا تفاوضية.. ومن المؤكد أن تصر حماس على هذه النسبة ولا تجعلها مجالًا للتفاوض أو المساومة.. والحال أن حماس لو قبلت بأية نسبة أقل من 40% فهذا يعني أنها ستشكل قوة معارضة صغيرة وغير قادرة على التأثير على مجريات الأمور.. وما يعنيه ذلك من بقاء الأوضاع والتوجهات على ما هي عليه، مع إضفاء مسوح الشرعية عليها باعتبار أن كل التيارات باتت ممثلة في المجلس.. وفي هذه الحالة فإن معارضة حماس لا تقدم ولا تؤخر.. ومن المرجح أن تخسر حماس من شعبيتها وجماهيرها لا سمح الله.. ولكن هل ترضى منظمة التحرير الفلسطينية القبول بهذه النسبة لحركة حماس؟

الأرجح أن ترفض المنظمة قبول هذا الشرط.. وتعتبره مغالاة وتعجيزًا.. ومع ذلك فيغلب على الظن أن المنظمة ستستمر في مفاوضة حماس ومحاولة «جر رجلها»، كما يقولون إلى مظلة المنظمة لتحقيق جملة المكاسب والأهداف التي أشرنا إليها سابقًا.. وأقصي ما يمكن أن تعرضه المنظمة هو عدد «قريب أو يساوي» عدد أعضاء حركة فتح في المجلس الوطني.. والذي يساوي 35 عضوًا- من الناحية الرسمية فقط، باعتبار أن أغلب المستقلين هم فتحاويون! وهذا العدد «أي ٣٥ عضوًا» لا يؤهل حماس لممارسة أي دور فاعل في المنظمة ومؤسساتها، وهي أقل بكثير مما تطالب به حماس (40% تساوي حاليًا ۱۸۰ عضوًا تقريبًا).. لذا فالمتوقع ألا يصل الطرفان إلى أي اتفاق على هذه النقطة.

ممارسات فتح

وفي النقطة الثامنة تطالب حماس بوقف فوري لكل ما يتعرض له سجناء حماس من اعتداءات وتطاول على أيدي حركة فتح في كل سجون الداخل، وإعطائهم حقوق القوى الأخرى في السجون.

وهذه النقطة في غاية الأهمية والحساسية في ذات الوقت.. ذلك أن حماس طالبت باستمرار -دون جدوى- بوضع حد للممارسات المجنونة لحركة فتح واستفزازاتهم لشباب حماس وللتيار الإسلامي في السجون وخارجها.. وحاولت فتح دائمًا التصرف وكأنها «وصية» على الشعب الفلسطيني وتياراته المجاهدة.. وكانت هذه الممارسات تدفع باتجاه «توتير» العلاقة بين الطرفين.. الأمر الذي هدد ومازال الوحدة الوطنية ومصلحة الشعب والقضية..

هذه الاستفزازات والممارسات الخاطئة لم تتوقف رغم كل النصائح والتوجيهات، ورغم كل الوساطات للحكماء من أبناء شعبنا، الأمر الذي يضع أكثر من علامة استفهام على نيات فتح وأهدافها..

وعلى كل حال فإن هذا الموضوع ذو شجون تطول.. وسنفرد له مقالًا خاصًّا في عدد قادم؛ لأن الأمور وصلت إلى من لا يمكن السكوت عنه.

برنامج جديد

وتطالب حماس في النقطة التاسعة بالتخلي عن كافة التراجعات والتنازلات والاعترافات التي تتناقض مع حقوقنا ومع تطلعات شعبنا وتضحياته، والتي كان آخرها قرارات الدورة التاسعة عشرة في الجزائر في تشرين ثاني 1988، وكل ما تلاها من تنازلات..

وهذه النقطة تتكامل مع بقية النقاط التي تؤكد على الثوابت الفلسطينية، باعتبار أن الدورة التاسعة عشرة كرست النهج السلمي التراجعي لدى الطرف الفلسطيني، وكانت حاسمة باتجاه الاعتراف بدولة العدو.

فمطالبة حماس بالتراجع عن هذه القرارات.. مسألة في غاية الأهمية.. لأن موضوع مشاركة حماس في المجلس الوطني مع بقاء هذه القرارات والتوجهات أمر مستحيل.. فهو يلصق بحماس كل الخطأ وتنازلات الفصائل الأخرى، ويحملها مسؤولية التنازل والتفريط.. فحماس تريد أن يكون دخولها المجلس الوطني والمنظمة على أساس برنامج جهادي وسياسي جديد، وملتزم بكل الحقوق الفلسطينية.

بكلمة.. يمكن القول: إن حماس أرادت أن تجمع الفصائل الفلسطينية على برنامج جديد يتناقض بالكلية مع برنامج الدورة التاسعة عشرة.. و«ينتشل» الطرف الفلسطيني بكل فصائله وهيئاته من المنزلقات والمنعطفات الخطيرة التي سار بها.

أصالة الشعب والقضية

برنامج حماس.. يعبر عما في ضمير كل فلسطيني وعربي ومسلم.. وهو برنامج منطقي وعقلاني ويمكن التحقيق والتبني.. فهو لا يطلب المستحيل.. وإنما يطالب بتصحيح المسار والاتجاه وإعادة النظر في كل الأطروحات والتحركات التي انشغل بها الطرف الفلسطيني خلال المرحلة السابقة.. «ولكنه لم يرجع منها حتى ولا بخُفيّ حنين» وهو -أي الطرف الفلسطيني- يتوهم أنه يمكن أن يحصل على شيء.. أي شي.. برنامج حماس.. يمثل صرخة وصدمة مقصودة ومطلوبة، لمحاولة إيقاظ القيادات من أوهام الحلول السلمية.

وأيًّا كانت ردود القيادات على مذكرة حماس.. فإن حماس ستبقى تمثل الأمل الحقيقي المعبر عن أصالة الشعب والقضية.

الرابط المختصر :