; مذكرات مناحم بيجن - فلسفة القوة أو جذور الصهيونية (١ من ٦) | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات مناحم بيجن - فلسفة القوة أو جذور الصهيونية (١ من ٦)

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 13-يناير-2007

مشاهدات 66

نشر في العدد 1734

نشر في الصفحة 36

السبت 13-يناير-2007

  •  بيجن وضع المسوغات الدينية والتاريخية والوطنية لكل ما نشاهده اليوم على أرض فلسطين من مجازر وحصار وتجريف الأراضي وقتل بطيء.
  • ملامح حياة بيجن تقودنا إلى استنساخ ملامح الفلسفة اليهودية التي تضع كل الأمور بين يدي الجيش ليقرر ما يراه.

لماذا مناحم بيجن الآن؟

كان هذا هو السؤال الذي طرحته أمامي عندما أعدت قراءة كتاب التمرد. قصة الأرجون للمرة الثالثة كانت المرة الأولى عقب صدوره عام ١٩٧٨ م عن الهيئة العامة المصرية للكتاب، وكانت رايات الصلح والسلام مرفوعة في عواصم عديدة، وكلها تلوح بقرب عهد جديد سيحقق للعرب وللشعب الفلسطيني تحديداً، أمنيات الكرامة والعيش الآمن المطمئن.. ثم مضت الأيام قليلا وإذا بمناحم بيجن الذي وقع اتفاقيات السلام مع مصر، يشن هجوماً مباغتاً على مفاعل تموز في بغداد ويغزو لبنان حتى يصل إلى بيروت بجيش يقوده تلميذه «أرئيل شارون» الذي كان يقود حرباً ضارية وفاجعة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل منذ سنتين! 

تعدد القراءة لكتاب بيجن أمر مهم تفرضه ضرورة فهم الصراع الجاري الآن فاستراتيجية الكيان الصهيوني لم تتغير منذ كانت العصابات اليهودية الهاجاناه. الأرجون، جبهة تحرير إسرائيل.. تحارب العرب الفلسطينيين والإنجليز، حتى أقامت الكيان الصهيوني بالحديد والنار والدم. التكتيكات تتغير بما يتلاءم مع الظروف والمستجدات، ولكن تبقى الثوابت أو الأساسيات راسخة في الفكر الصهيوني، وقد مثل مناحم فولقوفتش بيجن هذا الفكر خير تمثيل.

يعد البعض ما يجري الآن على أرض الواقع أمراً جديداً في السلوك اليهودي الصهيوني. حيث يقوم جيش الدفاع يومياً بالاغتيالات والقتل البطيء والحصار والتجويع وهدم البيوت والمنازل على من فيها، وتجريف الأراضي بما عليها من مزارع زيتون وفواكه، وإقامة الحواجز في الطرقات وفرض حظر التجول... إلخ، كل هذا ليس جديداً، لأن تأمل ما كتبه بيجن يؤكد تلك الممارسات بكل وضوح ويبشر بها ويضع لها المسوغات الدينية والتاريخية والوطنية والأخلاقية ولا غرابة في ذلك. فقد نعت نفسه أو وافق على نعت نفسه بـ«الإرهابي الأول» مفاخراً أو مباهياً، لأنه يعد نفسه صاحب قضية هي تحرير شعب واستخلاص وطن. وقبل أن نشير إلى أهم الملامح التي تشكل فكر مناحم بيجن أو الفكر الصهيوني الذي يحكم سياسة الكيان الغاصب في فلسطين نتعرف أولاً على بعض الملامح البارزة في حياة مناحم بيجن. 

فقد ولد في بولندا عام ١٩١٣م بقرية تدعى «برست لينفيسك»، وتخرج في كلية الحقوق، جامعة وارسو، لكنه لم يمارس المحاماة فقد انضم عام ١٩٢٩م إلى منظمة بيطار، وفي عام ١٩٣٨م تقابل مع أستاذه ومعلمه ومؤسس الصهيونية الفعلي «فلاديمير جابوتنيسكي» (1880-1940) الذي كانت تعاليمه أساساً لقيام منظمة «الأرجون زفاي ليومي»، قادها بيجن فيما بعد حين وصل إلى فلسطين وقد عينه جابوتنيسكي ممثلاً للحركة التصحيحية على مستوى الدولة، وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية انضم بيجن

إلى الجيش البولندي. وانتقل إلى الاتحاد السوفييتي، ثم نفي إلى سيبيريا، ولكنه هرب إلى إيران فالعراق، وتسلل إلى داخل فلسطين عام ١٩٤٢م، بطريقة غير شرعية من ناحية شرق الأردن، حيث كان يعمل في صفوف الحلفاء والتحق بالأرجون، حيث أعلن أنه رجل حرب وثيق في النصر، وأنه لن يتراجع. صار بيجن عام ١٩٤٣م زعيماً لـ«لأرجون زفاي ليومي» المنظمة العسكرية الوطنية، وتضم أشد العناصر الصهيونية تطرفاً. وترى في إسرائيل الكبرى حقاً مشروعاً لليهود، وأنها أرض وعدها الله لشعبه المختار (اليهود). وقد اتخذ بيجن شعاراً للأرجون عبارة عن خريطة تمتد من النيل إلى الفرات فوقها بندقية جاهزة للانطلاق، ومن تحتها كلمة «راك كاخ» أي «هكذا فقط».

في عام ١٩٤٩م بعد قيام الدولة العبرية، شكل حزب حيروت (الحرية) الذي ورث شعار منظمة بيطار التي انضم إليها في بولندا ونقل نشاطها إلى فلسطين بعد تسلله إليها، وملخص هذا الشعار لا يختلف عن شعار منظمة الأرجون، وهو أن الحد الأدنى لأرض إسرائيل يتمثل في ضفتي نهر الأردن، وأن القوة العسكرية هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب.

كان حيروت بقيادة بيجن في المعارضة حتى عشية حرب ١٩٦٧م، فانضم إلى ليفي أشكول في الوزارة الائتلافية وبعدها شارك في حكومة «جولدا ماثير» الائتلافية أيضاً عام ١٩٦٩م. ليشغل منصب وزير دولة، وفي عام ١٩٧٧م فاز حزبه بالانتخابات (بعد اندماجه مع أحزاب أخرى عرفت فيما بعد باسم الليكود «التكتل») ورأس الحكومة التي فاوضت الرئيس الراحل أنور السادات ووقعت معه اتفاقيات كامب ۱۹۷۹م، التي أنهت الاحتلال اليهودي لشبه جزيرة سيناء مقابل الاعتراف بالدولة العبرية وتطبيع العلاقات معها، وفاز بيجن مع السادات بجائزة نوبل لتوقيع هذه الاتفاقيات.

وعقب توقيع اتفاقيات ۱۹۷۹م، وبعد زيارة لمصر ومقابلة الرئيس السادات في الإسماعيلية، قامت قواته يضرب مفاعل تموز العراقي القريب من بغداد، وفي عام ۱۹۸۲م زحفت قواته بقيادة الجنرال أرئيل شارون رئيس الحكومة الصهيونية- حتى وقت قريب إلى بيروت، ونصبت رئيساً للجمهورية بها، وأخرجت المقاومة الفلسطينية وقائدها ياسر عرفات إلى المنفى تونس- اليمن- مصر، ولكن فشل الغزو والخسائر التي تكبدها اليهود جعلته ينزوي مكتتباً بعد اعتزاله السياسة، حيث مات في معتزله ۱۹۹۲م.

ولعل ملامح حياة بيجن تقودنا إلى استنساخ ملامح فلسفته، التي هي فلسفة الصهيونية الراسخة من خلال كتابه التمرد حيث هي السياسة الصهيونية الحقيقية، وإن بدا للبعض أن يرى غيرها. متمثلاً في تعدد الأصوات داخل الكيان الصهيوني، فحقيقة الأمر تتبلور فيما قاله وفعله بيجن تنفيذاً لتعاليم أستاذه المتطرف جابوتنيسكي. إن السياسة الصهيونية في الواقع ملك لجيش الدفاع الذي يقرر الأمور الاستراتيجية للدولة الصهيونية ويخضع لها الساسة اليهود جميعاً، وهذا الجيش تقوم عقيدته القتالية على فلسفة جابوتنيسكي وتلميذه المخلص بيجن وهي العقيدة التي يفصح عنها على صفحات كتابه كلما سنحت الفرصة.

في اجتماع مع ممثلي جيش الدفاع ١٩٥٨/١٠/٢٨م بعد العدوان الثلاثي على مصر، وقف مناحم بيجن، يخاطبهم قائلاً: 

إن قلوبكم أيها الإسرائيليون يجب ألا تتألم، وأنتم تقتلون عدوكم، وينبغي الا تأخذكم به شفقة طالما أننا لم نقض على ما يسمى بالثقافة العربية التي سوف نبني على أنقاضها حضارتنا الخاصة. 

وهذه الفقرة تكشف عن أبعاد عديدة للتوجه الصهيوني نحو العرب جميعاً بمن فيهم الفلسطينيون فهي تعبير صريح وواضح عن أسس العقيدة الصهيونية، وهي العنصرية والتوسع والقوة.

وتتطابق مع النازية التي تقوم على جناحي العنصرية والتوسع، وتبقى القوة عند الصهاينة أساساً للتعامل مع العرب حيث إن بيجن بلا خجل على امتداد كتابه فهو القائل: إننا نحارب فنحن كائتون أو موجودون، وهو الذي يكثر من ذكر الدم والقتل في معظم صفحات الكتاب، يقول: «سوف تحارب» سيحارب كل يهودي في أرض إسرائيل، ويكون رب إسرائيل رب الأرباب في عوننا لن نتراجع بعد اليوم الحرية أو الموت.

شيدوا حائطاً حول شبابكم المحاربين لا تتخلوا عنهم.

إن الشباب المحاربين لن يحجموا عن المحنة، ولن يتخلفوا عن التضحية، ولن ينكصوا بسبب الدم والمعاناة، لن يستسلموا حتى يجددوا أيامنا الغابرة، ويضمنوا لشعبنا الوطن والحرية والشرف والعيش والعدل، وإذا ما قدمتم لهم العون فإنكم سوف ترون في أيامنا هذه تحقيق العودة إلى صهيون، واسترجاع إسرائيل.

ومن أقواله التي يتردد معناها كثيراً: إن القوة هي التي تتخذ القرارات في المعركة إنها ليست العامل المادي وحسب، فالعوامل النفسية والروحية على جانب كبير من الأهمية، بل إنها أحياناً ما تكون عناصر حاسمة بالنسبة للقوة المحاربة، وأحد هذه العوامل هو القصة المروية عن القدماء (أو الأسطورة) التي تسبق القوة المحاربة. «هول لأعدائها»، وأنها تكسب دائماً، وأنها لا تقهر.. وما إلى ذلك، لقد خلقت أسطورة القوة اليهودية بفضل القوة السرية، وعلى يد حركة التمرد اليهودية. إنك تستطيع أن تفعل دائماً أي شيء بالسونكيات إلا أن تجلس فوقها، بل الأفضل أن تجلس في ظلها لا بد أن يتسلح المحاربون في سبيل الحرية وإلا سحقوا بين يوم وليلة..

كيف كان لنا أن نظل أحياء بدون سلاح وبدون وطن وبدون وسائل الدفاع الأولية؟ ولذلك قمنا نحن رجال «الأرجون زهاي ليومي» نثور وتحارب لا لنشيع الإرهاب، إنما لنقضي على الإرهاب!

 

 

الرابط المختصر :