; صفحات من دفتر الذكريات (57) قاموس استعماري | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (57) قاموس استعماري

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1995

مشاهدات 66

نشر في العدد 1159

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 25-يوليو-1995

إن الإسلاميين إذا كانوا قد عجزوا في أحيان كثيرة عن أن يتقدموا الصفوف في مرحلة الكفاح السياسي الحزبي، فليس معنى ذلك أنهم كانوا يستسلمون للترف أو السلبية أو مقاومة العدوان الأجنبي، بل إنهم يوجهون نشاطهم إلى القاعدة الشعبية يغذونها بمبادئ الإسلام وثقافته الأصيلة، وأولها فكرة الجهاد في سبيل الله وطلب الشهادة في ميادين المواجهة مع أعداء الله، لذلك. فإنه عندما يفتح باب الجهاد المسلح يكون الإسلاميون وتلاميذهم في مقدمة الشهداء، وكلما طال أمد الكفاح المسلح تتراجع صفوف المنافقين والأدعياء، ويبرز الإسلاميون إلى مراكز القيادة أو الزعامة لوطنية التضحية والجهاد، ونراهم ظهروا في الساحة في مقدمة الصفوف وحظوا بثقة الجماهير وتأييدها، وبذلك يسيطرون على القاعدة الشعبية.

هذا ما يخشاه أعداؤنا ويحسبون حسابه لأنهم يذكرون مراحل الغزو الاستعماري الأولى وما لاقوه من عنف المقاومة الشعبية الإسلامية على يد قادة الجهاد الإسلامي أمثال عبد الكريم الخطابي، وعبد القادر الجزائري، وعمر المختار لذلك نراهم يسارعون إلى الالتفاف حول صفوف «الوطنيين» لمحاصرتهم وعزلهم عن الإسلاميين ويستقطبون المعتدلين و«العقلاء»، والضعفاء منهم وكذلك أصحاب المصالح المالية والمراكز الاجتماعية، ويستعينون بمن تأثروا بالغزو الفكري والثقافة العلمانية والأوروبية، الذين يفهمون لغتهم ويشاركونهم في الفكر أو المصالح، ويغرونهم بأن يكونوا تراجمة لهم ووسطاء في المفاوضات والمحادثات والمساومات التي تؤدي إلى المناصب ومقاعد السلطة حتى يقبل الوطنيون بعرض الاستقلال، المثقل بالقيود والشروط التي تفرغه من كل محتوى جدي أو مضمون له قيمة.

استقلال شكلي:

أهم هذه الشروط هو التزام الحكم الوطني بوقف المقاومة المسلحة، بل ومطاردة من يدعون الجهاد والتشهير بهم وهم الإسلاميون في العادة ويوجهونهم إلى استخدام أموال الدولة الناشئة وأجهزتها من أجل نشر مؤسسات تعليم لا دينية ذات مناهج يسمونها «عصرية»، وكلمة العصرية عندهم تعني أنها لا دينية مقطوعة الصلة بالثقافة الإسلامية، ويهدفون من ذلك إلى إعداد جيل ممن انقطعت كل صلتهم بالأصول الإسلامية، ويسارع عملاء القوى الأجنبية المساعدة هذه العناصر المحرومة من الثقافة الإسلامية ويدفعونهم إلى الاستيلاء على السلطة سواء كانوا من العسكريين أو الحزبيين أو الانتهازيين ممن هم أبعد الطوائف عن الثقافة الأصيلة وأكثرها تأثرًا بالنفوذ الثقافي المستورد ويعتقدون أن أول خطوة لاستقرارهم في السلطة هي القضاء على الحركات الإسلامية والوطنية الأصيلة القريبة منها والمرتبطة بأصولها. 

ولا يمنع من تنفيذ هذه الخطط بعيدة المدى، أن تحاول القوى الأجنبية تشجيع الحكم الوطني على استخدام الإعلام وسيلة لاجتذاب القواعد الشعبية بأن تفتح أمام النظم الوطنية باب المزايدة الكلامية والخطابية، وتشجعها على استقطاب الجماهير باستغلال الشعارات «القومية» تارة و«الاشتراكية»، بل و«الوحدوية»، تارة أخرى، وهدفها الحقيقي هو أن تصرفها عن الشعارات الإسلامية وعن أصالتها العقيدية والثقافية وتبعدها عن تيار الفكر الإسلامي الأصيل، وتضع خططا استراتيجية تفرضها القوى الأجنبية اللادينية على بعض النظم الوطنية، التي تتلقى منها المعونات أو القروض أو النصائح أو الأسلحة، وأول هذه الخطط إبعاد الإسلاميين عن ميدان التعليم بحجة تطوير المناهج، وعن ميدان الإعلام، وميدان الثقافة، وعن مناصب الجيش والشرطة ومراكز السلطة الحقيقية، ويكون الدعم المقدم لكل حاكم وطني متوقفًا على مدى نجاحه في تنفيذ هذه الخطط التي يظن أنها لصالحه هو وجماعته ظاهريا، لكنها في الواقع لصالح القوى الأجنبية الاستعمارية سواء عرف ذلك أو لم يعرف.

الإلهاء بالشعارات والخطط الفاشلة:

بل إنه لا يضر القوى الأجنبية كثيرًا أن تقتحم الأحزاب الوطنية باب المزايدة على الوحدة فهم يشغلون الشعوب بدعوات الوحدة من جميع الأشكال والألوان، بل ويدخلون في تجارب فجة من هذا النوع يكون فشلها مؤكدا، لكي تشكك شعوبنا في مبدأ الوحدة بكل صورة، وتؤدي إلى انصرافها عن جميع شعاراتها، ولا تشترط القوى الأجنبية في دعوات الوحدة المسموح بها الوطنيين إلا شرطا واحدا هو إلا تكون لها جذور إسلامية والا توصف بأنها وحدة إسلامية، لأنهم يعلمون مقدما أن هذا الطريق سوف يؤدي بها إلى الفشل، ولقد لاحظ البعض أن هؤلاء القوميين يشغلون الشعب بمشروعات وحدوية مع أقطار بعيدة لتبعده عن شعوب الأقطار الملاصقة أو القريبة، بل ينشؤون محاور معادية لجيرانهم الأقربين أو تعزلهم عنها، كما فعل عبد الناصر في دفع السودان للانفصال لمجرد أنهم تحيزوا لمحمد نجيب الذي أيد المطالبة بالحياة النيابية. وبعد ذلك سارع للوحدة مع سوريا تهربا من الضغط الشعبي الذي كان يتجه للتعاون مع شعب فلسطين ويتوقع صداما مع «إسرائيل» التحرير فلسطين أولًا، كما سارع إلى مساعدة العسكريين في اليمن للتحالف معهم ضد السعودية المجاورة له، وسعى لاستغلال مساعداته للثورة الجزائرية لصرف الجماهير عن قضية فلسطين أو الوحدة مع ليبيا أو السودان... إلخ.

لا شك أنه كان هناك وطنيون لهم قدر من الذكاء والفطنة تدفعهم إلى مقاومة هذه النصائح أو المطالب الاستعمارية، لأنهم يعلمون أن الأجانب الذين يقدمون لهم هذه التوجيهات لن يترددوا في فرض سيطرتهم عليهم بعد أن يستغلوهم إلى أقصى حد وأن غياب الإسلاميين من الساحة سوف يشجع العدو على تنفيذ أهدافه الاستعمارية بالقضاء على كيان دولتهم وإبادة الوطنيين من كل نوع ومن كل لون، ولكن من سوء الحظ أنه كان وما يزال يوجد في بعض البلاد انتهازيون قصيرو النظر لا يهمهم إلا الوصول للسلطة أو الاحتفاظ بمناصبهم، ولو أدى ذلك إلى التخلي عن مقاوماتهم أو رهن مستقبل شعوبهم والتنكر لأصولها وأهدافها الأصيلة، ويؤدون فروض الولاء والطاعة للقوى الأجنبية بتنفيذ مطالبها التي تؤدي بهم إلى الدخول في معركة مع الجماهير المؤمنة نفسها. بحجة انحيازها للتيار الإسلامي، ويجعلون هدفهم هو اقتلاع جذور الدعوة الإسلامية والقضاء على قيم الإسلام وعقائده ومقوماته التي تعتز بها شعوبهم وتدافع عنها، وهم يظنون أن التأييد الأجنبي كفيل بحمايتهم من انتقام الشعوب وثورتها إلى ما لا نهاية، ويصبح هذا الصنف من الحكام عملاء يربطون مصيرهم بالنفوذ الأجنبي، لأنهم يعلمون أنه لا بقاء لهم ولا مستقبل لحكمهم إذا نجحت الشعوب في التحرر. الحقيقي الذي يمكنها من فرض إرادتها، وتقرير مصيرها، واختيار حكامها، وتأكيد هويتها الإسلامية وأصالتها التاريخية التي يخشون أن ينجح صمود الإسلاميين في حمايتها والدفاع عنها في جميع المراحل رغم كل المخاطر والتضحيات، وأحداث الجزائر الأخيرة خير شاهد على ذلك.

اعتماد النظم القهرية على أصحاب الفكر الدخيل:

إن هذه النظم المتذكرة للقواعد الشعبية المعادية لجماهير أمتهم لا يجدون في صفهم إلا طائفة من ذوي الثقافة الأجنبية، الذين حرموا الاتصال بفكر الإسلام وثقافته الأصيلة، والذين كانوا في عهد الحكم الأجنبي يحظون بمزايا كثيرة بسبب انتسابهم لهذه الثقافة الغربية ولغتها الاستعمارية، مما جعلهم تابعين لمصادرها ولأصحابها، وهم ينقلون عدوى هذا الشعور لأجيال لاحقة بعد الاستقلال عن طريق سيطرتهم على «التعليم العصري» الذي يعد قادة كل هدفهم الوصول إلى مقاعد السلطة أو الاستفادة من مزاياها دون أن يكونوا مدينين بذلك لشعوبهم أو لجماهيرهم، ويبقى الاستقلال «الوطني» في كثير من البلاد شكليا مقيدا بالتبعية للاقتصاد الاستعماري والثقافة الأجنبية، ويكتفي بعض الحكام بأن يستعينوا بهذا الصنف كتراجمة أو وسطاء في علاقاتهم بالقوى الأجنبية وممثليها في الخارج الذين يعتبرونهم أولياء نعمتهم. ويسبغ عليهم الإعلام والنفوذ الأجنبي صفة «المثقفين» العصريين أو المتنورين أو التقدميين... إلخ، ويزداد بذلك غرورهم حتى يعتبروا أنفسهم محتكرين لهذه الصفات، ويظنون أن الشرط الأول لحصولهم عليها هو بعدهم عن ثقافة الإسلام الأصيلة وقيمها وتقاليدها، بل يذهب كثير منهم إلى التذكر لها طلبا للمزيد من الحظوة لدى أعداء أمته كلما وجد منهم رغبة في ذلك. وتصبح صفة «المثقف» في القاموس الاستعماري خاصة بمن يعلنون براتهم من قيم الإسلام أو يتنافسون في الهجوم على شريعته وتاريخه. ولقد لاحظنا أن بعض الدول الناشئة التي منحها الاستعمار استقلالا شكليا بقصد إبعادها عن الأصالة الإسلامية والثقافة العربية المرتبطة بالإسلام، يحصلون على مساعدات مالية المقاومة الأمية، ويقصدون بذلك نشر اللغة الاستعمارية التي أعلنوها لغة رسمية كالفرنسية أو الإنجليزية، ولذلك يعتبرون ذوي الثقافة واللغة العربية «أميين» لأنهم لم يتكلموا اللغة الأجنبية.

 كلما اتجهت عامة شعوبنا للصحوة الإسلامية زاد اهتمام القوى الاستعمارية بهذه الطبقة المدينة التي يعتبرونها قاعدة لنفوذهم الثقافي والهجوم على مقوماتنا الأصيلة، ويدخلون ضمنها طائفة من الصحفيين والفنانين والكتاب الذين لا نصيب لهم من ثقافة الإسلام وعلومه، ويساعدهم في ذلك سيطرة الإعلام الأجنبي والحكومي الذي يمكن هؤلاء من ادعاء احتكارهم لصفة المثقفين حتى إنهم أصبحوا في بعض البلاد ينكرون هذه الصفات على كل من يتمسك بالأصالة أو الثقافة الإسلامية واللغة العربية، وقد زادت هذه الظاهرة في الجزائر حتى أصبح طائفة من هؤلاء «المثقفين» لا يدخلون فيها إلا من يعتبرون أنفسهم ممثلين للقوى الاستعمارية وحلفائها ولغتها الفرنسية، ويزداد تحالفهم كلما زادوا بعدًا عن مشاعر الجماهير الإسلامية أو تنكرًا لعقيدتها وأصالة شريعتها، بل تنكروا للديمقراطية نفسها، لأنها توجب تسليم السلطة للأغلبية والعامة المتمسكة. بالأصالة الإسلامية واللغة العربية، إنهم يستثنون من هذا المبدأ الديمقراطي عامة شعوبهم وشعوب العالم الإسلامي، لأن صفة الإسلام في نظرهم تستوجب حرمان من ينتمي لها من الحقوق الإنسانية والوطنية، إنهم أصبحوا أكثر اندفاعا من القوى الاستعمارية نحو حرمان شعوبنا من حريتها في اختيار ممثليها ومصادرة حقها في الانتخابات الحرة والإعلام الحر والحريات والحقوق الإنسانية كلها.

لقد أصبح تزوير الانتخابات، وقمع دعاة الحرية السياسية، وإقصاء كل من تمنحهم العامة ثقتها، بل والعامة ذاتها، وأصبح هذا هو الوضع العادي الذي لا يقبل منافسة عند هذه الطبقة ممن يسمون أنفسهم «مثقفين»، لأن الثقافة في نظرهم أصبحت ثمرة للنفاق لمن يملكون السلطة وقد ثبت لهم أن القوى الأجنبية وحدها هي التي في يدها مفاتيح السلطة في بلاد العالم الثالث

 في الجزائر رأينا أن وسائل الإعلام الأجنبية تعرض المشكلة على أنها خصومة سياسية بين العناصر المسيطرة في الجيش والحكومة، وبين جبهة الإنقاذ الإسلامية والتي اكتسحت الانتخابات البلدية والنيابية، لكن لا تشير إلى أن متبع هذه المشكلة هو الصراع بين «المثقفين» المستغربين ومن يسمونهم الأصوليين، فالأولون يعتبرون أنفسهم المستحقين الوراثة الإدارة الاستعمارية، باعتبارهم امتدادا لها وحلفاء للقوى الأجنبية، في حين أن الأصوليين هم في عمومهم أنصار الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة الذين أدركوا أنهم لا مكان لهم في المجتمع والحكم الذي يسيطر عليه دعاة التبعية السياسية والثقافية والاقتصادية للقوى الأجنبية.

تعريب التعليم في عهد بو مدين:

لقد قام الحكم الوطني في عهد بومدين بعملية تعريب التعليم في جميع مراحله وتخرجت أعداد كبيرة من الجامعيين ذوي الثقافة العربية، لكنهم فوجئوا بأنهم لا مكان لهم للعمل في الإدارة ولا في الاقتصاد ولا في المجتمع وقال لي أحدهم: «إنني حصلت على الشهادة الجامعية في المحاسبة والاقتصاد باللغة العربية. ولكنني لا أجد مكانًا للعمل في بلادي، لأن المحاسبة في الشركات العامة والخاصة وفي الإدارة ما زالت بالفرنسية وحدها، ولا مكان للغتي العربية هناك».

(*) أستاذ القانون الدولي السابق- بجامعة القاهرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل